دكتور كميل موسى فرام
أستاذ مشارك/ كلية الطب - الجامعة الأردنية
استشاري النسائية والتوليد/ مستشفى الجامعة الأردنية

الزواج بمفهوم المنطق الطفولي للزوجين والعائلتين يعني الحمل، وبغير ذلك لا يكون الزواج مبررا أو مكتملا لشروط الاتحاد وحتى لا يقتصر على العبث الزوجي بتفرد، والادعاء بوضع خطة لتأخير الحمل يعتبر باطلاً لأن مثل هذا التفكير غير مفسر في قاموس أصحابه وهو بمنطق الوعي الذي يفتقر إليه هؤلاء الشركاء، وبعكس ذلك فلن يقدموا على ارتكابه، وعليه، فيجب التوضيح والتركيز على مخاطر الحمل المبكر على الفتاة بشكل أساسي من النواحي الصحية والاجتماعية والنفسية والسلوكية، وأعلم سلفا أن هناك الكم الكبير من الدراسات والأبحاث التي تنذر وتدق ناقوس الخطر لمثل هذا النوع من الزواج.


الإجهاض المتكرر والمبكر
 
 للدخول في عمق الموضوع، تتعدد المخاطر الصحية في هذا النوع من الزواج وعلى سبيل المثال فحمل الفتاة في فترة زمنية مبكرة من عمرها لن يستكمل بمدته الكاملة ،لأن جسمها لم يكتمل نموه بعد، وقد تتعرض للإجهاض المتكرر والمبكر نتيجة عدم اكتمال العلاقة الهرمونية بصورتها التنظيمية النموذجية الصحيحة إضافة لارتدادات الصدمة العائلية والنفسية. مجرد الحدث لابتداء الدورة الشهرية في عمر الفتاة بعمر معين لا يعني بالضرورة مقدرتها الجسمية على التكيف على الأمور الحياتية الجديدة باعتبارها أصبحت (وهذا الافتراض) المسؤولة الأولى عن منزل الزوجية بمشاركة الزوج الكريم، خصوصا في فصول الحمل المتتالية. وهناك ما هو أخطر بزيادة فرصة تعرض الفتاة إلى الإصابة بفقر الدم وخاصة خلال فترة الحمل وهو أشهر مضاعفات الحمل بشكل عام، وفقر الدم بحد ذاته يشكل خطرا حقيقيا على صحة الأم وحياتها، ومنطق النتيجة المنتظر لزواج مبكر، أن لا يكون الزوجان المراهقان على دراية تامة لأهمية العنصر الغذائي أثناء فترة الحمل والولادة والرضاعة، خصوصا بين أفراد جيل يضع على سلم أولوياته متابعة التغيير والتبديل لأحدث أنواع التليفونات الخلوية وتقنياتها، بل وتعدد الخطوط الهاتفية إن أمكن.

 الأمهات الصغيرات
هناك زيادة بنسبة الوفيات بين الأمهات الصغيرات أي ما بين 15-19 عاما عن الأمهات اللواتي تزيد أعمارهن عن العشرين عاما بسبب الحمل. هذه الحقيقة تستند في وضعها بعدم مقدرة ونضوج الفتاة لمرحلة زمنية تساعدها على تفادي مضاعفات الحمل والولادة، حيث أن مرحلة النضوج الفسيولوجي والفكري لم تكتمل، وقد تزداد وفيات أطفال الأمهات الصغيرات بنسبة أكبر من الأمهات الأكبر سنا وذلك لقلة الدراية والوعي بالتربية والتغذية، فهذا الحدث العائلي المنطقي يحتاج لظروف خاصة، لا يستطيع الزوجان المراهقان توفيرها، وتدخل الأهل يفسد هذا المفهوم، ولا يوجد تصرف يدمر حياة الزوجين الصغيرين ويفقدهما طعم الأبوة مثل تولي الأم أو الحماة تربية الأطفال لعدم مقدرة الأبوين على الاضطلاع بهذا الدور وهو منطق غريب ومتناقض: فكيف نثق بهما كزوجين يعيشان تحت سقف واحد، ولا نثق بقدرتهما على تربية الأطفال؟
أما الخطر الأكبر من الناحية الصحية للزواج المبكر فيتمثل في زيادة نسبة حدوث الولادة المبكرة وتحديدا الولادة قبل إكمال الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل، وما يصاحب ذلك من متاعب ومشاكل صحية على الجنين، والتي تعتبر امتدادا لمشاكل الأم الصغيرة، فعدم وصول مختلف أعضاء الجسم إلى درجة التطور والنضوج بشكلها المكتمل هو الواقع الذي يجب أن يوضح بصورته الصحيحة، فالرحم مثلا لا يصل إلى حجمه المؤهل للوظيفة قبل سن الثامنة عشرة سنة، واستجابته للتغيرات الهرمونية المؤثرة بشكلها الصحيح، لا تمثل شهادة صحية لقيامه بوظيفته الحياتية، وعليه، يجب التذكير بأن الولادة المبكرة لها تأثيرها المباشر على زيادة نسبة وفيات الأطفال حديثي الولادة، بالإضافة إلى أنجاب مواليد ناقصي الوزن والنمو وهو ما يجعل هؤلاء المواليد أكثر عرضة للمخاطر الصحية.

