أمرّ أحيانًا من السادس باتجاه طريق الوادي ما بين عبدون ودير غبار. من بعيد أرى سفوح الجبال تلوح من شرق الدّنيا ...شرق عمّان، بحيرة صغيرة من حقول وسط غابات من بنايات من حجر...تقف بلا حراك، نجت من سكين مثقاب منشار آلات الحفر...نجت ولا ندري لِمَ ... من باطون يسكب على تراب الأرض فيقتله هو ومخلوقات تتخذ منه مسكنًا تسعى فيه لرزقها. في الرّبيع ترى الأخضر من بعيد يزيّن الدّنيا...ربيع من أعشاب نمت فاخضوضر الحقل بها وتزين بأزهار ...لا أجمل.
قبل أيّام مررت في ذاك الطريق...يممت بصري نحو اللوحة التي أهوى فكان...المشيب. شاب الحقل وانعكست نهايته، نهاية حياة أعشاب الرّبيع. أصبح الحقل بلا حياة، مات الخضار بفعل قوّة لا ترحم...هي الشّمس. مات الرّبيع. أغيّر طريقي حتّى يهلّ الشّتاء و..ربيع جديد من بعده.
الرّبيع...هو موسم يهلّ بعد الشّتاء. فيه تطلّ الزهور وتعقد الأشجار المثمرة براعم ثمارها. فيه قمّة النشاط في النمو. فيه تتسابق الأعشاب لتطوَل، كل عشب ليفوق طول غيره.
ترى الحقول وقد ارتدت حلّة خضراء، يزيّن وجهها زهر أصفر أحمر ليلكي...كأنها السماء...في ليل صافٍ، قد توسدت تلك الحقول وامتلئت بالنجوم تشعّ لتضيء الكون.
في ربيع الشّجر والعشب والزهر، تستنفد هذه المخلوقات أقصى طاقتها في النمو لكن...يأتي فصل...الفصل. الصيف الذي تتوه تتعب تحترق تجفّ فيه الأعشاب من لهيب الشّمس. في الصيف يزول الاخضرار عن العشب ويصبح أبيض أصفر قشيّ بلون...الشيب. تكون هذه الأعشاب قد كبرت..شابت، منها ما يهوي وهو في مكانه، ومنها من يبلغ ...أرذل العمر ...تعمّر لتهرم لكن ينقصف عودها على أهون الأسباب. قد تهوي عند مرور دودة الحقل بجوارها...مرّ جرار زراعي ليحرث الأرض التي جفت أعشابها ولو من بعيد. بعضها تنضج ثماره فيطال عودها قوس الفلاح فيحدها من أساسها. الرّبيع سينتهي وتعود سيقان الالعاب والبشر إلى حيث نمو...إلى الأرض.
الرّبيع كثير الشبه بشباب المرء. فيه يبلغ نموه مداه...ترى العنفوان والسيقان تنمو والعقول تنمو بعدها يهل صيف الحياة. يلوّح شباب المرء بما نسميه ضحكا على الذّقون (نضجًا). تراه حكيمًا ذَا خبرة متكلمًا ومياه المشيب تسير من تحته وهو لا يعي حتّى...يسود الشيب ويبدأ الجزّ.
هي سنة الحياة...فسبحان الله.