هزاع البراري - المرأة الأردنية لم تكن في مرحلة من المراحل، في عزلة عن ما يدور في المنطقة والعالم من حراك ارتبط بالمطالبة بالحقوق الوطنية وبالحريات العامة والخاصة للشعوب والفئات والأفراد، ورغم أن الأحوال العامة والظروف السياسية والاقتصادية وغيرها، قد أخرت انطلاقة الحركة النسائية، نظراً لوجود أولويات مصيرية ملحة، أجلت كثيراً من جوانب نهضة المجتمعات العربية، وانصهار هذه القوى المختلفة وعلى رأسها الحركة النسائية في معركة واحدة، تلك المعركة التي خاضتها الأمة من أجل حرية الشعوب وتحرر الأوطان، وكانت المرأة العربية دائماً في خضم هذه المعركة النضالية، وقد اتخذ هذا النضال أشكالاً عده من الحرب الحقيقية المباشرة كالثورة العربية الكبرى ومعركة ميسلون، والمواجهات المستمرة وحرب العصابات، إلى النضال السياسي والفكري والمقاطعة الاقتصادية، وقد تحملت المرأة العربية مسؤوليات كبيرة، وكتمت آلاما مزمنة وعاضدت الرجل في مختلف المواجهات، وبحسب ما تسمح به الظروف والأحوال.



إميلي بشارات رائدة عابرة للأجيال، ومناضلة لم تنطفىء ذبالة نشاطها يوماً، حتى وإن أخذتها سنواتها الأخيرة إلى عزلة النفس الراضية المرضية، فقد بقي اسمها ومنجزها حاضراً بقوة، فهي صاحبة الجهود المؤسسة المنتجة للإرهاصات الأولى للحركة النسائية الأردنية بشكلها الحديث، فقد حفرت مع زميلاتها في الصخر القاسي، لذا كانت خطوات ثابتة غير قابلة للمحو، فإميلي بشارات حالة فريدة في تاريخ الحركة النسائية الحديثة، وقد ضحت في سبيل نهضة المرأة ونيلها لحقوقها، وهي التي عاصرت وعايشت منذ بواكير وعيها جهود تأسيس الدولة الأردنية، ولا شك أنها رصدت توجهات الحركة الوطنية الأردنية في بداياتها، وهي تستمع لبعض ما يدور في مضافة والدها الباشا سلطي البشارات، الذي تمتع بعلاقات وثيقة مع الأمير عبد الله المؤسس، ومع عدد كبير من رجالات الحركة الوطنية، وصداقات وطيدة مع رجال الحكم في الدولة ورجال الحكم المحلي في محافظة البلقاء، وكان لهذا كله أثره في نشأة ثقافة ووعي إميلي بشارات، وساعدها في بناء قناعاتها وتوجهاتها السياسية والنضالية.
ولدت إميلي بشارات مع بديات العقد الثاني من القرن العشرين، حيث يشير الباحث هشام عودة أنها ولدت في نهايات عام 1913، وسط بيت والدها سلطي البشارات شيخ عشيرة البشارات المسيحية العريقة في السلط، ويعد سلطي باشا من كبار رجالات مدينة السلط والبلقاء عامة، وكان له حضوره وفعله على الساحتين السياسية والاجتماعية، وعد من الوطنيين الغيورين، الذين تردد صيتهم في عرض البلاد وطولها، وقد ترعرعت إميلي في بيت والدها العامر بالحركة، وتلقفتها حارات ودروب مسقط رأسها السلط، الحاضرة الأكثر حركة وازدهاراً في تلك المرحلة، وبعيد تأسيس الدولة الأردنية عام 1921، قام الأمير عبد الله بن الحسين المؤسس بزيارة لبيت والدها في السلط، حيث صدور بعد ذلك المرسوم الأميري بمنحه لقب باشا، نظراً لمكانته داخل مدينة السلط وخارجها، وهي المكانة التي تكرست مع الأيام.
التحق إميلي بشارات بمدرسة « الفرندز « للبنات بمدينة رام في فلسطين، وكان عليها وهي ذلك العمر أن تقيم بعيداً عن أهلها فترات طويلة من العام، نظراً لعدم وجود مدارس رسمية للبنات في تلك الفترة، ولعل هذا قد ساعدها مبكراً على بناء شخصيتها القوية المستقلة، والاعتماد على النفس في المواقف الصغيرة والكبيرة، وهذا ما مكنها من تحقيق أهدافها والدفاع عنها لسنوات طويلة، فكانت صلبة وثابتة عند مواقفها، مستعدة دوماً لدفع الثمن مهما ارتفع وطالت فترة سداده، وقد فتحت دراستها وتفوقها فها المجال رحباً أمامها، فبعد أن أنهت دراستها حاصلة على الثانوية العامة، عينت في مدرسة المعارف التي أنشئت بعمان في الثلاثينيات من القرن العشرين، فأصبحت بذلك معلمة للغة الإنجليزية، غير أن العمل لم يحد من طموحها في تحصيل مزيد من التعليم، فالتحقت بالكلية السورية البريطانية في مدينة بيروت، وواظبت على الدراسة فيها حتى نالت شهادة الدبلوم في التعليم، لتواصل رسالتها في التعليم ولتكون من أوائل المعلمات في الأردن.
