في إقليم لا يستقر، لا يُقاس تقدّم المدن بكفاءتها في الظروف الطبيعية، بل بقدرتها على الاستمرار عند اختلالها.
هذا السؤال يفرض نفسه على دول الإقليم على ضوء ما شهدته المنطقة في الحروب الأخيرة، فلم تعد التجربة بحاجة إلى كثير تفسير؛ فقد كشفت الأحداث هشاشة بعض النماذج الذكية في بناء المدن، إلى درجة أنها انقلبت على نفسها، وحوّلت النظم الرقمية إلى مسارات قابلة للرصد والتتبع، وجعلت المدن كتابًا مفتوحًا للخصوم، تُقرأ فيه مسارات القيادات، ومواقع القوات والخدمات والبنى التحتية الحيوية، مما سهّل استهدافها وتدميرها بدقة أعلى وفي زمن أقصر.
وقد أشرنا في مقال سابق إلى أن صمود المدن وثباتها لا يتحقق بمجرد السعي لاستخدام الذكاء والاكتفاء به، أو الاعتقاد أنه كفيل بضمان الاستمرارية، خصوصًا في بيئة كالشرق الأوسط.
ففي جردة سريعة للأحداث الكبرى خلال قرن واحد فقط، يظهر أن منطقة الشرق الأوسط شهدت أكثر من عشرين أزمة كبرى تراكمت في تاريخها؛ منها ما انتهى وبقيت آثاره، ومنها ما لا تزال نيرانه مشتعلة حتى اليوم. حروب، حصارات، تدخلات، ثورات داخلية، وتحولات متسارعة، جعلت من الاضطراب سمة مستمرة لا استثناء عابر. وفي بيئة كهذه، لا يُبنى المستقبل على افتراض الاستقرار، بل على توقع اختلاله.
فبعد الحرب العالمية الأولى والثورة العربية الكبرى، بدأت حروب الاستقلال، وتوالت -على سبيل المثال لا الحصر- الحرب العالمية الثانية، ثم سلسلة الحروب العربية– الإسرائيلية التي قاربت قرنها الأول، وحرب لبنان وحصار بيروت، والحرب العراقية– الإيرانية، وغزو الكويت، والحرب الدولية على العراق، وحرب الخليج الثانية وسقوط بغداد، والربيع العربي، وأحداث ليبيا، وحرب اليمن، وعمليات القاعدة وداعش، والحرب على غزة، والحروب الأمريكية–الإسرائيلية–الإيرانية، إضافة إلى الحروب الداخلية في سوريا وليبيا والصومال والعراق ولبنان والسودان… وهذه أمثلة فقط، أما الواقع فهو سلسلة أزمات لا تكاد تنقطع حتى تتجدد بأشكال مختلفة.
وما سبق ليس ماضٍ منقطع، فالحاضر والمستقبل أيضًا لا يخلوان من تهديدات، منها المعلنة ومنها الكامنة، تتقصد تغيير الجغرافيا السياسية للإقليم. وعلى رأسها سياسات النظام الإسرائيلي وشعارات “إسرائيل الكبرى”، ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية ومنع قيام الدولة الفلسطينية، ومشاريع إعادة تشكيل الإقليم، إضافة إلى مشروع تصدير الثورة الإيرانية، وأزمات أخرى قد تتشكل في أي لحظة كالفطر ينتظر المطر. وليس ذلك غريبًا على منطقة كانت عبر التاريخ مسرحًا حافلًا بالأحداث العظام، توالت عليها حضارات سادت ثم بادت، ودول صعدت ثم هوت، ومدن ازدهرت ثم صارت أثرًا بعد عين.
