(الأدب الرقميّ).. سؤال الراهن وتحديات المستقبل

تاريخ النشر : الأربعاء 12:00 18-12-2019
2830

«ما زلت غير قادر على طباعة أيّ جملة على هذا الحاسوب، وما زلت أكتب بيدي وبقلم رصاص، وأستخدم الممحاة للتعديل..»، هكذا يقول روائي مكرّس أثرى الساحة الأدبية بأعماله وظفر بجائزة عربية مهمة.

«لا أعرف كيف لإنسان يحترم الوقت أن يهدره في قراءة رواية تتجاوز 500 صفحة، وبعد إنجازها يقول لي: إن مقولة الرواية الرئيسية هي كذا وكذا».. هكذا يقول أحد كتّاب (تويتر) الشباب والذي يحظى بآلاف المتابعين.

مساحة شاسعة بين وجهتي نظر لكاتبين من جيلين ما يزالان يجلسان على أريكة واحدة، وهما تتفاعلان مع هذا المحيط الرقمي الذي بدأ غريبا علينا، أو بدأنا غرباء فيه، نلهث خلف سياقاته التي يبنيها سوانا وتجرفنا كسيل عرم.

وما بين نص بسيط يُكتب على عجل في صفحة (فيسبوك) أو (تويتر) أو غيرهما من مواقع التواصل الاجتماعي، ونص تفاعلي يستخدم كل ممكنات التكنولوجيا، هنالك مساحة شاسعة اختلطت فيها المصطلحات واختلف فيها المشتغلون في هذا الفضاء الافتراضي الواسع ما بين مؤيد ورافض، لتنفلت أسئلة كبرى تستفز راهنية الشكل السائد للإبداع، وتمضي إلى عمق علاقة هذا الراهن بالمستقبل، ومدى قدرتنا على الانخراط فيه وسط دهشة مرعبة خلقتها فجوة رقمية واسعة بيننا وبين الآخر الذي نروم اللحاق به.

منذ فترة ليست بعيدة شاع ما يسمى «الأدب الإلكتروني»، ثم «الأدب الرقمي»، ثم «الأدب التفاعلي»، وغيرها من المصطلحات، فاختلطت المفاهيم والمقاصد على غير الباحثين والمتخصصين، لكنها جميعها تصب في تعريف طبيعة العلاقة بين الأدب والتقنية.

في هذا الملف تتساءل الرأي عن الحضور الإبداعي الرقمي للعرب، وهل واكب تحولات هذه القفزة الهائلة في التقنية أسوة بالتجربة الغربية التي شهدت عملية تأليف وإنتاج أدبي رقمي واسعة بفعل إيجابية وحيوية الشروط التقنية والمعلوماتية، أم إننا ما نزال نراوح مكاننا، وما نراه ليس سوى تجارب إبداعية فردية لا تجد أيّ سند نقدي يسهم في تطويرها أو تجذيرها ضمن جنس إبداعي مستقبلي، بسبب الخوف من «الجديد»؟ وكيف يمكننا تحليل علاقة الثورة الرقمية بالإبداع من جهة التحديات والآثار؟

د.سعيد يقطين

يقول الناقد المغربي د.سعيد يقطين في سياق الإجابة عن هذ الأسئلة: «نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: تكرار واجترار كل ما يقال عن الثورة الرقمية من دون وعي، وهذا هو السائد لدينا، وهو ما لا يؤدي إلى أيّ نتيجة؛ أو التفكير في الموضوع من زاوية نقدية تفتح لنا آفاقا جديدة لفهم الذات والموضوع في علاقاتهما معا بالتحولات الرقمية المحيطة بنا، بهدف التمثل الدقيق، واقتراح مسارات جديدة للنظر والعمل، وهذا هو المطلوب، وإن كان هو المفتقَد».

يشارك في هذا الملف الذي يطرح مجموعة أسئلة موزّعة على محاور عدة، كتّاب وباحثون عرب، منهم مَن قدم أعمالا نقدية تنظيرية وتطبيقية في هذا السياق، ومنهم مَن جمع بين الإبداع والنقد، ومنهم مَن خاض تجربة الإنتاج عبر الوسيط الرقمي، ومنهم مَن إبداع أعمالاً أدبية نُشرت ورقيا واتخذت من الفضاء الافتراضي مكانا لها.

النّص الإبداعي والتقنية.. جدل العلاقة اصطلاحيّاً ونقديّاً

ما يزال الجدل محتدما حول ماهية المصطلح وتطوراته واشتقاقاته التي تتوالد على غفلة منّا، فاختلطت المفاهيم والمقاصد على غير الباحثين والمتخصصين، رغم الرأي الحاسم للدكتور سعيد يقطين أستاذ النقد الأدبي وصاحب أول كتاب نقدي في هذا المجال «من النص إلى النص المترابط: مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي» إذ يقول:«جميع هذه المصطلحات تصبّ في تعريف طبيعة العلاقة بين الأدب والتقنية، وما يتعلق بهذا النوع الأدبي من قضايا معرفية؛ خاصة وأن توظيف أي أداة جديدة للتواصل يؤدي إلى خلق أشكال جديدة للتواصل».

بينما ترى الروائية والناقدة المغربية د.زهور كرّام أن «الأدب الرقمي مفهوم عام يشمل سائر التعبيرات الأدبية المرقمنة، والمترابط مفهوم يُشير إلى الحالة الأجناسية لهذا الأدب، والتفاعليّ إجراء رقمي لتحقيق رقمنة النص»، مؤكدة أن هذا النوع الأدبي –الجديد- ينسجم مع أطروحة استمرار الأشكال الأدبية رغم تغير الحوامل، مؤيدةً بذلك تنظيرات جورج لاندو المتعلقة بالنص التشعبي (أو المترابط).

د.لبيبة خمار

وترى كرّام في التجلي التقني لهذا النص تحقيقا لكبريات النظريات النقدية التي شهدها القرن العشرين، مثل أطروحات «تعدد الأصوات»، و«موت المؤلف»، و«التناص»، و«القراءة بوصفها كتابة»، و«غياب المركز»، و«النص المفتوح». داعيةً لخوض غمار هذا الأدب، إن لجهة الفعل أو لجهة الفعل على الفعل (الكتابة، والنقد).

د.عبدالله الفيفي

في حين يذهب أستاذ الأدب، الشاعر والناقد السعودي د.عبد الله الفَيفي، إلى أن «الأدب الإلِكتروني التفاعلي» هو ما يُعرَف بـ«النص المترابط» (Hypertext) تحديداً، لا ما دُوِّن من الأدب إلكترونياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. فهذا الأخير لا يعدو نصاً أدبياً دُوِّن بالتقنية الحديثة، إنما نُقِل إلى هذه التقنية، ولا فرق بينه وبين والنصِّ التقليدي، مخطوطاً أو مطبوعاً، إلَّا في الوسيط بين الكاتب والمتلقِّي، من الورقة إلى الشاشة.

وتحت محور «مقاربات المفهوم وتجاذبات المصطلح» ننفذ إلى فكرة النقد في هذا الفضاء الهلامي، إن لجهة النص المتخلّق على هذه المنصات وما يرافقه من ظروف نشأة وحياة وموت، أو لجهة النص على هذا النص (النقد) والذي يحتاج حتماً لمقاربات جديدة وتحت مفاهيم أقرب للواقع وقادرة على المتابعة والحصر لهذا الانفلات من كل ما نؤمن به من قيم إبداعية راسخة.

د.احمد رحاحلة

ويقول أستاذ الأدب والنقد الحديث، الأردنيّ د.أحمد رحاحلة، إن ما نعاينه في هذا المقام يعكس جانبا من صورة العصر الذي نعيشه، ويظهر الآفاق التي بلغتها التكنولوجيا وتطبيقاتها، مقسّما النص الأدبي المنشور على مواقع التواصل الاجتماعي إلى: نصوص أدبية تقليدية، ونصوص أدبية شبه رقمية، ونصوص أدبية رقمية. مضيفا أن مسحا واستقراء ناقصا لما هو منشور في مواقع التواصل الاجتماعي الأبرز (فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب) يكشف لنا أن النصوص الأدبية التقليدية هي النوع الغالب على ما نعاين، وهنا يقتصر الحديث عن نصوص أدبية ضمن الأجناس المعروفة (الشعر والنثر)، لكنها بالمجمل تميل إلى الاختزال والتكثيف والقصر، على نحو يشبه الومضات الشعرية أو النثرية، وهذا الأمر «لا يشكل تحولا في النظرية الأدبية أو الأجناس المندرجة تحت لوائها، وإنما يعبّر عن إكراهات الحاضن التكنولوجي ومواصفات النشر فيه».

أما النصوص الأدبية شبه الرقمية، فتوظف وفقاً لرحاحلة، بعض التقنيات التي تتيحها التكنولوجيا إلى جانب النص، ولعل أبرزها يتمثل في محاولات توظيف الصور والألوان والخلفيات، ومحاولات إدراج الرموز التعبيرية والحركات، وربما يتجاوز الأمر ذلك إلى التطبيقات السمعية، ومع ذلك فإن هذه النصوص «لا تختلف في جوهرها عن النصوص التقليدية لأن عمادها النظام اللغوي».

وبالنسبة للنصوص الرقمية، فهي تتجاوز مواقع التواصل الاجتماعي كما يقول رحاحلة، لأن الحديث هنا عن «أدب رقمي»، يعتمد اعتمادا كليا على التطبيقات السمعية والبصرية والحركية والروابط التشعيبية والتقنيات التفاعلية في بنائه، وأصبح الارتهان إلى النظام اللغوي في كتابته جزءا إلى جانب التعبير عبر الوسائط غير اللغوية، ويختلف هذا النوع من الأدب عن سواه في مستويات التفاعلية التي يحتويها، وفي طبيعة العلاقة بين النص والمبدع والمتلقي والوسيط.

لذلك يرى رحاحلة أنه لا يمكن الحديث عن حركة نقدية جادة تواكب النوعين الأول والثاني من هذه النصوص، لأنها في أساسها لا تعبّر إلا عن حالات تعبيرية مباشرة، تتجاوز طموحات التجنيس الأدبي والدرس النقدي. وحتى الأدباء الذين يمتلكون صفحات تواصل الخاصة وينشرون فيها مثل هذه النصوص لا نجد عندهم أكثر من مستوى التفاعل المألوف والتعليقات النقدية العابرة التي تعكس انطباعا أو رأيا أو ملاحظة خاطفة في أحسن الأحوال. بينما تبدو المسألة مختلفة بالنسبة للنوع الأخير (الأدب الرقمي)، لأن الأمر يتجاوز حدود النشر وما يتصل به، إلى اجتراح عوالم التجريب لتأسيس أدب بمعايير عصرية ترصد نتائج التفاعل الحاصل بين الأدب والتقنية.