كانت من المعلمات الناشطات، اللواتي حملن هاجس التوعية للطالبات كركن موازٍ للتعليم المنهجي، ولم تتخل عن حلم الدراسة وتطوير قدراتها العلمية والعملية، فسافرت إلى عاصمة الضباب لندن من أجل الدراسة، وهذه المرة اختارت أن تدرس القانون وكان لها ذلك، فنالت شهادة الدبلوم بالقانون، وعادت لعمان لتكون أول محامية أردنية مسجلة في نقابة المحامين الأردنيين، فهي رائدة حقيقية في أكثر من مجال، وقد شكل لها تخصصها الجديد فهماً عميقاً لم تعانيه المرأة من واقع لا يرقى لمستوى الطموح، فتحركت مع عدد من زميلاتها، تمكنَّ من تأسيس أول اتحاد نسائي في الأردن وكان ذلك عام 1945، بعد جهود مضنية على أكثر من صعيد، غير أن هذه التجربة التي واجهت صعوبات متلاحقة قصرت من عمرها، كانت الشمعة التي أنارت مئات الشموع الآخذة بالازدياد عاماً بعد عام.
مع تصاعد وتيرة الوعي والنشاط السياسي الأكثر نضجاً، عمدت إميلي بشارات مع رفيقاتها إلى تأسيس اتحاد نسائي جديد تحت اسم « اتحاد المرأة العربية « في خمسينيات القرن الماضي، وكان لهذا الاتحاد نشاط  نقابي وحزبي  واضح، لذا تم أغلاقه بعيد إعلان الأحكام العرفية في أواخر العقد نفسه، لكن هذه الفكرة بقيت حاضرة في النفوس، ولم تتخل عنها إميلي في يوم من الأيام، وخلال هذه المرحلة تفرغت لتحقيق عدد من أهدافها، فقد أصبحت عضواً في مجلس نقابة المحامين في أكثر من دورة، كما سعت لإكمال دراستها الجامعية، فسافرت إلى بريطانيا مرة أخرى، فحققت حلمها بحصولها على شهادة البكالوريوس في الحقوق من لندن عام 1960 وهي في عمر الخمسين.
عملت المحامية والناشطة السياسية إميلي بشارات مع ناشطات بارزات على تأسيس اتحاد المرأة للمرة الثالثة عام 1972، حيث أصبحت بشارات رئيسة لهذا الاتحاد الذي بدأ يحتفل باليوم العالمي للمرأة منذ إقراره عام 1975، وأخذ الاتحاد يؤكد مكانته بين المؤسسات السياسية كالأحزاب والنقابات، وقد تصاعد نشاطه للحد الذي دفع الحكومة لإغلاقه، وتأسيس اتحاد بديل، غير أن إميلي ورفيقاتها تمكن من الحصول على حكم من محكمة العدل العليا بعدم قانونية حل الاتحاد، لكن ظروفاً مختلفة أبقت الاتحاد معطلاً، غير أن إميلي حافظت على نشاطها الاجتماعي ونضالها السياسي، وقد حظيت نتيجة سنوات من الجهد والعمل المضني على مكانة عربية بارزة، فنالت عضوية الاتحاد النسائي العربي العام، وكذلك عضوية الاتحاد النسائي الدولي، ومن المحطات المهمة في مسيرتها النضالية اختيارها ممثلة عن اتحاد المحامين العرب في مؤتمر المرأة العاملة، الذي عقد في عاصمة العراق بغداد عام 1975، وجاء ذلك نتيجة لنشاطها الدءوب وعضويتها اتحاد المحاميات الدولي، لذا شاركت بعدد كبير من المؤتمرات الدولية كمؤتمر نيودلهي.
لعب إميلي بشارات ومثيلاتها دوراً مؤثراً في تعديل قانون الانتخابات، الذي تحقق عام 1974 مانحاً المرأة حق الانتخاب والترشح، ولم تقتصر جهودها في الجانب السياسي وحقوق المرأة، فقد كانت لها إنجازات في مجالات تنموية واجتماعية عديدة، فقد أسست عام 1951 أول ميتم في الأردن، وكان هذا الميتم نواة مبرة أم الحسين للأطفال الأيتام، كما ساهمت بقوة في تأسيس أول مدرسة للتمريض بدعم من ما يسمى النقطة الرابعة الأمريكية عام 1953. هكذا كانت إميلي بشارات نبع عطاء لا ينضب، فنالت التكريم والتقدير طوال حياتها، وحازت على أوسمة وشهادات تقدير، وأطلق اسمها على عدد من المراكز المتعلقة بأنشطة المرأة، وقد مالت إميلي إلى العزلة في سنواتها الأخيرة، وربما أحست بالإحباط نتيجة عدم الالتفات لمنجزها في السنوات الأخيرة، حيث توفيت بصمت عام 2004، عن عمر ناهز التسعين عاماً.     
    
    hotmail.com @ hbarari54