في ظل تسارع التحولات الكبرى غير المسبوقة منذ قرن، والتداخل العميق بين العولمة والاقتصاد الرقمي، صار الشباب قوةً رئيسية في التنمية المجتمعية وتعزيز التبادل الحضاري، وأصبحت التربية والتعليم جسراً مهماً لتعزيز التعاون الدولي وتقوية أواصر التفاهم بين الشعوب. ويُعدّ تعزيز التعاون التعليمي وتوسيع نطاق التبادلات الشبابية مسارَيْن متكاملين يدعم كلٌّ منهما الآخر ويُسهم في إنجاحه، الأمر الذي جعلهما خياراً استراتيجياً تتطلع إليه الدول الساعية إلى بناء شراكات مستقبلية أكثر ازدهاراً واستدامةً.
شهدت العلاقات بين الصين والدول العربية خلال السنوات الأخيرة تطوراً متواصلاً وحققت نتائج مثمرة في مختلف مجالات التعاون. ويُعدّ التعاون التعليمي الصيني العربي من أهم مكونات هذه الشراكة المتنامية، حيث تجاوز نطاقه التقليدي المتمثل في تعليم اللغات ليمتد تدريجياً إلى مجالات أوسع تشمل إعداد الكفاءات والابتكار العلمي والتعليم المهني والتبادل الثقافي والإنساني. وفي الوقت ذاته، يتجه عدد متزايد من الشباب العربي إلى الصين لمواصلة دراستهم وتطوير مهاراتهم، مستكشفين من خلال التعاون الصيني العربي آفاقاً جديدة للنمو الشخصي والإسهام في تنمية مجتمعاتهم والمنطقة بأسرها.
وفي عام 2023، تأسس تحالف الجامعات الصينية العربية بمبادرة مشتركة من الجمعية الصينية للتعليم العالي واتحاد الجامعات العربية. وقد شهد الأردن تنظيم الكثير من فعاليات التبادل في إطار هذا التحالف، بما يعكس المكانة المهمة التي يحتلها الأردن في التعاون التعليمي بين الصين والدول العربية. وبفضل ما يتمتع به من مستوى التعليم المتقدم، وارتفاع نسبة المتعلمين، وحيوية مؤسسات التعليم العالي، وتوافر الكفاءات البشرية المؤهلة، أصبح الأردن شريكاً مفضلاً للصين في توسيع التعاون التعليمي والأكاديمي في المنطقة. وفي إطار تحالف الجامعات الصينية العربية وآلية التعاون الجامعي العربي الصيني 10+10، أقامت العديد من الجامعات الصينية والأردنية شراكات أكاديمية توأمة، من بينها الشراكة بين جامعة بكين والجامعة الأردنية، وبين جامعة فودان وجامعة الحسين التقنية، وكذلك بين جامعة شمال غربي البوليتكنيك وكل من الجامعة الأردنية وجامعة اليرموك، وغيرها من شأنها تعزيز التبادل الأكاديمي، وتنفيذ مشاريع بحثية مشتركة، وإعداد الكفاءات، بما يدفع التعاون بين الجامعات نحو مستويات أعمق تشمل تطوير المناهج الدراسية، والتنسيق البحثي، وترسيخ آليات التبادل الطلابي المنتظم.
ويُعدّ تعليم اللغة الصينية في الأردن أحد أبرز مظاهر التعاون التعليمي بين البلدين. فقد شهدت برامج اللغة الصينية ومنظومة إعداد الكفاءات المتخصصة تطوراً متواصلاً خلال السنوات الماضية. ففي عام 2009 أطلقت الجامعة الأردنية برنامج البكالوريوس المزدوج في اللغتين الصينية والإنجليزية، وفي عام 2017 أنشأت جامعة فيلادلفيا أول برنامج بكالوريوس في ”اللغة الصينية وآدابها“ في الأردن. وفي عام 2025 افتتحت جامعة فيلادلفيا أول برنامج ماجستير محلي في اللغة الصينية، مما يعكس دخول تعليم اللغة الصينية في الأردن مرحلة جديدة من إعداد الكفاءات محلياً على مستوى الدراسات العليا. وفي الوقت نفسه، أخذت برامج اللغة الصينية ترتبط بصورة متزايدة باحتياجات سوق العمل في مجالات التجارة والسياحة والإعلام والاتصال الدولي، بما يعكس تحولاً تدريجياً من التركيز على تعلم اللغة إلى نموذج يجمع بين التأهيل اللغوي والتخصصي.