د.عبدالرحمن المحسني

من جهته، يرى الناقد والشاعر والأستاذ الجامعي السعودي د.عبد الرحمن المحسني، أنه لا ضير في تعدد المصطلح، فكل النظريات المستجدة في وقتها -كالسيميائية مثلا- وقعت في قلق المصطلح حتى استقر، متفقا مع الرحاحلة إلى حدّ ما في تقسيم مستويات هذا الأدب ومستندا إلى قدرة الأديب على توظيف التقنية والإفادة منها، فهنالك المستوى الأول المتمثل بالتوظيف العالي للتقنية، ويمكن تسميته «النص الرقمي التفاعلي أو المترابط» (haeprtext)، وهناك المستوى الثاني (النص الرقمي المتفاعل جزئيا)، ويُقصَد به ذلك النص الأدبي الذي يوظف عناصر الميديا (الصورة، النص، المقطع، الرابط..). أما المستوى الثالث (الأدب الرقمي التراثي) فيوظف عناصر تقنية لتفعيل نص قديم كالمعلقات. بينما يُكتب النص الرقمي البسيط (الذي يمثل المستوى الرابع) على الشبكة من قِبل الشاعر ابتداء أو يصوَّر من ديوانه. وأخيراً يشمل المستوى الخامس ما يسمّى «القصيدة الآليَّة» أو «قصيدة الروبوت».

ارتجالية رقمية مزدوجة

د.ابراهيم ملحم

أستاذ اللغة العربية وآدابها في جامعة الإمارات العربية المتحدة د.إبراهيم أحمد ملحم، الذي اشتق للمرة الأولى مصطلح «الارتجالية الرقمية»، يستعيد تعبير «الأسواق الأدبية» ذات الجمهور الحي -التي عرفها العرب قديماً- ويجري تحويراً عليه؛ فحينما نتحدث عن مبدعي النصوص الأدبية على مواقع التواصل الاجتماعي، يمكننا استخدام تعبير «الأسواق الرقمية»، وهنالك فرقان جوهريان بين التعبيرين: الوسيط الحامل للنص، وثقافة المنشئ وجمهوره. فقبل عصر التدوين، كان النصُّ يُلقى مشافهة، ويُرتجل ارتجالاً، وليس كل شاعر يستطيع أن يفعل ذلك؛ إذ يجب أن يعتدّ بكفايته التي تمكنه من التأثير، ومن الظفر بإعجاب النقاد وجمهور الشعر طمعاً في شيئين: الجائزة والشهرة معاً. أما ما يجري على مواقع التواصل الاجتماعي في الزمن الراهن فيتمثل في التحول عن الشفوية الارتجالية، إلى الارتجالية الرقمية. ومعنى هذا المصطلح الذي يطرحه ملحم للمرة الأولى: ما يخطر في ذهن الكاتب أو يستثير مشاعره، فيبادر للنقر على لوحة المفاتيح اللمسية، وسرعان ما ينشره فور الانتهاء من الكتابة، فيقرأه المتلقي، ويبدي تفاعله الارتجالي أيضاً، وهذا التفاعل الارتجالي عادة ما يكون ممزوجاً بارتباطات أخرى، أكبر ما يطبعها هو المجاملة.

ويؤكد ملحم أننا أمام ارتجالية رقمية مزدوجة، لا تبشر بميلاد نقد بنّـاء وموضوعي سواء لدى منشئ النص، أو لدى متلقي النص. فقد أدت هذه الارتجالية إلى عدم الدقة اللغوية والأسلوبية، والتسرع في قطف الثمرة قبل النضوج، ومن الزاوية الأخرى، الحكم على النصوص الهابطة بتعبيرات المجاملة التي تُظهر أنها «في قمة الإبداع».

ويشير ملحم إلى أن الكتّاب المحترفين ينقسمون إلى فئتين، الأولى تدرك أن الكلمة مسؤولية، لكنها تكتب نصوصاً طويلة لا توظف فيها المفارقة، ولا تحظى بموسيقى داخلية وخارجية حتى لتكاد تُغنى. والثانية تدرك أن الكلمة مسؤولية أيضاً، لكنها تأخذ بعين النظر العناصر السابقة، فتحظى بجماهيرية أكبر، تدخل فيها المجاملة وغير المجاملة. ويستدرك ملحم بقوله: «ليس المقصود بغير المجاملة، هنا، إبداء الرأي النقدي المعلل بحيث نقول: لدينا نقد رقمي يصنعه المتلقي الرقمي؛ لأن من يفعل ذلك سيبدو كأنه يغرد خارج السرب».

ويؤكد ملحم أننا في كل الأحوال أمام سوق رقمي، والنص المكتوب كالبضاعة؛ فالرائج منها هو ما التزم بالنظرية الرقمية التي صاغها الافتراضيون أنفسهم، وليس النقاد الذين يراقبون ما يحدث ثم يكتبون على الوسائط الورقية. أما الكاسد منها، فهو ما لا يصلح إلّا على الورق؛ ذلك أن أفراد المجتمعات الافتراضية ليسوا جميعاً على قدرٍ كافٍ من الثقافة، بل إنهم يطلبون ما خلا من المعجمية، وما أثار الانفعال، وما صدم عملية التلقي النمطية، وما أدى ذلك بأقل عدد ممكن من الكلمات.

لكن لا خوف أبدا من هذا المارق الرقمي الذي قدّم إضافات مهمّة، كالتفاعل والانتشار والانفتاح والاستقطاب، وإن كان أثار إشكاليات جديدة/ قديمة، خصوصا في الشّق النقدي الذي يحتاج إلى تطوير أدواته الإجرائية، كما يرى أستاذ اللغة والأدب العربي في الجامعات الجزائرية د. بشير ضيف الله. مشيرا هنا إلى معضلة عدم قدرة المناهج النّقدية بالإلمام بجغرافيا نصوص مواقع التواصل الاجتماعي -رغم بعض المحاولات المتفرقة- ولا بممكناتها المفتوحة على الجديد في كلّ حين. وبحسب تعبيره، إما أن يتجدّد هذا النّقد بعيدا عن «الينبغيّات» أو يتبدّد.

د.بشير_ضيف_الله

ويشدد ضيف الله على ضرورة التمييز بين نوعين من النقد الأدبي لنصوص (الفيسبوك) أو مواقع التواصل الاجتماعي، الأوّل ما ينشره المتابعون من تعليقات مباشرة على صفحة (الفيسبوك) بعد قراءة النص الأدبي، وهو في الغالب تعليق مختصر، إلا أنه يمتاز بأنه انطباعي وعفويّ، ولا يخضع لمنهج نقدي بل يصدر عن تأثر انفعالي سريع. والنوع الثاني الذي ينشره الناقد عبر صفحات التواصل بعدما نشره ورقيّاً في السابق، بمعنى أن إتاحته الكترونيّاً جاءت بعد إمعان وتمحيص وإخضاع النصوص الفيسبوكيّة للمنهج النقدي ومقتضياته الفنيّة.

غياب الضوابط والأحكام النقديّة

د.عماد الضمور

يرى أستاذ الأدب الحديث في الجامعات الأردنية د.عماد الضمور، أنه لا بد من السيطرة على ما يُنشر على صفحات التواصل، وغربلة هذا المنشور، وتصنيفه وفق الأجناس الأدبية أولاً، ثم الحكم عليه من الناحيتين الفنية والمضمونية ثانياً، خاصة وأن كثيراً ممّا يُنشر يكون بهدف حصد أكثر عدد ممكن من إعجابات المتابعين لصفحة الكاتب دون أيّ عناية بالشكل أو المضمون أو حتى المراجعة اللغوية، ممّا يجعلنا نواجه أثناء تلقي هذه النصوص فيضاً من الأخطاء اللغوية أو الإملائية أو الطباعية، أو جميعها معاً.

ويضيف الضمور أنه لا بد من وضع ضوابط وأحكام نقديّة واضحة وصارمة في الوقت نفسه حول المنشور على صفحات التواصل، رغم صعوبة تمييز النص الأصيل من المسروق في ظل هذا التزاحم في النشر، وعدم معرفة صاحب النص الحقيقي. معتقداً أن كثيرا ممّا يُنشر قد أفسد الأدب الذي أصبح رهيناً لرغبات وانفعالات الكتّاب والمتلقين على السواء، وأن كثيرا مما يُكتب لا يقع ضمن دائرة الأدب فناً ورؤى، ولا يحقق ما يحققه الأدب من متعة فنيّة وأداء لغوي راقٍ. مما يدعو إلى التأكيد أن النقد يحتاج إلى ثقافة خاصة، لكشف الخداع والزيف الذي تعكسه كثير من الكتابات على مواقع التواصل.

د.فهد حسين

أما صاحب كتاب «المثقف وأفق الانعتاق»، الناقد البحريني د.فهد حسين، فيشترط أولا الاتفاق على أن ما يُنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي وغيرها يعدّ أدبا، خاصة بعد أن كثرت الكتابات وتنوعت وتعددت حتى فقدت قيمتها وجماليتها؛ فمنصات التواصل الاجتماعي قابلة لاستقبال كل كتابة بعيداً عن القيمة الفنية والجمالية أو تلك التي تعالَج في سياق مناهج النقد ونظرياته. ويشير حسين إلى أن هنالك حالة من شبه النقد، أو النقد التجاري، تنتشر في الساحة الأدبية وتستند إلى المجاملات والسلوك النقدي غير السوي في تضخيم نص لصديق بناء على مصالح مختلفة، وهذا «من الأمراض الثقافية المنتشرة في عالمنا العربي»، بخاصة أن «الصدق والمصارحة تجاه نقد النصوص يخلقان لك أعداء كثرا».

من جهته، يؤكد د.عبدالله الفيفي أن الصعوبة في التعاطي نقدياً مع القصيدة الإلكترونيّة التفاعليّة تكمن في كيفيَّة وصف القصيدة وتحليلها، ومن ثَمَّ إيصال القراءة النقديّة إلى المتلقي، لأن هذه القصيدة معتمدة على التقنية. لأجل هذا، فنحن بحاجة إلى «قراءة نقديّة إلكترونيّة تفاعليّة»، تضاهي طبيعة القصيدة التي تريد تناولها، وإلَّا كانت القراءة تقليديّة لنصٍّ غير تقليديّ ولا مألوف، ولا مهيّأ لمعظم القرّاء، وسيتعذّر على القارئ متابعة ما يقدّمه الناقد إليه، إلّا في نطاق نخبويّ ضيّق.