ما نريد قوله إن البيئة الإقليمية تفرض، بالضرورة، أسسها الخاصة في بناء المدن لتتلاءم مع سماتها. فالافتراضات التي تُبنى عليها المدن في الأقاليم الحيوية ذات التأثير المباشر في الشأن الدولي، كالشرق الأوسط، ليست هي ذات الافتراضات التي تقوم عليها المدن في المناطق الهامشية من العالم. فالمدن البعيدة عن مسارات الصراع أو المحمية بالجغرافيا قد تنعم بمستويات أعلى من الاستقرار، بخلاف تلك التي تجد نفسها، بحكم موقعها، في قلب التحولات وعلى طرق الجيوش شرقًا وغربًا.
ومن هنا يتضح أن مدن الإقليم يجب أن تكون قادرة على مجاراة التحولات، حتى الحادة منها، وأن تكون مرنة بقدر ما هي ذكية. فالمدن التي طالها الأذى في الماضي لم تكن ضعيفة في زمنها، ولم تكن تفتقر إلى القوة أو التنظيم، بل كانت في كثير من الأحيان مراكز حضارة ونفوذ، لكنها عند لحظة التحول لم تستطع أن تعيد تشكيل نفسها بما يتناسب مع ما تغيّر حولها، ولم تكن مرنة بما يكفي للتكيّف مع التحولات، أو تلبية متطلبات التغيير.
ولكي تكون المدينة مرنة، لا ينبغي أن تغرق بالكامل في الرقمية، وهي تعلم أن الرقمنة تبقى عرضة للهشاشة في ظل الحروب السيبرانية والهجمات الصلبة على حد سواء، وأنها قد تُخترق إن لم تكن مصادرها وطنية خالصة. كما لا بد لها من تجنب المركزية العميقة، إذ إن توقف حلقة واحدة قد يؤدي إلى توقف كل ما بُني عليها. وعليه، تميل المدينة المرنة إلى تعدد المراكز والشبكات والمسارات، وتوفير البدائل التي تعمل عند تعطل الأنظمة، بحيث تستطيع أن تعود إلى الحد الأدنى دون أن تتوقف، وأن تنتقل من الأنظمة المتقدمة إلى التشغيل اليدوي عند الحاجة دون أن تفقد قدرتها على الاستمرار.
ولا تتوقف المرونة عند البنية الخدماتية والإدارية، بل تمتد إلى سلوك المجتمع، فالمجتمع يجب ان لا يعتاد ان يكون متلقيًا ينتظر عودة النظام والخدمات، بل يُعَدّ ليكون جزءا رئيسا من منظومة التكيّف، يعرف كيف يُدير يومه في الأزمات كما يُديره في الاستقرار، ويستعد لأيام الشدة دون أن تلهيه عنها أيام الرخاء.
كما تمتد المرونة إلى فلسفة البناء نفسها؛ إلى مبانٍ تتحمل، لا تُبهر فقط، وإلى تخطيط يأخذ في الحسبان الزلازل والحصار والقصف بنفس الدرجة كما يأخذ في الحسبان الراحة اليومية، وإلى نظم تموين وتخزين تُدار بوصفها جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد، وخصوصًا المياه، نظرًا لأهميتها الحيوية في منطقة الشرق الاوسط التي تعاني من شح الموارد المائية، فعلى الماء قد تتوقف نتائج الصراع في بعض الأحيان.
ولعل هذا النقاش لا يبقى في إطار النظرية، خصوصًا مع التوجه المتزايد نحو بناء مدن جديدة في الإقليم. وهنا تحديدًا، لا يكون السؤال كيف نجعل هذه المدن أكثر ذكاءً فقط، بل كيف نضمن أنها قادرة على الاستمرار إذا تغيّرت الظروف. فالمستقبل لا يُبنى من الصفر، بل من قراءة ذاكرة المدن في الماضي وتجربتها في الحاضر.
وفي النهاية، لا تعني المرونة التخلي عن الذكاء، بل إعادة ترتيب الأولويات. أن نبني مدنًا تعمل في أفضل الظروف، لكنها لا تتوقف في أسوئها. مدن لا تُفاجأ، بل تعرف أن المفاجآت ليست استثناء.