... حين تمر من شارع الأردن، باتجاه الشمال.. تقع عينك على مخيم البقعة، والمخيم لايعني أبدا اللجوء.. المخيم بالضرورة يعني الحياة والحلم وفلسطين، يعني العودة.. ويعني الصبر أيضاً..
في أزمة كورونا، لفت انتباهي أهل البقعة، لم أسمع أحدا منهم على (الراديو) يأن ويشكو.. لم أسمع مخالفات لقرارات الدفاع، ولم أسمع واحدا منهم يصرخ قائلاً: بأن مصالحهم تعطلت وأن محلاتهم أقفلت... كل ما كنت أشاهده في المخيم هو الرضى والصبر.. علماً بأن أهل البقعة في أغلبهم، أصحاب مصالح وحرف.. ومنهم من يعمل ممرضاً في مستشفيات الحكومة ومنهم من هو طبيب.. ومنهم من تسلح بالصبر والتزم منزله، ومنهم من اكتفى بقراءة القران... والدعاء.
كنت اتمنى لو أن كاميرات الإعلام طافت في مخيم البقعة قليلاً، كي تعرض.. صورة الأهل هناك، وصورة التزام المخيم الذي قدم نموذجاً مهماً، في زمن الكورونا... علماً بأنه مثل سائر بقاع الأردن يعاني الفقر، والناس تعطلت بعض مصالحهم... وبعض الشباب تأجلت أحلامهم في الزواج والعمل.
لكن أحداً لم يدخل المخيم، أنا ربما الإعلامي الوحيد الذي ذهب لهناك، كي يشتري الخضار.. ويطوف قليلاً مع الناس، ولكي أتفقد بعض الأصدقاء الذين درسوا معي في أبو نصير.. وسكنوا على مشارف المخيم، ولكي أشاهد أعلام فلسطين على الجدران، وحجم الأمل بمستقبل أفضل... ولكي أشتم رائحة الطبيخ، فالنساء هنالك تعد للأطفال وجبة الغداء في الموعد.. وبعض الشباب الذين استغلوا فرصة فك الحظر، مشوا على أقدامهم في الشوارع وتفقدوا... الإقرباء والأصدقاء، وهم يدعونك لشرب الشاي دون أن يعرفوك.. ويرحبون بك ويسألون عن حاجتك، وقد يقضونها لك..
البعض اعتقد أن المخيمات بحكم الاكتظاظ، والقرى البعيدة في المحافظات بحكم التواصل اليومي بين أهلها، ربما ستكون بؤراً للكورونا... ولكن المخيمات تبين أنها الأكثر التزاماً ووعياً، وأهل القرى تبين أنهم أيضاً على درجات عالية.. من فهم قرارات الدفاع، والسير بركب الدولة...
ربما غفل الإعلام عن مخيم البقعة، لكن قلوب الناس هنالك لم تغفل عن البلد وأهلها أبدا.. الناس في البقعة احتفلت، حين أعلن سعد جابر ..أن حجم الإصابات ليوم الجمعة (صفر).. والأمهات رفعن الأكف بالدعاء، وبالرغم من كل ما حدث وما يحدث.. فلسطين ستبقى حاضرة في العيون، في شيب العجائز، في اتقاد عيون الشباب... وهم لم ولن ينسوا أبداً.. مفاتيح البيوت.. وزيتون جنين.
على كل حال، البقعة لاتحتاج لكاميرات التلفزة، فقلوبنا تزورها.. والقلب أصدق من كل الكاميرات... حمى الله أهل البقعة.