ويضيف الفيفي أن «الرواية التفاعلية» لا تختلف عن «القصيدة التفاعلية»، فهي أيضاً توظِّف خصائص البرمجيّات الإلكترونيّة لإنتاج نص سردي متفرع، يسمح بالربط بين النصوص والأعمال الفنّيّة، عبر وصلات وأيقونات، ترتبط بنصوص أو بصور ثابتة أو متحركة، أو بأصوات حية، أو بموسيقى، أو بأشكال متحركة، أو بخرائط، أو برسوم توضيحية، في غابةٍ متداخلة بين المتون والحواشي وما يرتبط بالموضوع أو يضيئه، خاصة وأن جنس الرواية «يحمل، بطبعه، طاقات أكثر مواتاة للتفاعل وإثراء النص بعوالم حيَّة، ما كان للرواية الورقيَّة قِبَلٌ بها».

وبحسب الفيفي، تتحول الرواية بذلك إلى فيلم سينمائي على نحوٍ جديد، يجعل المتلقي بطلاً من الأبطال، لا مجرد مشاهد. وهنا «يمكن الجزم أن النص الإلِكترونيّ التفاعليّ يتكئ بالضرورة على شعريّات معاصرة شتّى إلى جانب شعريّة الكلمة (وهي شعريّات ما تزال غُفلاً من التناول النقديّ) وتُطَوِّعها للتعامل مع قارئٍ مختلفٍ تماماً».

وتعدّ الكتابة الافتراضية مظهرا شديد الدلالة على عصرٍ امتلك فيه البشر جميعهم وسائلها محققين قدرا هائلا من التواصل عبر الكتابة غالبا، مما جعل من الكتابة فعلا يوميا للتواصل وطرح الأفكار والآراء والنقاشات والحجاج بل وإشعال المعارك الفكرية والخلافات أحيانا كما يرى د.مصطفى الضبع، أستاذ النقد الأدبي الحديث في جامعة الفيوم بمصر، الأمر الذي أنتج نصوصا تفاعلية لها طابعها الخاص، تنتمي للعربية لغةً، وإلى العصر الحديث تقنيةً. فيجد النص التفاعلي نفسه مرهونا بالجمع بين البلاغتين؛ بلاغة اللغة، وبلاغة التقنية التي يؤسس النص التفاعلي لها معتمدا تقنيات العصر ووسائطه متجاوزا حدود اللغة على الصورة والصوت أحيانا.

حلول تقنية غير اعتيادية

وبعيدا عن الكتابة السهلة والنصوص الرديئة والكتابة المجانية، فإن الفضاء الافتراضي عامة يقدم نصوصا يليق بنا متابعتها نقديا كما يرى الضبع، وهي نصوص عصرية تمثل قراءة للعصر وتحليل لمعطياته التي تكشف عن حلول جذرية لبعض ما تعانيه الكتابة الثقافية والأدبية في الوطن العربي من ضيق مساحة النشر، وغياب الصحافة الأدبية، وافتقاد للمشروع النقدي، وانخفاض سقف الحرية في ما تنشره منافذ النشر والدوريات، وغياب دور المؤسسة الثقافية (اتحادات الكتاب، ووزارات الثقافة، ومؤسسات المجتمع المدني)، ومشكلات توزيع الكتاب. وهي عوامل تجعل الساحة العربية في حاجة لمساحات تَحقُّق غير تقليدية وجدَتْها عبر الفضاء الافتراضي.

د.سمر الديوب

وترى أستاذة النقد الأدبي في الجامعات السورية د.سمر الديوب، أن أغلبية النقاد أوفياء للإبداع الورقي، وليس لديهم الكفاءة لمواكبة عملية نقد التجارب الأدبية وليدةِ الوسائط التكنولوجية. فهذه المتغيرات في النص الرقمي تحتم على الناقد تجديد أدواته، وربما تغييرها، بل ووضع معجم للنقد الأدبي الإلكتروني يختلف عما ألفناه من نقد للرواية الورقية.

وتقسّم الديوب الروايةَ على مواقع التواصل الاجتماعي إلى: «رواية رقمية» (كتجربة الكاتب الأردني محمد سناجلة في «ظلال الواحد» و«شتات» و«صقيع»)، ورواية (الكليب)، والرواية الجماعية أو المشتركة، ورواية (الويكي).

من جانبها، تشير الباحثة والناقدة المتخصصة في الأدب الرقمي هاديا كلش، إلى أن النص يولّد نقداً متمخضاً عنه، يحاذيه ويجاريه في سرعة تطور أدواته ووسائله، عبر الاستجابة السّريعة على هذه المواقع والتّعليقات المباشرة، ما يُنتج من تواصل الكاتب والنّاقد نصاً يختلف بكماله عن النّصّ الأصلي الذي نُشر للمرة الأولى، ولا يقتصر ذلك على بنيوية النّصّ فحسب وإنما يتجاوزه إلى سميائية الصّور والألوان والحركات، فيكون نقداً مُلمّاً يكشف عن الأنساق الدّلالية واللغة المستخدمة والتّقنيات الرّقمية الموظفة.

د.هاديا كلش

وتضيف كلش: «نحن أمام سرديات رقمية وسيميائيات رقمية. وهذا التّغير يؤدي إلى تبدل على مستوى الممارسة الإبداعية بانتقالها من النّص الإبداعي اللّغوي إلى النّص الإبداعي الرقمي». لذلك، ولتجنب النقد الانطباعي، «يجب العمل على إنشاء مواقع عالمية كما دور النشر، تُنشَر النصوص الأدبية فيها، للحدّ من السرقات، وأيضاً لفتح المجال أمام النقد الموضوعي من قِبل النقاد المتخصصين بالأدب الرقمي والذين لديهم المعرفة اللازمة بالتكنولوجيا وتقنياتها، وتفعيل دور الجامعات في التأسيس للمكتبات الرقمية، وعرض البدايات للرقميات والتكنولوجيا، وعرض المفاهيم التي تولّدت عن ذلك عبر المؤسسين والروّاد مثل: محمد سناجلة، ومشتاق معن، ولبيبة خمار، ومنعم الأزرق».

ويؤكد د.عبد الرحمن المحسني، أن الرفاهية المعاصرة التي أحاطت بحياة المبدع المعاصر، ساردا أو شاعرا، أثّرت على تكوين نصه، وأن الأدباء تقاطعوا مع التقنية إلى أقصى مدى ممكن، مضيفا أن المتلقي المعاصر هو الآخر فرض على المبدع استجابات من التلقي؛ فلم تعد المشافهة أو التحرير الكتابي للنص مصادرَ تلقّي الأعمال الأدبية عنده، بل إن التقنية -التي استجابت لها الأجيال الجديدة بحماسة واندفاع- فرضت على المبدع حالات من التلقي أجبرت الشاعر والمبدع معاً أن ينساقا لها قسراً، لذلك لا بد من تقييم التجربة بمجملها وتقديمها إلى مشرحة الحق النقدي.

د.رهام حسني

وتقول الناقدة المصرية د.ريهام حسني، المستشارة الدولية لمنظمة الأدب الإلكتروني العالمية والمحاضرة بجامعة ليدز البريطاية، إن التفاعلية أهم ما أتاحته الشبكات والمنصات الجديدة، إذ تغلغلت هذه الوسائط في جميع الأنشطة الإنسانية ومنها الأدب، وأصبح من البديهي أن يتم توظيف إمكانات هذه الوسائط في مجال الإبداع الأدبي.

وتضيف أننا نشهد أنماطاً عديدة لتوظيف إمكانات منصات التواصل الاجتماعي في كتابة الأدب، سواء على المستوى الأول الذي يتم فيه استخدام الوسيط كأداة نشر النصوص اللغوية مصحوبة بوسائل مساعدة كالصورة والصوت دون تغيير يُذكر في البنية الداخلية للنص؛ أو على المستوى الثاني، والذي يتم فيه توظيف الإمكانات التي يوفرها الوسيط واستغلالها بشكل كبير لتطوير نص عبر فترة زمنية معينة وبمشاركة مجموعة من الأفراد من ثقافات مختلفة وبخلفيات متعددة لإنتاج نص لم نعهده من قبل مكتوب بلغات متعددة وأدبيات مختلفة، وهو ما يُطلق عليه: «نص الكوزموتكست».

وبحسب حسني، بعد أن أصبح العالم مجتمعا «كوزموبوليتانيا» كبيرا، يسكنه مواطنون عالميون، توحّدهم الاهتمامات والميول والمشاكل الكونية، يأتي «الكوزمو-أدب» كنتاج طبيعي للهوية الجمعية لسكان العالم الذي ربطت الوسائطُ الجديدة جداً بين أفراده، وكفلت التفاعل بينهم. وهي تقصد بـ«الكوزمو-أدب»: «كل أشكال الأدب التي تستفيد من إمكانات الوسائط الجديدة جداً لإنتاج نص أدبي يتمثل ثقافات ولغات مختلفة». ويدخل في هذا السياق الأدب الإلكتروني، وتمثلاته التي تتمظهر في أيّ وسيط آخر.

وتتوقف حسني عند نموذجين من «الكوزمو-أدب» قامت بدراستهما، هما رواية (تويتر) بعنوان «قلوب، مفاتيح، وفن الدمى» (Hearts, Keys and Puppetry) للكاتب الإنجليزي «نيل جيمان» (Neil Gaiman)، والتي تكونت من ألف تغريدة بلغات من بينها الإنجليزية والفرنسية، واشترك في كتابتها العديد من المغرّدين على منصة التواصل الاجتماعي (تويتر) على مدى تسعة أيام. أما النموذج الثاني فهو رواية (فيسبوك) بعنوان: «على بعد مليمتر واحد فقط» للكاتب المغربي عبد الواحد استيتو، والتي طورها الكاتب بمساعدة القراء على منصة (فيسبوك) لمدة شهرين كاملين.

ومن خلال الدراسة المستفيضة لهذين النموذجين، توضح حسني أنها استنبطت مجموعة من الخصائص المميزة لهذا النوع من الأدب. مشيرة إلى أن «الكوزمو-أدب» يأتي كوليد طبيعي للسياق السياسي والاجتماعي والثقافي الذي يحياه العالم اليوم، والذي تلعب وسائل التواصل الاجتماعي الدور الأكبر في تشكيله.

