إغلاق المسجد الأقصى بوجه المصلين حدث لا يمكن المرور عليه سريعاً، فإسرائيل منذ وصول دونالد ترمب إلى الرئاسة الاميركية وهي تحاول زعزعة الوضع في القدس، أولاً عبر محاولاتها الضغط على الرئيس الأميركي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس مع اعتراف أميركي بأن القدس عاصمة تاريخية وموحدة لدولة إسرائيل، ومن ثم محاولاتها المتكررة لإغلاق المسجد الأقصى بوجه المصلين.

الحقيقة التي يجب أن تكون واضحة للإسرائيليين أن الأردن بقيادته الهاشمية هو الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وأن جلالة الملك عبد الله الثاني خادم الحرم القدسي الشريف هو الوصي المباشر على هذه المقدسات، وهو أمر ثابت باتفاقية وادي عربة واتفاقية الوصاية الهاشمية على المقدسات الدينية في القدس، التي وقعها جلالة الملك عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس.

الأردن خاض، وسيستمر بخوض، معارك دبلوماسية عدة، أبرزها تلك التي اعتبرت فيها اليونيسكو أن الحرم القدسي الشريف يعني المسجد الأقصى ومحيطه، وأنه لا علاقة لليهود به بل هو يخص المسلمين، وقبل أيام صدر قرار مشابه عن ذات المنظمة يتعلق بالحرم الإبراهيمي في الخليل، وكلا القرارين أكد على أن إسرائيل هي دولة احتلال وليست صاحبة حق.

وقد استطاع جلالة الملك منذ الأيام الأولى من العام الحالي، وقبل استلام ترمب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة أن يتواصل مع أركان إدارته ومن ثم معه شخصياً وأحبط المخطط الإسرائيلي القاضي بنقل السفارة الأميركية في إسرائيل للقدس، واستطاع جلالته بما يملك من رؤية وحكمة أن ينتصر كعادته في معركة دبلوماسية تدافع عن الحق.

الخطوة الإسرائيلية تأتي في لحظة لا يمكن التغاضي عنها، فالتسريبات الإعلامية والدبلوماسية تتحدث عن تقارب من قبل بعض الدول العربية مع إسرائيل، وتغير في المعادلة في غزة والتحضير لمحمد دحلان لدخول غزة والبدء بمشروع (بديل) مدعوم من عدة دول عربية، وانتصار الأردن دبلوماسياً عبر تأكيد الحق العربي الإسلامي على المقدسات الإسلامية في الضفة الغربية في كل من القدس والخليل.

يبدو اليوم أن الأردن يجدف وحده عكس التيار العربي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والمقدسات الإسلامية ودور إسرائيل في المنطقة، ورغم صخب الحروب في المنطقة ظل الأردن قادراً على رؤية الحق والمجاهرة به وهو أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية، وإن لم تحل ستبقى المنطقة على صفيح ساخن.

على الأردن اليوم أن يدرك أنه وحده اليوم في ساحة الحرب المجيدة، فدماء شهدائنا على أسوار القدس تشهد لنا، وموفق السلطي وفراس العجلوني، ونحن الذين كنا ندرك دائماً عمق القضية والمشكلة لا تلهينا الأحداث والاصطفافات المصلحية والمرحلية عن القضية المحورية، وما أخطأت يوماً بوصلتنا وجهتها.

يمكن اليوم أن نتوقع تصعيدات إسرائيلية متتالية كزيارة نواب إسرائيليين ووزراء إسرائيليين المسجد الأقصى بصفته مكاناً مقدساً لليهود، وذلك في محاولة من بنيامين نتنياهو إرضاء المتطرفين في حكومته وفي الشارع الإسرائيلي، الذين يتزايد نفوذهم يوماً بعد يوم، للبقاء مدة أطول على كرسي رئاسة الوزراء.

كما أن نتنياهو يأمل أن يقود تصعيده إلى غضب شعبي يقود لانتفاضة فلسطينية تسمح لإسرائيل بدخول الضفة وإعادة احتلالها وترتيبها بصورة تلائم سلطات الاحتلال ومن ثم رمي الضفة ككرة ملتهبة بالحضن الأردني، وهو سيناريو لا يبدو بعيداً عن التصور اليميني المتطرف الإسرائيلي، فهم يدركون الترابط العضوي الأردني الفلسطيني، ويدركون أن الأردن اليوم يقف وحيداً يعالج الاختلال الاقتصادي الداخلي، ويواجه المتطلبات الصعبة لمنطقة تحترق على حدوده، ويراهنون أن الأردن سيغير صوته وطريقه ليكون من جوقة القابلين بالشروط الإسرائيلية في المنطقة.

لكننا في الأردن لن نتنازل فنحن كالقابضين على الجمر الذين ما كفروا يوماً بمبادئهم، وسيبقى صوت جلالة الملك عبدالله الثاني عالياً لحماية القضية الفلسطينية، وسيبقى الأردن قادراً على الانتصار في كل معاركه، وسنبقى في الأردن نردد القدس لنا وأقصاها لنا، وأرواحنا فداء لأرض فلسطين الطهور.