 عمر السيدة أثناء الحمل الأول
هناك خطر مدمِّر يرتبط إلى درجة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار بعمر السيدة أثناء الحمل الأول وهو حدوث ارتفاع بضغط الدم مع الحمل وهو ما يعرف بتسمم الحمل، ويمثل هذا الوضع المرضي خطرا حقيقيا على حياة السيدة بكل معنى الكلمة لآثاره الخطرة على صحة طرفي معادلة الحمل، وأجزم شخصيا القول إن زيادة فرصة حدوث ثنائي مضاعفات الحمل الخطر المتمثل بالولادة المبكرة وتطور حدوث ارتفاع ضغط الدم المصاحب للحمل، يمثلان خطرا مهددا لحياة السيدة والجنين أو المولود الخديج لو اكتمل الحمل لمراحل الولادة. وهو الثنائي الذي يمثل البعبع الأساسي في الحمل، بل وتكون الأمور أكثر صعوبة وخطورة لو تكلل الأمر بمشاكل الحمل المتعلقة بالمشيمة والنزيف الرحمي المرافق، ولا غرابة في ذلك، فسن الزواج المبكر يمثل خطرا واقعيا لإنغراس المشيمة في موقع متدن بالرحم الصغير نسبيا والذي استقبل الجنين في غير موعد مناسب.
الملاحظ أن الخط البياني لولادات هؤلاء الأطفال تسير بمنطق زيادة نسبة الولادات بالعمليات القيصرية والذي يندرج أساسا بعدم مقدرة الأم الصغيرة الحامل على تحمل مخاض الولادة ليجعلها ضحية لولادة قيصرية لعدم نضوجها ودرايتها، فيكون الطريق الأقصر لاختصار الزمن والابتعاد عن مراحل الولادة. وهناك جانب آخر من المخاطر الصحية التي تترتب على الزواج المبكر بعيدا عن مشكل الحمل والإنجاب يتمثل بزيادة  نسبة الإصابة بسرطان عنق الرحم بسبب التواجد الطبيعي لنسبة عالية من الخلايا غير المحددة السلوك في مراحل المراهقة المبكرة، والتي قد تتمرد على الانضباط الهرموني الطبيعي، حيث أنه من الثابت علميا الارتباط الطردي في فرصة تطور سرطان عنق الرحم مع سن الزواج المبكر قبل إكمال الثامنة عشرة من العمر.