سناجلة: الزمن الرقمي يخلق أدبه

الروائي محمد سناجلة

يقول الكاتب الأردني محمد سناجلة في كتابه «رواية الواقعية الرقمية»: «أعرف أنني قد جئت ببدعة جديدة لم تكن من قبل، وأطلقت عليها رواية الواقعية الرقمية (ظلال الواحد)، -وهي أول رواية رقمية عربية. وقد عانيت قبل الاعتراف بها، حتى إن بعض النقاد اعتبرها ليست رواية، وقد كنت متوقعا ذلك، فالعقلية العربية ترفض الجديد والمحدّث. والآن يتبعها أشد معارضيها بالأمس».

ويتساءل سناجلة الذي يعدّ رائد الأدب الرقمي في الوطن العربي: «هل الروائي بأدواته الحالية والمستهلكة قادر على أن يبقى روائياً؟»، خاصة وأن الرواية الرقمية هي الرواية القادمة، ولن يتوقف شكل الرواية عندها، في ظل الصيغ المختلفة للتقنيات الرقمية التي هي في تطور مستمر.

في لقاء لـ الرأي مع سناجلة، وُجه له السؤال: «قبل عشرين سنة كنا نقول إن ما تقوم به ضرب من الجنون، لا أحد سيقبله، وكنت تضرب ودعك في الرمل وترى ما لا نراه، واليوم وقد تجاوزنا ما كنت ترى وتتوقع، فهل ثمّة جنون ’خر ينتظر هذا العالم؟» فكان جوابه: «قبل بضع سنوات لم يكن أحد يتخيل شكل العالم الذي نعيشه الآن، لم يكن هناك (آي فون) و(آي باد) و(أندرويد)، ولا (فيسبوك) و(تويتر) و(انستغرام) و(واتس أب)، ولا (تندر) و(بادو).. كانت شبكة الإنترنت بشكلها التقليدي البليد، هناك حيث يجب أن تكون جالسا في مكتبك، وأمامك جهاز كمبيوتر ضخم على طاولتك لتدخل إلى الشبكة وتتصل بالعالم، وكان الكثيرون يعتقدون أن ذلك هو آخر الدنيا، بل تجرأ بعضهم ووصف العالم بأنه قرية صغيرة! ثم تطور الأمر قليلاً، فوُجد (اللابتوب) و(الآي باد)، وصار العالم شاشة زرقاء».

وأضاف: «نحن الآن نعيش في زمن الهواتف الذكية و(السوشال ميديا)، زمن (الفيسبوك) و(تويتر) و(انستغرام)، حيث أصبح الكائن متصلا من أيّ مكان وفي كل مكان، وصار العالم في قبضتك، وبين يديك، تتصل به في أي لحظة، وتفصله متى تشاء. أما المسافة فليست أكثر من خرافة».

وتابع سناجلة بقوله: «أتذكّر، حين بدأت مشروعي الأدبي عام 2001، لم يكن هناك وسائل تواصل اجتماعي، وكان التواصل يتم عبر (ياهو ماسنجر)، بينما كان (مكتوب ماسنجر) حينها بيت الشباب العرب».

وعلى المستوى الأدبي، بحسب سناجلة، كان «النص الفائق» هو الشكل المعترف به في ذلك الوقت، وكان شرطاً أساسياً لاعتبار هذا النص أو ذاك من ضمن الأدب الرقمي. لكن الإنترنت لا يعرف الثبات، والزمن الرقمي ينتج كل يوم أشكالاً جديدة للأدب، فوُلد أدب وسائل التواصل الاجتماعي، أدب (تويتر) و(فيسبوك)، ولعل السؤال الأساسي هنا: هل يمكن تقنين الأدب الرقمي ضمن أشكال وقواعد محددة؟

يرى سناجلة أنّ من الصعب أن تمسك بزمن متحرك ومتسارع بشكل لا يتخيله عقل لتضعه ضمن قواعد وأطر معينة. ويضيف: «كنا نقول إن الأدب الرقمي لا يمكن نشره في كتاب، لكن ها هي نصوص كان الحامل الرقمي أداتها ووسيلتها تتحول اليوم إلى كتب. هناك روايات وقصص وقصائد كُتبت أول ما كُتبت على (فيسبوك) و(تويتر)، وكانت تلقى تفاعلاً كبيراً من القراء لحظة تولدها، ثم تحولت إلى كتب ورقية».

ويطرح سناجلة السؤال مجدداً: «هل هذا أدب رقمي أم لا؟»، أما جوابه فهو «لا أعرف». لكن ما هو مؤكد بالنسبة له أن الزمن الرقمي يخلق أدبه ونصه بطرق وأشكال متعددة لا عد لها ولا حصر، وأننا سنشهد قريباً جداً أشكالاً أخرى لا نعرفها ولا نتخيلها، لهذا «علينا أن نتوقف عن محاولة تقنين الأدب الرقمي، ووضعه في قواعد ثابتة في زمن متحول ومتسارع إلى ما لا نهاية».

عبد الواحد استيتو

روائي مغربي

الرواية الرقمية والمرحلة الجنينية

الروائي عبدالواحد استيتو

تعدّ روايتي «طينجو» تجربة مختلفة نوعا ما عن الرواية الفيسبوكية، ولو أن جزءا كبيرا من التفاعلية موجود فيها أيضا.

عموما، يمكن للتطبيق أن يوفر خصائص أكبر من (فيسبوك)، ويمكن أن يتم إقحام القارئ في الأحداث بأكثر من تقنية، لكن للأسف هذا لا يتأتى لنا ككتاب عرب نظرا لغياب «الصناعة الثقافية» أو «الاستثمار الثقافي».

التطبيق الحالي للرواية تطبيق بسيط يتيح التعليق، ويرسل تنبيهات إلى المشتركين بمجرد ورود فصل جديد. عدا ذلك، أعدّه، بشكل شخصي، تطبيقا بسيطا لا يوفر ما كنت أتمناه من إمكانيات وتفاعل، على غرار اختيار القارئ لمصير البطل عن طريق ضغطة زر فقط، والإمكانيات الصوتية.. إلخ.

هذا لا يمنع أن الرواية نالت نصيبها من الشهرة والقراء، وقد توقفت عند الفصل الرابع والعشرين، في انتظار استكمال باقي الفصول.

من أجل العمل على رواية على شكل تطبيق ذكي، بالشكل الصحيح، لا بد من وجود فريق عمل متكامل، يضم، إلى جوار الكاتب، التقنيين والمتخصصين في التصميم وغيرهم..

ربما هذا ما يُحسب لفيسبوك؛ أنه يوفر للكاتب كل شيء، وما عليه سوى الكتابة.. بينما التطبيق يتطلب اجتهادات أخرى.

عموما، تبقى التفاعلية حاضرة في الحالتين، وآراء القراء وتدخلاتهم لها مكانها، دون أن ننسى أن الرواية الرقمية التفاعلية ما زالت في المرحلة الجنينية، وما نقوم به الآن هو تجهيز الأرضية للمستقبل الذي سيحفل بالكثير من التجارب الشبيهة دون شك.

»أدباء« مواقع التواصل.. بين التجذُّر ووهم الكتابة

ترمي الرأي حجارتها في المياه الراكدة لتكشف عن وجه هذا الغازي الجديد، متسائلة: هل هنالك أدباء تجذروا على مواقع التواصل الاجتماعي؟ أم هو وهم الكتابة اليومية والمديح الخاوي؟ وهل سرعة انتشار النص وحيويته وقدرته على التأثير والتفاعل معه ناتجة من سطوة النص أم سطوة اسم الكاتب وشهرته السابقة قبل وجود مواقع التواصل الاجتماعي؟ ثم هل هنالك مخاضات لخلق مثقف بمواصفات جديدة وقدرات على التأثير بظروف جديدة عبر بوابة نص مواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل هنالك نص غائب خلف هذا النص الذي نراه؟ وكيف يُقرأ؟ وهل أفقد نصُّ مواقع التواصل الاجتماعي الذي يستند إلى المخيال الشعبي واللهجات المحلية في الغالب، الأدبَ العربي الناضج رونقَه والقه؟ وهل سيخلق جيلا غير منتمٍ للأدب العربي أو اللغة العربية؟

كتابة آنية تنزاح عن الفصيح

د.لبيبة خمار

صاحبة كتاب «النص المترابط: فن الكتابة الرقمية وآفاق التلقي»، وأول كاتبة عربية ألّفت وأخرجت قصصا رقمية كنوع جديد من أنواع الأدب الرقمي وأطلقت عليها كجنس أدبي اسم «قصة الفيديو»، المغربية د.لبيبة خمّار، تؤكد أن الرقمية اخترقت أجسامنا وعقولنا ومخيالنا وباتت تتحكم فينا وفي علاقاتنا وطرائق عيشنا، وغزت أشياءنا الأثيرة وحدائقنا السرية وأفكارنا التي بلورتها، مكتسبة السرعة والخفة اللازمتين للسيطرة على اليقظة والنوم والأحلام.

وتضيف خمّار أن الأدب الرقمي أسفر عن جيل من الأدباء الجدد لم يتخلصوا بعد من سطوة الورق، ومدوِّنين ارتبطت أسماؤهم بالمنصات الاجتماعية، ومنها ذاع صيتهم وعلا شأنهم مما يجعلنا نتساءل عن حقيقتهم، فهل هم أدباء حقا؟ أم هم ثلة تحيا في وهم الكتابة وبريق المديح الخاوي الذي تقتات ظلاله على كل روح هائمة في الوادي السيبراني؟ كما نتساءل عن قيمة هذا الأدب الذي انتشر في ظل ثقافة رقمية تتأسس على الكتابة لتظل شفاهيةُ التواصل والفكر تؤثر عليه سلبا، فكيف يحدث ذلك؟ خاصة وأن لغة اليومي تنهل من اللهجة أو اللغة الأولى التي تشرّبها المرء رضيعا، ليعيد بها بناء فكره معبّرا عن مكنوناته بطلاقة لا تعيقها قواعد نحو واستخدام، لذلك اتسعت مع الاستخدام المتزايد للرقمية ظاهرةُ الحصر المكاني للكتابة، أي: قول اللحظة في المكان، والتي مكّنت من ظهور كتابة آنية تنزاح عن الفصيح، وعن اللهجة التي صارت لهجة مكتوبة تنأى عن المنطوق والشفاهي المألوف، وتنأى عن اللغة المعيار لتختلق لغة وسطا تتخفف من القواعد ومن الإرغامات لتصبح نظاما تواصليا ثانيا يقابل اللهجة الأولى كما يقابل الكتابةَ الفصيحة التي أمست نظاما تصنيفيا وتواصليا ثالثا، فتزداد الفجوة اتساعا بين الكاتب ولغته، ويفقد الكاتب حسه بتراكيبها وتصبح هي أبعد ما يكون عن سليقته.

