خلال العقود القليلة الماضية، أثّر التغيّر المناخي على الأردن في ظل ارتفاع درجات الحرارة التي أدت إلى تقليص موارد البلاد المائية الشحيحة أصلاً.
ومع أولى الأمطار الموسمية التي تتساقط في تشرين الثاني/نوفمبر وفي بعض السنوات تتأخر حتى كانون الأول/ديسمبر، يواجه الأردن تحديات جديدة مرتبطة بتأمين موارد المياه، وأصبحت الأمطار الغزيرة التي يتأخر وصولها أكثر تواتراً، فيما تهدد الفيضانات بشكل متزايد بإلحاق أضرار بالمحاصيل والبنية التحتية.
وفي هذا السياق، يقول الخبير البيئي الأردني منقذ مهيار أن "علينا الإقرار أنه خلال السنوات العشر أو الخمسة عشر الماضية، تأثرت مستويات المياه بالتغير المناخي.. لم يعد موسم الامطار ثابتاً كما اعتدنا في السابق، إذ نشهد فترات جفاف تتبعها فيضانات مدمرة أو أمطار غزيرة مما وضع ضغطاً هائلاً على البنى التحتية المائية."
ويعتبر الأردن واحداً من البلدان العشرة الأكثر شحاً بالمياه في العالم بفعل ارتفاع درجات الحرارة ونموه السكاني المضطرد وإمداداته المائية غير المستقرة.
وعلى الرغم من أن الأردن تمتع إلى حد ما باستقلالية الامدادات الغذائية، يعاني قطاعه الزراعي وضعاً غير مستقر على الرغم من استخدام (70-80)% من المياه المعاد تكريرها في القطاع الزراعي.
ويحاول المزارعون الأردنيون ترشيد استخدام المياه من خلال تقنيات الري بالتنقيط الباهظة الكلفة، لكنهم يستمرون بالكفاح.
ويشير المزارع في وادي الأردن تامر طوباسي إلى أننا تحولنا مؤخراً إلى الري بالتنقيط لأن المياه التي نحصل عليها أصبحت أقل من السابق.. كنا نقوم فيما مضى بري 70 أو 80 دونماً وتراجع العدد حالياً إلى 30 أو 40 دونماً لأن هذا ما تسمح لنا المياه بريه.
يشار إلى أن النقص في المياه تفاقم بسبب تزايد أعداد اللاجئين في الأردن.
عام 2018، استقبل الأردن ثاني أكبر حصة من اللاجئين في العالم مقارنةً بعدد سكانه، 89 لاجئا لكل 1000 مواطن وغالبيتهم في المناطق الحضرية.
فضلاً عن التغير المناخي وزيادة أعداد اللاجئين، تبرز المسائل العالقة بين الأردن وجارته سوريا على خلفية مشاركة التدفق الطبيعي للمياه من حوض مياه اليرموك الواقع في سوريا.
وفي هذا السياق، يشرح منقذ مهيار ديناميات النزاع المائي بين الأردن وسوريا على مياه اليرموك. ويقول إن "منبع اليرموك يقع في سوريا وقد بنت الأخيرة سدوداً أكثر من تلك المتفق عليها لجمع مياه اليرموك بعد توقيعنا اتفاقية سلام مع اسرائيل عام 1994، والتي لم توافق سوريا عليها. وهذا ما خلف تداعيات سلبية على علاقات البلدين."
يصب نهر اليرموك في نهاية مطافه داخل الأراضي الأردنية ويلتقي بنهر الأردن ويغذيه في شمالي غرب البلاد مما يؤدي إلى قيام هذا الأخير بدوره بتغذية حوضه الزراعي.
ويضيف مهيار، "بحسب اتفاقنا مع السوريين في أواخر الثمانينيات، يجب أن تصب 450 مليون متراً مربعاً من اليرموك إلى الأردن وصولاً إلى نهر الأردن. ولكننا نحصل على ثلث هذه الكمية فقط."
ويعتبر العديد من خبراء المياه الأردنيين على غرار بروفسور الهيدروجيولوجيا والكيمياء المائية الدكتور الياس سلامة بأن الأردن ليس بوسعه إجبار سوريا على السماح بتدفق المزيد من المياه إلى الروافد الأردنية لليرموك.
