أنتجت السنوات الأخيرة وتفاعلات «الربيع العربي» وضعاً معقداً أدى إلى تعذر استعادة زخم العمل العربي المشترك، وتكاثرت محطات الاختلاف والتباين في المجموعة العربية، وأثناء ذلك حاول الأردن تحت قيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين العمل على رأب الصدع العربي، والتقريب بين وجهات النظر، وأثمرت جهود جلالته في تخفيف الاحتقان بين الأطراف العربية، وبناءً على ما تحقق للمملكة من نجاح دبلوماسي وتقديراً للمنهج الحكيم الذي تبنته وأرسته وسط واقع عربي مضطرب أتى الاجتماع الأخير الذي استضافته عمان وجمع جلالة الملك مع الر?يس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي.

أتى اللقاء في عمان وسط ترقب موقف عربي تجاه مجموعة من القضايا الملحة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي تشهد تصاعدًا في الأحداث يترافق بتأويلات متعارضة، وشدد القادة المجتمعون في عمان على ضرورة تفعيل الجهود لتحقيق السلام العادل والشامل الذي يلبي جميع الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الشقيق، وخصوصا حقه في الدولة المستقلة ذات السيادة والقابلة للحياة على كامل ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف، وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية، وهي المبادئ التي نافحت الأردن للمحافظة علي?ا وصيانتها نتيجة خبرتها العريضة في التعامل مع مراوغة الجانب الإسرائيلي ورعاياتها المستمرة والثابتة للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف والتزامها القومي تجاه الأشقاء الفلسطينيين.

ظهر اجتماع عمان بوصفه نواة لتشكيل كتلة عربية متقدمة تسعى لتطبيق نموذج للتعاون العربي المشترك على مختلف المستويات، وخاصة الاقتصادية والسياسية، وهو ما يمكن أن يشجع على إنهاء تمدد سياسة المحاور التي أضعفت الصف العربي في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وأرهقت الدول العربية في خلافات بينية كان يتوجب احتواؤها في الأسرة العربية، وعرج القادة المجتمعون على ضرورة الوصول إلى حلول للأزمات في سوريا وليبيا واليمن، وفقاً لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة والمرجعيات المعتمدة، وبما يحفظ وحدة هذه الدول واستقلالها ومقدرات شعوبها، و?حفظ الأمن القومي العربي، ويحول دون التدخلات الخارجية التي تستهدف زعزعة الأمن القومي العربي.

يستعيد الأردن مع جلالة الملك من جديد زمام التأثير في لحظة تاريخية فارقة من خلال فتح باب التواصل والمكاشفة مع بلدين عربيين كبيرين ومؤثرين يلتئم شملهما في عمان من أجل وضع النقاط على الحروف في العديد من القضايا الإشكالية على المستوى العربي، وإعلان مبادئ تقوم على التعاون والالتزام المتبادل بتقديم الإسناد والدعم للدول المشاركة في القضايا التي تواجهها، وبما يعلن تشكيل نواة لكتلة عربية تحمل موقفاً واضحاً وترحب بانضمام أي جهد مخلص يسعى للحفاظ على الحقوق العربية وتحصين الأمن القومي العربي، ويؤسس لمنعة حقيقية أمام م?اريع التجزئة والتفتيت التي تستهدف إبقاء الدول العربية تحت التهديد المستمر للمشاريع الإقليمية والدولية والمطامع المعلنة والمبطنة في الثروات والمزايا الاستراتيجية للوطن العربي.