ومن عمق الفجوة هذه بحسب خمّار، بزغت كتابة المنصات الاجتماعية ببنيات تحمل تصدعات تشي بضياع الهوية واللغة. وكأننا بالكاتب يريد التعبير عن هشاشة اللحظة بهشاشة النص. بيد أن النص يعانده ويظل بالإشارة إليه والاستشهاد به والترويج له وتداوله بالنسخ واللصق، معروضا على المنصة ومشهودا ليؤثر بذلك على القراء أو الزائرين الذين يندفعون إلى تقليده. فيصبح بالمريدين وكثرة الأتباع أسلوبا خاصا ينتج نمطا كتابيا يثير أسئلة تدور في مجملها حول الأدبية واختمار التجربة وخلل اللغة الذي يمكن رده إلى سهولة النشر، وانعدام التفحص والتدقيق، وانجراف الذائقة مع الغث والسمين، وتعثر طرائق التلفظ المميزة لأحداث الكلام -والمحددة في الحدث التعبيري والتحقيقي والمقامي، الإفهامي- المؤدي إلى تضعضع البنية والدلالات.

انتشار ظاهرة (القص واللصق)

د.فاطمة البريكي

وفي ظل انشغال الناس بالكثير من الأفكار المتعلقة بهذا الموضوع كما تقول الكاتبة والناشرة والخبيرة التربوية الإماراتية د.فاطمة البريكي، هنالك أفكار عميقة تستحق المناقشة، ومنها «تحوّل معظم أفراد المجتمع إلى كُتّاب على حساب الكتابة والأدب والثقافة، وعلى حساب الأساسيات التي نشأت عليها أجيال من الكتّاب السابقين حول مهارات ما قبل الكتابة مثلا، ومن أهمها البحث وجمع المادة والقراءة والتحليل، إذ لا يمكن أن يجلس الكاتب ليكتب من فراغ، فكل إناء بما فيه ينضح».

وتضيف البريكي أن انتشار مدّعي الكتابة جاء على حساب الكُتّاب والباحثين الجادّين، فإذا بهم يتفاجأون بانتشار ظاهرة (القص واللصق) بطريقة واضحة ومباشرة، لتصنع كُتّاباً يشبهون الوجبات السريعة التي تُطهى في دقائق، لذلك نجد الكثير من الأسماء على الساحة الثقافية والأدبية، التي تقدم نصوصا تشبهها بحيث تضرّ أكثر مما تفيد، والغريب أنها تلقى قبولا ورواجاً، تماما كمطاعم الوجبات السريعة التي يقبل الناس عليها مع إدراكهم لمضارّها.

وترى البريكي أن الوسيط الإلكتروني يسّرَ تبادل المعلومات دون شك، ولكنه يسّر أيضاً النشر، وحرره من الرقابة والرقيب، لذلك لا عجب إن ساد الغث وتراجع السمين، ولا عجب إن تصدّر المشهد الثقافي مَن لا يربطه بالأدب والثقافة سبب؛ فأبواب النشر الإلكتروني مفتوحة، والطرق إليه قصيرة ومستقيمة، ومعه يُختصر الزمان والمكان ليصبح الجميع كُتّاباً لامعين في غمضة عين، مع الإشارة إلى أن هناك كتّابا جادّين حاضرون في المشهد الثقافي الإلكتروني بنصوص رزينة فكرةً ولغةً وأسلوباً.

وتتساءل البريكي: «ما الذي يجعل من شخص لا يعرف شيئاً عن الكتابة كاتباً؟»، مضيفة: «لا يمكن أن نلقي اللوم كله على الوسيط الإلكتروني، فالجمهور (الإلكتروني) -إن صحّ الوصف- له دور أيضاً، ويحمل جزءاً من مسؤولية ما وصل إليه حال المشهد الثقافي إلكترونيّاً». وهنا توضح البريكي أنها لا تقصد التعميم، بل تقصد المجموعة غير الواعية فقط، التي تقبل بكل ما يُقدَّم وتسلّم به، وتشعر أنه قريب منها ويخاطبها، ولا تدرك الفرق بين الفكرة أو اللغة القريبة أو التي تلامس الإنسان في أعماقه وبين الكلام المبتذل الذي لا يختلف عن المتداوَل اليومي في أدنى مستوياته. ولا تدرك أيضاً أن الكتابة معاناة تبدأ بالقراءة والاطلاع على أمهات الكتب وغيرها، وتنتهي بعدد لا يُحصى من المسوّدات التي كلما زادت علتْ القيمة الأدبية للنص، وصارت تلك المسودات جسراً يوصل النص وكاتبه لأكبر عدد من القراء المتذوقين الذين يميزون بين الأدب وقشوره، وبين من يؤلف نصّاً ومن يجمع كلمات من هنا وهناك ليحيل البياض سواداً».

وتعود البريكي لتؤكد من جديد أن ما سبق ليس هو المشكلة الوحيدة في هذا الموضوع تحديداً، فقد انتقل المتسلقون على الأدب لمنافسة الكُتّاب الجادّين على مستوى النشر الورقي أيضا، وصاروا ينقلون غثاءهم من زرقة الشاشات إلى بياض الصفحات، وصرنا في المعارض لا نعرف الكاتب من غيره لكثرة ما نجد أمامنا من ركام الكتب التي تحمل أسماء لم نسمع بها من قبل.

الشهرة وحب الظهور

من جانبه، يرفض الناقد البحريني د.فهد حسين عدّ ما يُنشر في منصات التواصل الاجتماعي نصوصاً إبداعية إلا إذا كانت من أقلام لها تجربة ثقافية وأدبية، وخبرة في الكتابة؛ لأن هذه الأقلام لا تنشر إلا إذا كانت مؤمنة بما تكتب وتراها صالحة للنشر، أما ما نراه ونقرأه في عموم هذه المنصات فما هي إلّا محاولات بسيطة وسطحية، وكثير من كتابها لا يدرك قيمتها الفنية وما يرمي إليه من نشرها عدا الشهرة وحب الظهور.

الانتشار السريع والتغذية الراجعة

د.نضال الشمالي

ويقول أستاذ الأدب الحديث ونقده، الأردنيّ د.نضال الشمالي: «تقدم وسائل التواصل الاجتماعي مفهوماً جديداً للنصّ الكتابيّ من حيث ماهيته وأبعاده وتقنياته الممتدة التي أقحمت وسائل تعبير تتجاوز الحرف إلى الصورة والصوت والأيقونة. وهذا سيقود إلى تقديم مفهوم جديد للإبداع قائم على فعل الانتشار السريع والتغذية الراجعة المباشرة، ومن ثم انعدام فترة الانتظار بين فعل الكتابة وفعل النشر، وكذلك بين فعل الإبداع وفعل التلقي».

بمعنى آخر، فإنّ هذا النمط الجديد من التعبير الذي قد يرقى في بعض مظاهره إلى شروط الإبداع، بات بحسب الشمالي «صورة لحياتنا اليوم، وانعاكاساً للمتطلبات الحضارية الطارئة والمحيّرة»، ما يدفع إلى التساؤل: «هل الكتابة بهذه الطريقة المستحدثة تكفل بالضرورة فهماً دقيقاً وجادّاً بمتطلباتها؟».

ويرى الشمالي أن هذه الحساسيّة الجديدة في الكتابة «قادت إلى جملة من التبعات المرصودة، منها: سهولة تناقل النصوص والترويج لها استقطاباً وتصديراً وتناصاً بعيداً عن فعل رقابي تقليدي محكوم لآلة النقد إلى فعل رقابي جمعي محكوم لآلة القراءة العابرة والمتعجلة». موضحاً أن هذا الرواج للنصوص الكتابية يبدأ من فعل تدوين ما هو مهم، ونشر ما يعتقد الكاتب أنه جيد بدافع التجريب والبوح والتلقائية في التعبير عن المشاعر، وينتهي عند تلقي ردودٍ سريعة ومجامِلة، فتنتهي التجربة لتبدأ تجربة أخرى، ويتحول النصّ الأول إلى مرجعيّة لنصوص أخرى لدى مَن قرأ النصّ ورغب باستثماره؛ مصادرةً أو تناصاً أو اقتباساً، وبهذا «ينتفي فعل السرقات الأدبية في عُرف الوسيط الالكتروني إلى فعل الرواج والشيوع والملكيّة الجمعيّة».

ويؤكد الشمالي أن من تبعات رواج النصوص على (الفيسبوك) وتناسلها، تفعيل الذائقة الأدبية ارتقاءً أو اضمحلالاً، فشيوع النص على المدارج الالكترونية «قائم على فعل الاستملاح (الجذب)، وفعل الاستقباح (الرفض)، وهذان الفعلان يمثلان أداتين مهمتين لتفعيل الذائقة الأدبية تفعيلاً ابتدائياً يمكن أن يتطور بتطوير أدوات القراءة والتأمل والاستقرار على ما هو جميل وراقٍ».

ورغم أن مسارات النشر الالكتروني تخلط بين النصوص جميلها وقبيحها، إلا أنّ قانون النشر على هذه المواقع قائم بحسب الشمالي على الإباحة والشيوع والعزل والاختيار، مما يعني تشكّل ظروف جديدة للقراءة الأدبية –محكومة لذائقة العوام- تختلف عن شروط القراءة في الأدب الورقي ذي الشروط المعلومة. وهذا ما يفسر رواج الأحكام النقدية الصارمة المتأتية من قانون الكتابة الورقية، فتكثر على ألسنة بعضهم عبارات من قبيل: «نصوص هشة، كاتب متسرع، قارئ ساذج، هذا تجاوز على الأجناس الأدبية...». ورغم ذلك لا يمكن إغفال قيمة أدبية مهمّة نتجت من هذا الشيوع والانتشار، هي الرغبة في القراءة والتواصل والتفاعل، وهي قيمة لا غنى عنها للارتقاء بالذائقة الأدبية لدى القارئ الجديد.