وفي هذا الصدد، يشرح سلامة بأن "الأردن تولى إدارة الموارد المائية التي تنبع من داخل حدوده، ولكن أصبحت مشاركة تلك الموارد التي تأتي من خارج الحدود مسألة بغاية التعقيد. ليس بوسعه الاعتماد على مختلف الاتفاقيات الثنائية لمشاركة المياه التي وقعها، بل عليه الاعتماد على مصادر المياه الخاضعة لسيادته."
وانطلاقاً من ذلك، يقول سلامة إن الأردن لا يملك خياراً سوى استكشاف خيارات جديدة، "وبما أن موارد الأردن المائية الداخلية محدودة ولا تلبي حاجاته، تكمن الطريقة الوحيدة في تأمين حاجاتنا بالمياه والحفاظ على سيادتنا في تحلية مياه خليج العقبة." هذا الخيار باهظ الثمن ويتوقع أن تبلغ كلفته مليارات الدولارات فضلاً عن استغراقه الكثير من الوقت.
يكمن الخيار الآخر، ولكنه أكثر استدامة، في اعتماد الأردنيين على احتياطات المياه الجوفية التي يعود عمرها إلى 30 ألف سنة، لكنها تستنزف سريعاً.
وأشار الدكتور سلامة إلى أن الحل يجب أن يكون شاملاً لأن الأردنيين يستهلكون مياهاً أكثر مما هو متوفر في المصادر المتجددة، علماً أن إمدادات المياه المتجددة الحالية لا تغطي سوى نصف الاستهلاك الإجمالي للمياه، ويعود سبب النقص إلى استخراج المياه الجوفية بشكلٍ غير مستدام بما في ذلك آلاف الآبار الخاصة غير الشرعية.
ونتيجةً لذلك، عاشت العديد من المجتمعات في الأردن الكثير من الضغوط بسبب شح المياه، حتى قبل وصول اللاجئين السوريين منذ عام 2013، ومع هذا التدفق السريع للسكان، اتسعت الهوة بين المياه المتوفرة والطلب عليها بشكلٍ ملحوظ خصوصاً في المناطق الشمالية، وبالتالي فإن التحرك لمواجهة هذه المشاكل هو أمر اساسي اليوم للأردن وسكانه.
وفي حين يقترح سلامة بأن يقوم الأردن بتولي الأمر بمفرده، يطرح مهيار مقاربة مختلفة، فهو يعتقد أنه يتوجب إعادة التفاوض على اتفاقيات المياه المبرمة مع سوريا واسرائيل.
وفي هذا الإطار يقول إن "ما يجب أن يحدث هو أنني في حال كنت أملك المياه والتزمت بمشاركة نسبة 10 أو 15 في المئة أو النسبة المتفق عليها، لأنني عندما ألتزم بكمية محددة، فذلك يعني بأنني ملزم على احترام ذلك وألتزم بمشاركة هذه الكمية بغض النظر إذا ما كانت الكمية الاساسية التي أحصل عليها صغيرة أو كبيرة.. وعلى أرض الواقع، أنا لا أحصل على ما يكفي من المياه، وما زال علي تسليم 25 مليون متر مكعب إلى اسرائيل، وهذه فعلاً كارثة بالنسبة لنا.. كانت حساباتنا قائمة على افتراض اننا سنستمر بالحصول على ما بين 350 و450 مليون متر مكعب عبر اليرموك عندما بنت سوريا أكثر من 40 سداً (بعد عام 1994) فوقعنا نحن في سنوات من الجفاف. يصعب علينا تلبية حاجاتنا بشكلٍ كبير، ولكننا مع ذلك ما زلنا مجبرين على تطبيق اتفاقنا مع الاسرائيليين."
من ناحيةٍ أخرى، يشير مهيار إلى أنه في كل مناطق العالم لا تكون اتفاقيات المياه "دائمة" بل هي مرنة وتحتاج إلى متابعة مستمرة وإعادة نظر للحاجات والمتطلبات.
وتابع "الطريقة الوحيدة للحصول على السلام الحقيقي، أو السلام الازرق إن اردتم تسميته كذلك، فهذا يعني أنّه يتوجب على كافة الفرقاء الجلوس معاً وأخذ الوقائع الجديدة بعين الاعتبار. لقد تغيرت الأمور بدءاً من الإسرائيليين والسوريين وانتهاءً بالموارد المائية، أما المناخ وحده فهو سبب آخر لإعادة التفاوض على اتفاقية تقاسم المياه."