ولا يقتصر انتشار اللغة الصينية على مؤسسات التعليم العالي، بل يتجاوز أسوار الجامعات ليصل إلى مختلف فئات المجتمع. فهناك سبعة مراكز رسمية لتعليم اللغة الصينية في الأردن، تتخذ من الجامعات ومعاهد كونفوشيوس محاور رئيسية لها، وتوفر خدمات تعليمية ممتدة للمدارس والمجتمعات المحلية، مما أسهم في بناء شبكة تعليمية متكاملة تغطي التعليم العالي والتعليم الأساسي والتعليم المجتمعي. وقد تجاوز عدد دارسي اللغة الصينية في الأردن ثلاثة آلاف، بزيادة تقارب 40% مقارنة بما كان عليه قبل عامين. كما بادرت عدة مدارس دولية وخاصة، من بينها مدرسة مارشال الدولية، إلى إدراج اللغة الصينية ضمن برامجها التعليمية، الأمر الذي يعكس اندماج اللغة الصينية تدريجياً في منظومة التعليم الأساسي الأردنية.
ويتجه عدد متزايد من الشباب الأردني إلى الصين للدراسة ومواصلة التعليم العالي من خلال المنح الدراسية وبرامج التأهيل المشتركة ومشروعات التبادل الأكاديمي، في تخصصات متنوعة تشمل الطب والهندسة وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي وإلخ. وبعد إتمام دراستهم، يعودون إلى الأردن للعمل في قطاعات التعليم والأعمال والإعلام وغيرها، حيث يسهمون بخبراتهم ومعارفهم في تعزيز التعاون بين البلدين. وفي المقابل، يتزايد أيضاً عدد الطلبة الصينيين الذين يختارون الأردن وجهةً دراسية لاكتساب المعرفة المتخصصة في اللغة العربية وآدابها وغيرها من التخصصات. ومن منظور أوسع، تفتح التبادلات التعليمية بين الصين والأردن آفاقاً جديدة أمام تنمية الشباب في كلا البلدين، وتوفر لهم فرصاً أرحب لاكتساب الخبرات والمعارف وبناء الرؤية الدولية وتوسيع المدارك الثقافية، بما يمكّن المزيد من الشباب من تحقيق النجاح والتميز في التعاون العابر للحدود.
يزدهر التعليم بالحوار والتبادل، وتتألق الحضارات بالتعلم المتبادل والتفاعل الخلّاق. لم يعد التعاون التعليمي بين الصين والأردن مقتصراً على تعليم اللغة أو التبادل الأكاديمي بالمعنى التقليدي، بل أصبح قوةً فاعلة في تنمية الشباب، وتعزيز التعاون العملي، وخدمة مسيرة التحديث المشتركة في البلدين. ومن الإطار المؤسسي الذي يوفره تحالف الجامعات الصينية العربية، إلى النقاشات المعمقة التي تشهدها اجتماعات آلية التعاون 10+10؛ ومن الكتب التعليمية للغة الصينية في قاعات الدرس، إلى الحوارات الصادقة بين الشباب؛ ومن التحركات الشبابية في مسابقة ”جسر اللغة الصينية“، إلى الجهود المتضافرة في المشاريع والبرامج المشتركة، فما يجمعه التعاون التعليمي بين الصين والأردن ليس المعرفة والمهارات فقط، بل أيضا القوة والحيوية المتجددة التي يبعثها شباب البلدين معاً.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن آفاق التعاون التعليمي بين الصين والأردن واسعة وواعدة، وتزخر بفرص كبيرة لمزيد من التطور والإنجاز. وهذا التعاون يخدم شباب البلدين، كما هو يعتمد على مشاركتهم الفاعلة وإسهامهم المستمر. ونأمل أن يواصل الجيل الجديد في الصين والأردن مواكبة العصر بالابتكار والانفتاح، وترسيخ الصداقة بين البلدين وتعزيز قيم التعاون والمنفعة المتبادلة. ومن خلال العمل المشترك والعزيمة المتجددة، سيظل الشباب قوةً محوريةً تسهم في تحقيق إنجازات أكبر في مسيرة التحديث والتنمية في الصين والأردن، وتدفع بالعلاقات الثنائية نحو مستقبل أكثر ازدهاراً وإشراقاً.