تناسل النصوص وإعادة تشكيلها

ويقول الشمالي إنّ مبدأ التفاعلية يمثل قيمة ناتجة عن تناسل النصوص وإعادة تشكيلها؛ أكان ذلك بإعادة نشر نصوص متفوقة أدبياً أم بمحاكاتها والسير على منوالها أم بالاكتفاء بالتعليق عليها ومشاركتها على الصفحات الخاصة. إنّ التفاعل المباشر، بحسبه، «حالة ضرورية في النصوص الالكترونية لا يكتمل النص إلا بها»، وهو تفاعل يرقى بفعل الزمن والانتشار شريطة التمسك بالنصوص القدوة، وإظهار المرجعيات النقدية السليمة على صفحات التواصل، وتعزيز فكرة المسؤولية المجتمعية لمقاومة تهافت النصوص الرديئة وتضليل الأقلام بالأحكام النقدية المتسرعة والمجامِلة وغياب الرقابة. فعندما تُسترجع هذه المسؤولية سيعوَّل عليها في «إنشاء منصّات تعبيريّة ذات مواصفات جمالية يمكن أن ترتقي بذائقة الجمهور عن كل ما هو سطحي وساذج، وتكفل استثمار حالة الشيوع النصّي وحالة القراءة والرغبة في التفاعل».

الروائي والناقد احمد فضل شبلول

من جهته، يقرّ الروائي والناقد المصري أحمد فضل شبلول، أن صفحات التواصل الاجتماعي، وخاصة (الفيسبوك)، أنتجت مئات الكتّاب الهوائيين وآلاف القراء المتسرعين، لأن نصوص (الفيسبوك) غالبا ما تكون قصيرة سريعة و«غير متعوب عليها» مثل الكتابات الورقية. ويضيف أن نسبة قليلة من كتّاب (الفيسبوك) ينشرون نصوصا طويلة، وهؤلاء غالبا «لم يستوعبوا الحالة الفيسبوكية التي يكون عليها المتصفح العجول الذي لا يستقر عند صفحة معينة»، فبعض القراء يقرأ سطرين أو ثلاثة من النص ثم يضع «إعجابا» أو يعلق تعليقا سريعا لا يفي بالغرض. ومع ذلك فهناك قلة يكملون النص حتى نهايته.

ويرى شبلول أن سهولة كتابة النص على (الفيسبوك) وسرعة النشر تخدع الكثيرين، لذلك «لا يمكن الاعتراف بوجود أدباء حقيقيين على صفحات (الفيسبوك) قبل أن يقنع الواحدُ منهم قراءه بكتابات ورقية جيدة أولاً تُنشر في كتب أو مجلات يُعتَدّ بها». ويدلل شبلول على صحة ما يذهب إليه، بأن معظم من يكتبون على (الفيسبوك) مباشرة يلجأون إلى الطباعة الورقية كي يتم الاعتراف بهم. فضلا عن أن اتحادات الكتاب والروابط الأدبية لا تعترف حتى الآن بالكتابات المنشورة على صفحات مواقع التواصل لاكتساب عضويتها، فما زال اتحاد كتاب مصر –مثلاً- يشترط على طالب العضوية العاملة أن يكون له ثلاثة كتب مطبوعة ورقيا على الأقل.

ويكشف شبلول أنهم حاولوا في اتحاد كتاب الإنترنت العرب، التجاوز عن شروط وجود كتب مطبوعة ورقيا لمن يتقدم بطلب العضوية، والقبول اعتمادا على ما يُنشر في المدونات والمنتديات والصفحات الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن «لا بد من الاعتراف أن هذا الاتحاد لم يكتسب حتى الآن قوة الاتحادات والروابط التقليدية في الدول العربية».

ويُرجع شبلول سبب النظرة القاصرة لما يُكتب على صفحات التواصل من قِبل الاتحادات والروابط وعدّها كتابات من الدرجة الثانية أو الثالثة، إلى أن معظم هذه الكتابات لا ترقى إلى درجة الجيد، وأن المجاملات وعبارات المديح والثناء المبالغ فيه، هي السائدة، بل إن من يتجرأ ويشجب نصا أو يهمس بأنه غير جيد أو رديء، لن يسلم من صاحب النص وأصدقائه، لذا «يبتعد صاحب الرأي المحايد أو الرأي السلبي في نظرته للنص، عن التعليق مؤثرا السلامة».

لهذه الأسباب لا توجد حركة نقدية حقيقية تصاحب الكتابات الفيسبوكية كما يرى شبلول، ناهيك عن صعوبة أو استحالة متابعة كل ما يُنشر على صفحات التواصل، وإذا حدث أن تابع أحد النقاد أو الباحثين بعض تلك الصفحات لأسباب علمية، يخرج عليه بعضهم معلنا أنه متابع غير جيد ومتحيز لبعض الصفحات دون غيرها، أيْ أنه في جميع الأحوال «لن يسلم من الأذى والألسن السليطة».

حرية المبدعين في نشر نصوصهم

ويؤكد الأكاديمي الأردني د.أحمد رحاحلة أن النشر عبر مواقع التواصل يكشف عن نواحٍ إيجابية مهمة، يتمثل أبرزها في إعطاء الحرية المطلقة للمبدعين في نشر نصوصهم، وفتح نافذة تفاعلية بين المبدعين والنصوص لا يمكن أن تتيحها أيّ وسيلة أخرى، ولا يخلو الأمر من الكشف بين الحين والآخر عن أصوات إبداعية وتجارب كتابية تستحق الرعاية والعناية بها.

وتتناول الناقدة السورية د.سمر الديوب الموضوع من زاوية أخرى، إذ ترى أن للنص الأدبي نسقين: ظاهراً، ومضمراً. وأن ما يقدمه الأديب على مستوى النسق الظاهر يختلف عما يضمره. فكيف يمكن للأدب الرقمي أن يحمل النسقين معاً؟ خاصة وأن النص المتشعب نص من دون بداية ونهاية، ففي داخله كل الاتجاهات الممكنة. إنه يمثل «تجربة مفتوحة على كل الاحتمالات حتى وإن تناقضت جزئياً، أو كلياً في ما بينها». ولا توجد قصدية غير مصرّح بها. بل إنها مكشوفة، ومصرح بها؛ لأنها «مدرجة ضمن الممكنات النصية المسهّمة التي لا تعرف أين تنتهي». كما أن البطل في النص الرقمي «يمكن أن يموت ويحيا، ويسافر ويتزوج، ويصلّي ويدخل الحانات طالما أن النص ليس محكوماً بمركز تنطلق منه الإحالات وتعود إليه». أما اللذة الفنية فهي لحظة تأتي مرة واحدة، أو لحظة انزياح عن زمنية مألوفة. وهي لحظة غير قابلة للتحديد، «وهذا ينتفي في الأدب الرقمي».

وترى الباحثة السورية هاديا كلش أن النّصّ الأدبي يحمل دلالات، سواء كان ورقياً أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأن حيويته وتفاعليته تساهمان بسرعة انتشاره، وتكونان بناءً على إيجازه وتضمّنه الأحاسيس النفسية والاجتماعية التي تهم القرّاء، وتناسب أكبر شريحة عمرية، بلغة بسيطة واضحة معبرة.

وتؤكد أن سطوة النّصّ بحد ذاته، تسبق اسم وشهرة كاتبه، وكلما كانت لغته العربية سليمة بليغة كان تأثيره أوسع، بما يتضمّنه من قضايا ومضامين شعبية قريبة من واقع الحال، لذلك «رغم استخدام اللهجات المحلية المحكية، ما يزال للّغة العربية مكانتها وما زالت تحافظ على رونقها، ربما لأنها ضرورية لوصول النّص إلى خارج الإطار المحلي».

وتوضح كلش أن لكل قارئ فكره ونضجه وثقافته، وانتماءه الجغرافي والاجتماعي والنفسي، ويُكتشف من خلال ذلك النّصّ الغائب بالنّصّ الأدبي الظاهر، وهذا ما يلاحَظ خلال التعليقات من اختلاف الرّأي في ما يُفهم وفي مدى تأثر النّصّ بصاحبه ومعتقداته. مضيفةً أن مواقع التواصل لها جانب سلبي يتعلق بتغيّر ماهية النّصّ الأصلي وضياع صاحبه وتناسله وتشوهه، ونسبه لأشخاص ليسوا سوى لصوص يركضون خلف المديح الخاوي والإعجاب، لكن هؤلاء «سيتساقطون مهما طال الزمن»، وسيذكر التاريخ مَن استمر بالإبداع الفعّال والمجدد، مما يخلق مثقفين بمواصفات جديدة بظروف مختلفة وقدرات مميزة على التأثير والطرح الجديد للقضايا، ملمّين إلى جانب الإمكانيات الأدبية، بالتّقنيات الرّقمية والنّصّ المترابط.

حقوق الملْكية الفكرية و«موت المؤلّف الرقمي»

د.فهد الهندال

هل نقف في هذا الملف في مواجهة الناقد والمفكر الفرنسي رولان بارت (1915-1980) صاحب مقولة «موت المؤلف» إذا قلنا إن النص هو مَن يموت، بينما يتناسل المؤلف في نصوص جديدة؟ وهل غابت الأجناس الأدبية واختفت لصالح نص واحد هجين؟ وماذا عن حقوق الملْكية الفكرية في ظل تناسل المؤلف في نصوص عابرة للعالم؟

الناقد والناشر الكويتي فهد الهندال يرى أن فكرة «موت المؤلف» استعادت حضورها ثانيةً وسط ما نشهده من تنوع وسائل الكتابة، ولكن لإعادة إحيائه وسلطته على النص. فبعد الكتابة على الورق، بات فضاء الإنترنت مزدحماً بكتابات وفق أشكال جديدة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، وكما كان للكتابة على الورق ما يقضّ مضاجعها، كذلك الكتابة في الفضاء الأزرق، وهو ما يمكن أن يكون خطرا مهددا للملْكية الفكرية وحقوق المؤلف الأصيل.

تناسل الأفكار

فبحسب الهندال، عادت السرقات الأدبية لتطل برأسها ثانيةً في مواقع التواصل الاجتماعي، تارة تحت فكرة الاقتباسات، وتارة بتكرار ما يُكتب أو الاستعارة من كتابات الآخرين. واتسعت رقعة تناسل الأفكار دون توثيقها بإرجاعها لأصلها، مع سهولة خاصيتي النسخ واللصق، وبتر السطر والفقرة والجملة والصفحة، وربما الصفحات والأفكار، ووضعها تحت أسماء غير أصحابها. وتعدى الأمر إلى سرقة مقالات وأبحاث، ونسبها لغير أهلها.

