تحديات المتوسط تفرض على الساسة تعزيز التعاون الإقليمي

تاريخ النشر : الخميس 09:00 23-4-2026
السفير ناصر كامل

على امتداد أكثر من أربعة عقود في العمل الدبلوماسي، استكملتُها بثماني سنوات أمينا عاما للاتحاد من أجل المتوسط، تكشّفت أمامي حقيقة لا لبس فيها: التحديات التي تواجه منطقتنا تتجاوز قدرة أي دولة على التصدي لها منفردة. فقد جلست مع وزراء من دول كانت تعاني من أتون نزاعات محتدمة، واستمعت إلى علماء مناخ يدقّون ناقوس الخطر بشأن تسارع وتيرة التغير المناخي في حوض المتوسط وتداعياته الهائلة، والتقيتُ بعائلات أُجبرت على النزوح تحت وطأة النزاع والتدهور الاقتصادي والضغط البيئي. تعددت المشاهد، لكن الخلاصة كانت واحدة: لا سبيل للمواجهة إلا بتعاون حقيقي يتجاوز الخلافات والحدود.

وإذ نحيي اليوم العالمي للنظام متعدد الأطراف والدبلوماسية من أجل السلام، الذي يؤكد أهمية التعاون بين الدول ضمن قواعد ومؤسسات مشتركة لمواجهة القضايا العابرة للحدود، فإننا نجدد تمسكنا بهذا النهج. فهو، بخلاف الثنائية أو الأحادية، لا يختزل العلاقات الدولية في حسابات ميزان القوة أو المصلحة المباشرة، بل يتيح استجابة جماعية أكثر توازنا وفعالية واستدامة، تقوم على الحوار والانفتاح.

ولا تتجلى أهمية التعددية بوضوح أكبر مما هي عليه في المتوسط؛ إذ إن شحّ المياه، وموجات الحر الشديدة، وتهديد أمن الغذاء والطاقة، وبطالة الشباب، والهجرة، وتداعيات النزاعات، كلها تحديات مترابطة تتجاوز الحدود وتنعكس مباشرة على استقرار المجتمعات والنظم البيئية على جميع ضفاف المتوسط.

ورغم أهمية العمل المشترك، فإن المؤسسات الدولية متعددة الأطراف تتعرض لضغوط غير مسبوقة. فهي تنتقد أحيانا باعتبارها بطيئة أو بعيدة عن الواقع أو محدودة الفاعلية، وبعض هذا النقد له أسبابه الوجيهة؛ إذ قد تطغى النظم الإجرائية على فعاليتها، ولا تفضي الالتزامات إلى نتائج ملموسة. لكن الخلل في الأداء لا يبرر التخلي عن التعددية والانكفاء على الذات، بل يفرض إصلاح أطر العمل الدولي وجعلها أكثر كفاءة.

الأخطر من ذلك هو ما نشهده من توجهات إلى تقويض أسس التعاون الدولي، فبعض الاتفاقيات التي استغرق بناؤها عقودا باتت عرضة للزعزعة أو التشكيك، وتمويل التنمية يواجه ضغوطا متزايدة، كما تتعرض الأطر التجارية الدولية لاختبارات غير مسبوقة. وفي الوقت نفسه، يتزايد الاعتماد على مقاربات أحادية في إدارة العلاقات الدولية على حساب العمل الجماعي. ولم تعد فكرة الانكفاء الوطني مجرد خطاب هامشي، بل أصبحت توجها سياسيا يجد له أنصارا في دول ترى فيه وسيلة لتعظيم مصالحها وهيمنتها.

هكذا لم تعد فكرة العزلة الوطنية مجرد خطاب هامشي محدود في بعض الندوات الدولية، بل تحول إلى توجه سياسي يُروَّج له بقوة، حتى من جانب دول لديها الكثير مما يمكن أن تخسره في عالم مشرذم تحكمه الفوضى لا القواعد.

نحن لا نواجه اضطرابا عابرا، بل تحولا أعمق في كيفية إدارة العلاقات الدولية، وله تداعيات مباشرة على مناطق مثل المتوسط؛ حيث لا تملك أي دولة بمفردها القدرة على مواجهة التحديات المشتركة.

في هذا السياق، يبرز الاتحاد من أجل المتوسط كإطار جامع لثلاث وأربعين دولة من أوروبا وشمال أفريقيا وغرب آسيا، لديها التزام مشترك تعود جذوره إلى إعلان برشلونة عام 1995. كانت الفكرة واضحة آنذاك، وما زالت اليوم: الاستقرار والتنمية في المنطقة مترابطان، ولا يمكن تحقيق تقدم حقيقي إلا من خلال تعاون منظم ومستدام.

وقد تُرجِم هذا التعاون الأورومتوسطي بالفعل إلى نتائج ملموسة للمنطقة. ففي إطار عمل الاتحاد من أجل المتوسط، مكّنت العديد من المشاريع وبرامج المنح عشرات الآلاف من الشباب والنساء من الوصول إلى فرص عمل، واكتساب مهارات جديدة، والحصول على دعم لريادة الأعمال. ومن خلال "شبكة خبراء المتوسط حول التغير المناخي والبيئي"، تُترجم المعطيات العلمية إلى سياسات مشتركة. وتجمع منصات، مثل "الشراكة المتوسطية الزرقاء"، الفاعلين من القطاعين العام والخاص لتمويل مشاريع تستجيب لضغوط بيئية ملحّة. وهذه ليست مجرد التزامات نظرية، بل نتائج عملية تُظهر ما يمكن أن يحققه التعاون الإقليمي حين يقترن بالإرادة والتنفيذ.

وعقب ثلاثين عاما على إعلان برشلونة، اجتمعت الدول الأعضاء في الاتحاد في نوفمبر الماضي؛ حيث اعتمدت رؤية استراتيجية تركز على تعزيز الاستثمار في الشباب وحرية الانتقال، وتوثيق التعاون في المناخ والمياه والطاقة والنقل، وبناء علاقات اقتصادية أكثر متانة تدعم الاستقرار على المدى الطويل. ولا تعكس هذه الأولويات احتياجات المنطقة فحسب، بل إدراكا بأن التحديات المشتركة لا تواجه إلا باستجابة جماعية للتعامل معها.

وفي زمن يتسم بالتوتر الجيوسياسي وعدم اليقين، فإن الحفاظ على هذا التعاون يتطلب إرادة سياسية، وانخراطا مستمرا، وقناعة راسخة بأن الحوار والشراكة أكثر جدوى من الفرقة. واستمرار ثلاث وأربعين دولة في العمل معا ضمن هذا الإطار يعد مؤشرا سياسيا مهما في حد ذاته يحيي الأمل في متسقبل أكثر إشراقا للمنطقة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }