إن زواج القاصرات ليس مجرد "عقد قران"، بل هو حكم بالإعدام على فرص الفتاة في التعليم والعمل وتطوير الذات، مما يعيد إنتاج دائرة الفقر والجهل، ناهيك عن المخاطر الجسدية الجسيمة المرتبطة بالحمل والولادة في سن مبكرة والتي تسجل معدلات وفاة مقلقة عالمياً؛ وهذا الواقع يتعارض جوهرياً مع اتفاقية حقوق الطفل التي تكفل حق الفرد في النضج والحماية من الاستغلال. وللأسف، لا تزال هذه الظاهرة تجد ملاذاً في بعض الثغرات التشريعية والقوانين المحلية التي تسمح باستثناءات "تقديرية"، مما يشرعن سلب الطفولة تحت غطاء قانوني هش؛ لذا تبرز الحاجة الماسة لتبني تشريعات صارمة لا تكتفي بتحديد السن القانوني، بل تغلق كافة أبواب الاستثناءات، لضمان مواءمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية، بما يشكل ركيزة تحمي حق الفتيات في تقرير المصير.
ختاماً، إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب ثورة في الوعي المجتمعي تقودها القيادة التربوية والمؤسسات الدينية والثقافية لتفكيك القناعات التقليدية، بالتوازي مع برامج تمكين اقتصادي للأسر الفقيرة واستراتيجيات لبناء شخصية الفتيات وتعزيز ثقتهن بأنفسهن؛ فبناء الشخصية الواعية هو الحصن المنيع الذي يمنح الفتاة القدرة على رسم مسار مستقبلها الأكاديمي والمهني بكل استحقاق، ويحولها من عنصر مستسلم للظروف إلى قوة فاعلة قادرة على قيادة حياتها. إن بناء الأوطان القوية يبدأ من حماية حقوق الصغيرات وضمان نضجهن الفكري والجسدي قبل إلقائهن في أتون حياة زوجية لم تكتمل بوصلتها بعد، ليبقى الاستثمار في تعليم الفتاة هو الضمان الأوحد لمجتمع واعٍ، مستقر، ومتحول من عقلية "الستر بالزواج" إلى عقلية "التمكين بالعلم والنضج".