ويلفت الهندال إلى أن المطّلع على قوانين وسائل التواصل الاجتماعي، يجد أولوية كبيرة ومهمة للملْكية الفكرية وحقوق المؤلف عندما يتم تحميل فيديو أو صورة تخضع لحماية الحقوق العالمية، مما قد يتسبب بإغلاق صفحة المستخدم، في حين يستمر الوضع المعتدي على حقوق الآخرين هنا دون أدنى مراقبة أو حماية. ويتابع بقوله: «لقد قرأنا عن شخصيات معروفة في وسائل التواصل الاجتماعي استولت دون وجه حق على مقالات لآخرين ونسبتها لنفسها، ودون أدنى شعور أخلاقي بفداحة ذلك، ولعل محركات البحث اليوم خير معين في كشف هذه السرقات، إضافة لذاكرة ومعرفة الكثير من المستخدمين السابقة بهذه الأفكار الأصيلة الذي يعدّ عاملا مساعدا في ذلك».

ويتساءل الهندال: «هل باتت وسائل التواصل الاجتماعي سببا في انتهاك الحقوق واستسهال مهمة الكتابة والانجراف نحو وهم الانفتاح النصي دون معايير أو أسس إبداعية لذلك، بل مجرد خلط بين المفاهيم، وهو ما يعدّ جريمة في حق النص الأدبي الذي بدأ موقعه يتراجع مقارنة مع النص الجماهيري وبما يهدد الذائقة تحت مناجل المزاجية؟».

وبحسب الأكاديمي الأردني د.إبراهيم ملحم، فإن الذين راجت بضاعتهم في السوق الرقمي واكتسبوا الشهرة، يعمدون لجمع نصوصهم ونشرها عبر الوسيط الورقي؛ خوفا من ضياعها في حالة فقدان الحساب أو قرصنته، أو لمنع تناسلها لدى الآخرين، أو لتثبيت ريادة التجريب، أو للحيلولة دون سرقتها في مجتمع قلّما يكترث بالملكية الفكرية للنص باعتبار سكان المجتمع الافتراضي أرقامـاً، وليسوا أفراداً حقيقيين. في حين أن المتلقي الرقمي ليس معنيـاً بمن يمتلك النص بقدر ما تعنيه الإثارة التي يُحدثها النص فيه، وما يمتلكه من مقومات تجعله عالقاً في ذاكرته.

السرقات الأدبية

ولعل الارتجالية الرقمية، كما يقول ملحم، هي ما يدفعنا إلى أن نتهوَّر في الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي سلباً أو إيجاباً. فقد نتهور في ارتياد الأرض البكر من التجريب، وهو «تهور محمود»؛ لأنه أدى إلى نشوء أشكال جديدة من الإبداع. وقد نتهور طمعاً في الشهرة التي تؤشر عليها تزايد الأرقام المعبّرة عن الإعجاب، وتعبيرات المديح والإطراء. ولكننا في الأحوال كلها، «نُحصن تجاربنا الناجحة، ليس بإبقائها على الوسيط الإلكتروني المرتبط بالمجهول، بل بنقلها إلى الوسيط الورقي الذي يتخلص من الشوائب العالقة بما حول رقمية النص».

الناقد عواد علي

أما الناقد والروائي العراقي عواد علي فيرى أن السرقات الأدبية لا تقتصر على (الفيسبوك) وحده، بل تمتد لتشمل وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى مثل «تويتر»، فضلاً عما يُنشر على الشبكة العنكبوتية من كتب ومقالات مصدرها الصحف والمجلات، فمحركات البحث (مثل «غوغل» و«ياهو») توفر روابط أو نتائج مختلفة لأيّ موضوع ينشده مستخدموها، خاصة بعدما أصبح (الفيسبوك) فضاءً لنشر كل ما يخطر في بال مستخدميه على صفحاتهم، في القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية، والخواطر، والنصوص الشعرية، والقصص القصيرة، والفصول الروائية، والمقالات، والنكات... إلخ. فكثيراً ما تتعرض هذه المنشورات إلى السرقة وكأنها بضاعة سائبة، في ظل غياب الرادع أو الضابط الأخلاقي، وشيوع الاستهانة بالملكية الفكرية وحقوق النشر، والجهل بالقوانين وتساهل الجهات القضائية وعدم تطبيق الأحكام الخاصة بالجرائم الالكترونية.

خبرة جمالية جديدة

ويوضح علي أن سرقة هذه المنشورات تتخذ أشكالاً متنوعة، فبعضهم ينسخها حرفياً ويعيد نشرها باسمه، وهو من «أغبى اللصوص»، لكنه يتستر بكون صفحته لا تحمل صورته، أو أنها تحمل اسماً وهمياً، من باب التنكّر. وبعضهم يحوّر فيها من أجل التمويه والتضليل، فيضفي عليها صبغة جديدة. وبعضهم يذيّلها بكلمة «منقول» من دون ذكر اسم صاحبها. وبعضهم يقتبس منها مقاطع محددةً من دون أن يذكر المرجع. وبعضهم «يتشاطر» فيشوهها بإضافة آراء أو أفكار لا تمت لها بصلة.

د.مصلح النجار

من جهته، يقول أستاذ الأدب العربي الحديث بالجامعة الهاشمية د.مصلح النجار، إن إثبات نوع كتابيّ أو جنس أدبيّ، يحتاج إلى اعتراف به من المشتغلين بنظرية الأدب، لصياغة الأسس التي ينبني عليها هذا النوع، حتى لا يختلط بسواه. ويضيف أن الأدب التفاعلي ما زال في مرحلة التحديد الأنواعيّ وصياغة المصطلحات وتحديد حدودها.

ويؤكد أن الملاحظة الغريبة التي أبداها مجموعة من النقّاد والدارسين، هي أن الأدب الرقمي أثّر بدوره في الأدب الورقيّ، من حيث تقنياته. ولكن الحقيقة أن الأدب الورقي كان حساسا تجاه حضور الجانب الرقمي في حياة الناس، فظهر ذلك في صفحاته، فهو لم يتأثر بالأدب الرقمي، بل تناول حضور التكنولوجيا الرقمية في حياة الناس، وظهر ذلك في أعمال أدبية لشهلا العجيلي، وإبراهيم عبد المجيد، ورجاء الصانع، وسواهم.

أشكال متعددة للقرصنة

ويضيف النجار: «نحن لا ننكر حضور النوع الأدبي إذا أرسى خبرة جمالية جديدة، لا مغامرة جمالية، وحمل قيماً جمالية جديدة للمتلقين، وظهرت فيه ملامح براغماتية، وعناصر جديدة، وكانت له بنية ذات علاقات عضويّة، ليست محض تغيير في الوسيط مع ثبات المحمول. خاصة وأن صفة النص ما بعد الحداثي، ومنه النصوص الرقمية، كانت دائما عدمَ القطيعة، وعدم القطعية والنجوزيّة الأنواعية، أو القياسية أو الاطّراد المطلق، بل كان ديناميكيا، يسعى نحو فضاءات الفنّ، والإبداع، دون تحفّظات».

ويرى النجار أننا حين نطالع النصوص الرقمية، ننطلق إلى فضاء «النصّ الأدبيّ» دون «العمل الأدبيّ»، فنحن نتكلّم على نصّ ثريّ، وديناميكيّ، وغير ناجز، ويحمل خطابا وخفايا، وثمّة متلقّون يسهمون بالكثير والقليل في مجموع النصّ. أما التقنيات أنفسها فـ«تنتمي إلى حيّز العمل»، أي الحيّز المادّيّ الذي به خرج هذا التأليف الجديد.

ويشير إلى أن العمليات الأدبية تطوّرت من مجرد إنشاء وتلقٍّ. فإذا التفتنا إلى التقانات، فقد تطورت على مستوى العمل الأدبي، وإذا التفتنا إلى المجتمع الافتراضي وشبكة العلاقات الافتراضية، فقد تغيّر الموضوع، وتغيّرت المنظومة الجمالية بالضرورة، وظهرت قيم جديدة، وصراعات من نوع جديد. وبالتالي فإننا «عرضة لاختبار التحوّلات النصّيّة بمكوّناتها جميعها».

ويختم النجار حديثه بالإشارة إلى الجمهور المحتمَل من المتلقين، قائلاً إن النصوص الرقمية ربما كانت تضحّي بأجيال من المتلقين الذين لا يتقنون استعمال التكنولوجيا الحاسوبية بمتطلّباتها واشتراطاتها الإبداعية والتلقيّة».

وفي ما يتعلق بإشكالية تجنيس العمل الأدبي الرقمي، ترى الباحثة السورية د.سمر الديوب أن انفتاح التجربة على تعددية التأشيرات الأجناسية هو من صميم نوعية التجربة. مضيفة أن الجديد في هذه التجربة يتمثل في «دخول تعبير (التأليف) الذي يعد تعبيراً أساسياً في الأدب الرقمي، إلى حد الحديث عن منتج النص الرقمي». وبحسبها، لا يقتصر النظر إلى النص الرقمي بوصفه نصاً تخيّلياً رقمياً منتهياً بنائياً من رؤية المؤلف، بل إنه نص يعيش حال تكوّن وتشكيل مع تنشيط تفاعل القارئ باستمرار.

المؤسسات الأكاديمية والتطور الأدبي التقني.. غياب المواكبة

كيف يمكن للجامعات التي أضحى باحثوها يوثقون أبحاثهم من هواتفهم النقالة أن تتساوق مع هذا الفضاء المعرفي الجديد، وكيف لها أن تجعل الإرث المعرفي الذي تجمعه بطون الكتب قابلا للتعاطي معه إلكترونيا، وأن تدعم الدراسات النقدية المتخصصة في الأدب الرقمي، وأن تفتح التنافس من خلال إنشاء جوائز له؟

في هذا السياق، تؤكد الناقدة السورية د.سمر الديوب أننا على عتبة مرحلة سيختفي فيها الأدب نفسه. فالرقمية «تَجَلٍّ للقطيعة مع الأدب السابق»، وهي آخر مرحلة من مراحل تطور الأدب التي يمكن تمثيلها بالشكل التالي: (أدب شفهي← أدب ورقي← أدب رقمي). وتضيف أن الأدب الرقمي يحتاج إلى معرفة تقنية تهم الباحث والمتلقي على حد سواء، وهو أمر يمكن أن نطلق عليه مصطلح «الهندسة الثقافية»؛ لذا يجب دعوة المؤسسات الثقافية إلى إيلاء الثقافة الرقمية الشأن الذي تستحقه، ودعوة وسائل الإعلام إلى تكثيف العناية بالثقافة الرقمية.

