ما يزال مُصطلح «الزِلزال» يتردّد في الفضاء الإعلامي العربي والإقليمي, وبخاصة لجهة السقوط المدوّي لمنظومة الحكم التي برزت بعد ثورة جانفي (كانون الثاني) 2011، على النحو الذي شكّل صدمَة لتلك القوى الحزبيّة والسياسيّة بأطيافها المختلفة, والتي ظنّت أن الأمور ستجري لصالحها كما جرت طوال السنوات الثماني التي انقضت على سقوط نظام بن علي.

قد يكون وَصف ما حدث بأنه «انقلاب» ديمقراطي.. أقرب إلى الدقّة في التوصيف, منه إلى تسونامي أعقبَه زلزال, تمثّل في تقدّم شخصيتين لم تكونا جزءاً مؤثراً في المشهد التونسي, بكل ما رافقه من جدل وتنافس وانقلاب في التحالفات والاصطفافات, وصولاً إلى استقطاب حاد كاد يأخذ البلاد إلى مربع العنف والاحتراب والانزلاق إلى هوّة الفوضى, التي رافقت اندلاع رياح الربيع العربي, التي انطلقت من تونس نفسها. لكن الحِكمة وبُعْد النظر وقدرة معظم الأطراف على تدوير الزوايا, واجتراح الحلول الوسط وتقديم منطق الحوار والتوافق على منطق العنف والغلَبة, أسهمت في تجنيب البلاد المآسي المتدحرِجة والمتواصِلة التي عصفَت بدول عربية عديدة اسهمت قوى عربيّة رسميّة وغير رسميّة في تأجيجها والنفخ في كِير فتنتها.

ما علينا..

بصرف النظر عمّن مِن أحد المُرشَّحيْن اللذيْن تقدّما الصفوف وحازا فرصة ثمينة للانتقال إلى الدورة الثانية, سيدخل قصر قرطاج رئيساً جديداً للبلاد، فإنّ ما حدث في السادس عشر من أيلول 2019، سيؤُسّس لمرحلة جديدة نحسب أنها ستكون أقرب إلى قطيعة مع المرحلة السابقة, التي تلت ثورة جانفي 2011، بعد أن وصلَت «قوى» تلك المرحلة السياسيّة والحزبيّة بل والنقابيّة، إلى حائط مسدود تمثّل في عزوف الناخب التونسي عن دعم خطابها, بحثاً عن خطاب ووجوه جديدة. أو ربما تأكيد فشل تلك القوى في تقديم نموذج أو برنامج أو خطط, تبثّ الآمال في صفوف الشباب التونسي وتُقنِعه أن ما جرى طوال السنوات الثماني الماضية, لم يكن صراعاً على كعكة الحُكم وامتيازاته وفرصة اغتنمتها تلك القوى, لتحسين مواقعها والدفع بقادتها وكوادرها لإحكام قبضتهم على ما استطاعوا الوصول إليه من مواقع ومناصب, سواء في البرلمان أم في أجهزة الدولة ومؤسساتها.

جدير الانتباه إلى حقيقة أنه ورغم الهزيمة المُدوّية التي لحقت بأحزاب وشخصيات «تاريخية» مثل مرشّح حركة النهضة, التي ظنّت أنها ما تزال تحظى بالشعبية التي كانت عليها في السنوات الأولى التي تلت الثورة، فإنّ أحداً من المرشحين الـ«26» (انسحب اثنان منهم) لم يطعن في نزاهة وشفافية الانتخابات، ولم تُسجّل أي حالات عنف تُذكَر, وهذا يحسب للتونسيين الذين ما يزالون حتى اللحظة, يُدهِشون العالم بسلوكهم الحضاري وقدرتهم على ضبط أنفسهم والانتصار لمبدأ الحِوار وحق الإختلاف, دون احتكار للوطنيّة أو الحقيقة, أو الزعم بأن تنظيمه أو زعيمه هو الذي قاد الثورة, وبالتالي هو صاحب الحق في إدارة البلاد وتقرير مُستقبل شعبها. وهو ما تجلّى في صناديق الإقتراع بقول الناخب التونسي: الأَمْرُ..لِي.

kharroub@jpf.com.jo