 التفرغ للحياة الزوجية!
ناهيك عن ضعف الوعي الصحي عند هذا الجيل وبالذات لنظرية تنظيم الحمل وتحديد النسل خصوصا فإن مفهوم الزواج المبكر يعني التفرغ للحياة الزوجية في مجال ضيق بعيدا عن حسابات المنطق، فلا عتاب على زوجين صغيرين بالعمر عندما يفرحان بتكرار فرصة الحمل والإنجاب كمكافأة اجتماعية لمغامرة صعبة عليهما ولا ذنب حقيقيا لهما بالنتائج.
فالنتيجة ببعدها المنطقي والحسابي تكرار الحمل وزيادة عدد الأطفال، دون الحسابات الدقيقة لنتائج التأثير الصحي المضاعفة من الناحية الجسدية والنفسية، ومنطق عدم الأهلية على تربية الأطفال في هذا العمر الطفولي المبكر، فزيادة الأعباء الملقاة على عاتق الفتاة في هذه الفترة من حياتها يحمل نتائج سلبية على المستوى العائلي الصغير والكبير وبالتالي على المستوى الوطني، وعلينا أن لا نـُفاجأ لو تطور الأمر لمشكلة أكبر في حالة عدم حدوث الحمل الفوري بعد الزواج بسبب عدم اكتمال النمو ومن شأن ذلك أن يزيد من الضغط النفسي على الزوجة الصغيرة، والتي في النهاية سوف تصنف بمجموعة أصحاب الحظوظ الضعيفة في القدر والحياة لفرصة الهرم والشيخوخة المبكرة وترهل الجسم المبكر خاصة عند عدم وجود فسحة بين الولادات وعدم تمكنها من استرجاع القوة والصحة بعد الولادة، وهو تفسير يريح من حيث اللغط اللغوي، ولكنه يفتقر لمبادئ التفكير العلمي السليم، على اعتبار أن الإقدام على فعل كهذا لن تكون نتيجته إلا هذه النتيجة المؤسفة.
الزواج المبكر هو احدى حالات الاعتداء المبرمج على تطورالانثى النفسي والاجتماعي وبهذا فهي أمام مسألة انعدام السيطرة على حياتها وحرية التحرك والاختيار الذي تفتقر له الفتاة العربية في بيئتها، ويجب هنا عدم المقارنة والخلط مع سلوكيات الفتاة الغربية بسنوات المقارنة والتي نرفضها جميعا في مجتمعنا المحافظ على سلوكياته المثالية، ناهيك عن أن ذلك يجب أن يفسر بأنه يعني نوعا من سلب الاستقلالية الأساسية للفتاة من حيث الحفاظ على خصوصيات فرصة الانفراد والاختيار بنفسها وللحديث بقية.



خبــــــــــــرات

وعي الأم الصغيرة

مع التسليم بنتيجة الزواج المبكر لزيادة فرصة الولادة المبكرة واحتمال ولادة أطفال قليلي الوزن، وضعيفي المناعة، وبطيئي النمو والتعرض الطردي للأمراض المتكررة خصوصا مع عدم اكتمال نمو الرئتين، فيولد قسم من الأطفال يعانون من إعاقات وأمراض دائمة هي في النتيجة سبب كاف ٍ لزيادة حلقات المسلسل المرضي وما يترك من صدمات عائلية على الزوجين الصغيرين اللذين في حقيقتهما بحاجة للرعاية وتدبير الأمر، ويعتمدان بشكل كلي على الأهل في جميع مفاصل حياتهما، عندما يشكل تناول البوظة سببا للسعادة.
فهناك من المشاكل التي يعاني منها الأطفال الجدد نابعة من عدم وعي الأم الصغيرة الكافي بالعناية بالأطفال والتغذية السليمة مما يؤدي إلى عدم إعطاء الطفل فترة رضاعة طبيعية كافية، وتعرضه لأمراض وحوادث صحية وبيئية أخرى، فهناك مفهوم خاطئ متوارث في المجتمع مفاده أن أمهات صغيرات في السن هن أقوى وأصح جسديا وبالتالي يكون النسل أقوى، وهو مفهوم أتمنى دفنه أو تصحيحه على أقل تقدير.


ماكينة للتفريخ والولادة

عالم الزوجية بكل أركانه الجميلة والمعقدة، هو الأمل لكل فتاه ولكن يجب أن يحترم ذلك في توقيته، وعدم فهرسته بعنوان ‹›ماكينة للتفريخ والولادة›› فمرور الفتاة بتجربة الزواج المبكر يجعلها تعاني أضعاف الأضعاف لسنوات أطول وأقسى، فهذه الأزمة يغلفها الصمت وتغيب احتياج الأنثى إلى مقومات الثقة بالنفس والى تجربة حياة غنية وبلوغ كفيلة لها بأن تعينها على مواجهة التحدي، والى أهل يقفون من ورائها فلا يتركونها تجدّف في قارب الزوجية وحيدة قبل الموعد.
وعدم القدرة على التعبير عن المشاعر الناتجة عن دخولها الحياة الزوجية في غير التوقيت المناسب والشخص المناسب الذي يجب أن يكون لها رأي به، وسيوقعها بمسميات نحاول أن نفسرها بحسن النية كالخجل والغضب والخوف والضعف والنفور فيمنعها من مواجهة حقيقة مشاعرها تجاه نفسها وتجاه الزوج والمحيطين بها.