من جهته، يتساءل الناقد السعودي د.عبدالرحمن المحسني عن غياب دور الجامعات والتي يفترَض أن تكون الموجّه لحركة المعرفة، فرغم أن هناك جامعات قدمت بعض المجهودات في هذا الإطار، إلا أن المحسني يرى أن التقصير موجود، وأن على الجامعات أن تخطو خطوات أكبر في مواجهة حركة اللغة والتقنية على مواقع التواصل الاجتماعي، وإدخال الأدب الرقمي ضمن مقررات برنامج البكالوريوس، وتعزيز توجيه طلبة الدراسات العليا إلى نقد النقد للدراسات النقدية المتصلة بالأدب الرقمي العربي وقضايا اللغة الرقمية بعامة لوضعها في ميزان النقد، وإفراد زوايا خاصة في المكتبات الجامعية لمجالات اللغة والتقنية، تركز على جمع المنتج الرقمي من جهة ومقاربته للمستفيدين حتى تُبنى المعرفة على تراكمية صحيحة مع الحرص على حفظ المصادر والمواد العلمية بعيدا عن متغيرات الشبكة.

التراث الأدبي والأجيال المعاصرة

وتطرح الرأي سؤالاً افتراضياً: إذا عدنا إلى نقطة الصفر، وتلاشى هذا الضوء الفاقع لنقف على أطلاله ذات يوم، فما مصير هذه المعارف الرقمية غير الموثقة على الورق؟

وتمتد المخاوف لتشمل الحامل التكنولوجي نفسه، فإذا جاء تطبيق جديد وسحب البساط من تحت التطبيقات الشائعة الآن، كيف يمكن أن ننقل ما تحصّل من أدب إلى هذا التطبيق، خاصة وأننا في عصر السرعة؟ وهل نعود من جديد لنقدم مقاربات نقدية جديدة تختلف عما نسعى إلى تحصيله حالياً، أم إننا سنقف عاجزين، ولات ساعة مندم!

يؤكد المحسني في هذا السياق أن ما يُنشر على مواقع التواصل يعدّ ثروة أدبيَّة مهمة، فقدانُها هو فقدان لسجل أدبي خلال فترة زمنية غنية بالإبداع، لذلك يتوجب على المؤسسات المعنية حفظ هذا النصِّ، ويُلقى على عاتق النقاد مسؤوليَّة دراسته، ومقاربته، والإسهام قدر المستطاع في حفظه وتخليده.

ويشير المحسني إلى أن الأدب الرقمي التراثي يشكل مدخلا مهما لتقديم تراثنا الأدبي للأجيال المعاصرة، ولكن برقمنة مختلفة، وهذا ما يحتاج إلى جهود مؤسسية لإعادة (منتجته)، بما يتناسب مع أجيال الكمبيوتر، لردم الفجوة بين أجيالنا والنصوص التراثية. مؤكداً أن التقنية تعدّ فرصة ذهبية ونافذة مهمة لإعادة توجيه النص القديم برؤية تقنية حديثة وإعادة الاعتبار لها من خلال المناهج الرقمية الحديثة.

رؤية ضبابية

ومن وجهة نظر الناقد المغربي د.سعيد يقطين، يمكن أن يتأسس عندنا أدب عربي رقمي عندما تصبح الرقامة بصفة عامة، والرقامة الأدبية بصورة خاصة، اختصاصاً معترفاً به في الحياة العلمية والعملية. كما يمكن للرقامة الأدبية أن تتشكل عندنا وتتطور عندما يصبح عندنا أدب رقمي جدير بهذه الصفة. ومن دون ذلك «سنظل نتحدث عن الأدب الرقمي وكل ما يتصل به كما نتحدث عن أيّ خطاب بلا رؤية نقدية بعيدة المدى، ولا تصور علمي دقيق، ولا مقاصد واضحة، ويشترك في الحديث عنه الفضوليُّ، والمتحمس، وغيرُ العالِم، فلا تزداد الرؤية إلا ضبابية، والتصور سوى فوضى وتسيب».

ويتفق د.عبدالله الفيفي مع هذا الرأي، مؤكداً أن مستقبل الأدب الإلكتروني التفاعلي العربي ما يزال مرهوناً بحالة التقانة العربية المتواضعة، والقلقة، والمهدَّدة، لسببٍ أو لآخر. وما لم تتأسّس أنظمة شبكية مأمونة، ولها صفة الثبات والاستمرار في عالمنا العربي، فسيظلّ النشاط في هذا الميدان، إبداعاً ونقداً، في إطار التنظير، واستشراف المستقبل المنشود، وغير المتحقِّق.

وعودة إلى يقطين، الذي يرى أنه وعلى الرغم من الاعتراف بالتأثير التقني الجديد على الأدب إنتاجاً واستقبالاً، إلّا أن المسألة ينبغي أن لا تؤخَذ مبرراً للانفلات من الانضباط والتقاليد الأدبية، ومن قيمة الفن بوصفه حالة إبداعية جديرة بالظهور والتلقي، فقد «نرفض المؤسسة والسلطة الأدبية القائمة إذا كانتا فعلاً موجودتين، لكن هذا الرفض يؤدي بالضرورة إلى الدفاع عن مؤسسة جديدة وسلطة مختلفة، وليس الدفاع عن الفوضى».

ويتابع يقطين: «إذا شئنا استبعاد هذين المفهومين، قلنا لا بد من وجود تقاليد أدبية محددة نستند إليها في فهم الأدب وتقويمه. قد نختلف في تعيين هذه التقاليد، ولكن لا يمكن إلّا أن نتفق حول جملة من المعايير التي بمقتضاها يتم التمييز بين الإبداع الحقيقي واللإبداع».

وهذا ما يؤكده أيضاً د.عبدالله الفيفي، حيث أن التقنية لا يمكن أن تكون مطيَّة لنصوص خداج. فلا يُغني عن القصيدة ولا عن الرواية كونُهما إلكترونيتين تفاعليتين شيئاً في عالم الأدب، ما لم تكونا أوَّلاً على درجةٍ جيِّدةٍ، من حيث جنسهما الأدبي، لتضيف التقنية التفاعلية على جماليَّاتهما جماليَّاتٍ جديدة.

الورقيّ والرقميّ..هاجس المجاورة والتجاوز

د.مصطفى الضبع

حينما تكون الأسئلة عن نجوزية الفعل الإبداعي، وكسر الإرادات وصراع البقاء بين «الورقي» و«الرقمي» وشكل العلاقة بينهما في المستقبل، ووهج النص التفاعلي واحتمالات البقاء في عالم ينقلب بين لحظة وأخرى، والانفلات من سلطة المحرر الورقي وهل منحت النص الرقمي حرية أم أوقعته في شرك التآمر على اللغة ومكرساتها والسائد وثوابته الإبداعية.. فإن الغاية هي استفزاز الناشر والمتلقي وكاتب النص، للاتفاق على أن المستقبل يتسع للجميع، ولكن ضمن منظومة قيمية متَّفق عليها.

وفي هذا المجال، يرى الأكاديمي د.مصلح النجار أن النصوص الرقمية ستظل مصاحبة للفنون الكتابية الأخرى، وستستقرّ عناصرها، مع قابليةٍ للتطوّر وآفاق للمعطيات التكنولوجية، ولكنها ستظل محتفظة بإمكانات النصّ المفتوح، الذي لا يتسم بالنجوزية، أو بالقطعية، أو بالقطيعة مع التطورات بأنواعها وفضاءاتها.

ويؤكد النجار أنْ لا تعارض بين وجود النصوص الرقمية ووجود النصوص الورقية، وأنه لن يكون ثمة حكم قيمة إيجابي أو سلبي لمجرد انتماء الأدب إلى حيز الرقمية أو الكتابية العادية، كما لا يمكننا أن نتوقع فكرة الإحلال التي يتنبأ بها المبشّرون بالأدب الرقميّ. إذ سيظلّ الأدب الرفيع رفيعا سواء أكُتب على ورق أم جاء من خلال نص رقميّ، ولن يكون الشيوع حكمَ قيمة لصالح وسيطِ كتابة دون الآخر، فكثرة المطبّلين وكثرة (اللايكات) لا تخلّد أديبا، بل تجعله رائجا بشكل آنيّ فحسب.

من جهته، يرى الأكاديمي الجزائري د.بشير ضيف الله، أن الإنسان العربي جزء من التحول، وأن هذا الاكتساح الرقمي تكشّفَ عن تحولات عميقة مسّته بكل تمثلاته وهواجسه، مضيفاً أن ما يعنينا في هذا الشأن هو الكتابة الأدبية على وسائط التواصل الاجتماعي بعيدا عن «المسنونات» والأحكام المسبّقة.

ويوضح أنه تناول ظاهرة الكتابة في الفضاء الأزرق، شعرا وسردا، في كتابه «العولمة وتحولات الكتابة من الورقي إلى الرقمي»، ليجد أنّ اللافت هو سلسلة الكتابات الروائية المقدّمة على حلقات وجعلت من الجدار الشخصي فضاء كتابيا يمكن من خلاله الوصول إلى كمّ هائل من القراء. ويذكر هنا ما اصطُلح عليه بـ«الرواية الفيسبوكية»، على غرار «زهراليزا» للمغربي عبد الواحد استيتو، و«مؤيد الوردي صاحب المتاهة في الحلم» للجزائري محمد زتيلي، و«افتراء» للمصرية مريم وجدي، و«نصال الهوى» للمصرية إسراء علي.. فهذه التجارب أوجدت لها طريقا إلى القارئ العربي الافتراضي، وقد تتّخذ لها طابعا ورقيا، هذا إن لم يكن قد حدث بالفعل.

ويؤكد ضيف الله أنّ ذلك الأدب لا يلغي بالضرورة النشر الورقي، فالعملية متواصلة، وحركة معارض الكتاب في الوطن العربي تؤكّد سلطان الكتاب الورقي، رغم سحر الفضاء الأزرق والأفضية الرقمية الأخرى. ويشير إلى أن المستقبل يسع الجميع، وأن سحر الفضاء الرقمي المفتوح على عنصر المفاجأة والاستقطاب متعدّد الأوجه سيستمر بالتوازي مع الكتاب الورقي، وسنشهد في المستقبل موضة تحول الكتابات الفيسبوكية –على سبيل المثال- إلى كتب ورقية بعد تحقيقها انتشاراً مشهوداً في الفضاء الأزرق.

ومهما يكن من أمر، لا يعتقد ضيف الله أن لنصوص مواقع التواصل الاجتماعي تأثيرا سلبيا في المنجز الأدبي العربي، بل هو إضافة بشكلٍ ما، فهذا الانفتاح على تعدّد مرجعياته ولهجاته وطروحاته، من شأنه الكشف عن مقامات الكتابة، و«الأشياء تُعرف بأضدادها».

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }