الاستقلال ليس تاريخا بل فلسفة تُسطر. في فكر الزمن
في الخامس والعشرين من أيّار عام ١٩٤٦، لم ينل الأردنّ استقلاله بقرار ورقيّ، بل بفلسفة مكتوبة بالحبر والدّم والرّؤية.
هي فلسفة الهواشم الّتي جعلت من الاستقّلال ليس حدثا انتهى، بل مشروعا يتجدّد كل صباح. فكيف قرأ الهواشم حروف كلمة " الاستقّلال "؟. فألف البداية فيها الثّورة العربيّة الكبرى.
بدأت الفلسفة الهاشميّة للاستقلال من ألف الثّورة العربيّة الكبرى عام ١٩١٦.
فكانت ألف العربيّة حرف استقامة لقيام دولة لا تنحني. حين أطلق الشّريف الحسين بن علي رصاصته الأولى، لم يكن يحارب جيشا، بل كان يعيد كتابة الجملة العربيّة الّتي حذفت من كتب التّاريخ.
بفلسفة واضحة: لا سيادة بدون هويّة، ولا هويّة بدون لغة وقرار حر تسبقهما كلمة قائد.
فالثّورة كانت إيذانا وإعلانا أن صوت الحرف العربي القاطع قادرا أن يحكم نفسه بنفسه.
وتأتي ميم العربيّة لتكون الميثاق بين القائد والشّعب.
فالاستقلال في فكر الهواشم لم يكن عقدا بين دولتين، بل ميثاقا بين قلب القائد وقلب الشّعب.
فالملك عبدالله الأول المؤسّس أرسى دعائم المعادلة الماسيّة: بينه وبين الشّعب أنا أنتم وأنتم أنا.
فغيّرت فلسفته النّظر للعرش فصار لا يحكم من فوق بل يحمي تحت مظلّته من حوله.
وهذه الفلسفة ولّدت ميم المواطنة الأردنيّة الّتي جعلت من الاستقلال إنسانا يعيش في بيت كلّ أردني، لا في ديوان الحكم فحسب بل جعلت الهواشم نبض الوطن والمواطن.
من هنا الاستقلال تحوّل من قرار سياسي إلى عقيدة، وانتماء يسري في جسد كل مواطن.
وتأتي قاف العربيّة لتخبرنا عن فلسفة قيادة الهواشم القيادة الّتي تقودها الرّحمة بالإنسان تحت شعار يطبق الإنسان أغلى ما نملك.
حين قال تلك الجملة الحسين الباني رحمه الله تعالى بواسع رحمته "الإنسان أغلى ما نملك"،
كان قد وضع بهذه الجملة قواعد فلسفة الاستقلال الحقيقي. فما قيمة وطن مستقل إن كان إنسانه مستعبدا للجهل والفقر والمرض؟!
لذلك ربط الهواشم بين الاستقلال والتّنمية. ببناء الجامعات، والمستشفيات، والجيش العربي، كل ذلك جمعته حروف كلمة الاستقلال.
فالقيادة عندهم ليست سلطة، بل مسؤوليّة صيانة لكرامة الفرد في المجتمع، لأن الوطن لا يكون سيّدا إلا إذا كان مواطنه سيّدا.
وتتجلّى فلسفة الهواشم في لام الاستقلال بنظرة تاريخيّة للوطن والمواطن. "لا للتوطين"، "لا للوطن البديل"، "لا للمساس بالقدس". هذه الـ "لا" ليست رفضا عدميّا، بل إثبات للذات الوطنيّة والقوميّة. الاستقلال عند الملك عبدالله الثّاني هو القدرة على قول "لا" حين تكون "نعم" ثمنها الكرامة. وهذا هو الفارق الجوهري بين "الاستقلال الشّكلي" و"الاستقلال الحقيقي". الأول علم ونشيد، والثّاني قرار وموقف
وأرى أن فلسفة الاستقلال عند الهواشم هي تناص مقدّس يربط بين: دم الشّهيد على أسوار القدس، وعرق الجندي على الثّغور الأردنيّة، وحبر المعلّم في الغرفة الصّفيّة، ودعاء الأم عند الفجر.
هي تناص أيضا بين مبادئ الثّورة عام ١٩١٦، والمبادئ الّتي قامت عليها الدّولة عام ١٩٤٦.
في عيد الاستقلال الثّمانين، نجدّد البيعة لهذه الفلسفة وأصحابها ملوك بني هاشم:
أن يبقى الأردن بحروف كلمته عزيزا لا يمحى من كتاب الأمّة.
وأن تبقى الرّاية الهاشميّة هي الضّمّة الّتي ترفع اسم الوطن دائما.
وكل عام والأردن قوي بقيادته، عزيز بشعبه، حر بقراره.