ادى تناقض المواقف الدولية والاقليمية حيال الازمة السورية وما رافقها من اوجه استقطاب وتدخل الى تاخر حلها كل هذه السنوات ، كما القى هذا المشهد بظلاله ايضا بانتاج بتناقضات في الرؤى حيال الحرب على الارهاب ، وكانت المحصلة تاخر حسم المعركة ضد الارهاب كما تاخر معها حسم الازمة السورية بالفشل لسنوات بالتوصل لحل يضع حدا لواحدة من اكبر المآسي التي شهدتها البشرية.

والانظار تتركز في هذه المرحلة على حسم معركة الرقة في سوريا لانهاء داعش الارهابي وبالتالي كل اوجه وصنوف الارهاب ، فان اسئلة جوهرية لا بد من طرحها ، فكيف ستتصرف القوى الدولية والاقليمية حيال الخطوة التالية في سوريا ؟ وهل سيتم التركيز بعدها على وضع مقاربة شاملة للحل السياسي؟وما هي الصيغ والاطر التي يمكن الذهاب اليها في هذا السياق ؟ ام ان جولة جديدة من الاستقطاب والتدخل ستكون عنوان المرحلة المقبلة ما بعد معركة الرقة خصوصاً وان كافة الاطراف الدولية والاقليمية باتت لها مواطىء اقدام على التراب السوري بعناوين وادوات مختلفة ، وكل طرف يحشد المزيد من الحضور على الساحة السورية لاجل ساعة الحل وتحقيق اكبر قدر من المصالح والنفوذ.

كما ان الارهاب الذي دخل الى الارض السورية في ظل مثل هذه الحالة من التناقضات والاصطفافات وان كان في حالة تراجع وهزيمة فان الارهاب بكل مجاميعه المجرمة اذا لم يحسن العالم ادارة الموقف والمسارعة لانهاء الازمة السورية وفق حل سياسي عادل وشامل يعيد اول ما يعيد مفهوم الدولة الى سوريا سيستغل الاوضاع مجددا للعودة باشكال وصور مختلفة لكن بذات الاجندة الظلامية وجرائمها المروعة ان لم يكن بما هو اكثر ظلامية واجراما مما سبق.

وبالقدر الذي ظهرت فيه كافة القوى الاقليمية بكل اشكال الاصطفاف والتدخلات على الساحة السورية ، مما عمق الازمة الى هذا الحد وكل هذا الوقت ، فان القول انه بدون اتفاق اميركي روسي لن يكون هناك حل ناجح للازمة السورية هو امر واقعي الى حد بعيد فقد تم خلال المرحلة الماضية اختبار ثلاثة اوجه من العلاقة الاميركية الروسية كلها فشلت في اجتراح الحل بل زادته صعوبة وتعقيدا.

ففي بداية الازمة السورية اخذ الموقفان الروسي والاميركي حالة افتراق وفي منتصف الازمة تحول الامر الى حالة فراغ اميركية مقابل تدخل روسي عسكري مباشر منذ ايلول عام 2015 وفي هذه المرحلة تسود ضابية كبيرة في معرفة شكل الاستراتيجية الاميركية ازاء الازمة السورية لما بعد حسم معركة الرقة التي تقودها الولايات المتحدة عبر التحالف الدولي ضد الارهاب وعلى الارض بنحو الف مستشار وعسكري يوجهون المعركة التي تخوضها بشكل اساسي قوات

سوريا الديمقراطية ( خليط بين قوات كردية وعربية ) فيما لازالت موسكو صاحبة اليد العليا في ادارة الملف السوري.

وعلى افتراض ان هناك ضوءا في نهاية النفق بالنسبة للازمة السورية يمكن استشعاره في هذه الايام يمكن تطويره ليشكل بداية لحل الازمة السورية خلال المرحلة المقبلة ، كون روسيا فعليا حققت اهدافها في ضمان مصالحها المتركزه اساسا في غرب سوريا على الساحل بوجود عسكري يضمن مصالحها السياسية والاستراتيجية ، وهي اليوم بصدد التحول من حالة « التدخل « الى حالة « الوسيط « تلافيا للكلف العسكرية والسياسية التي ليس هناك ضرورة ان تدفعها موسكو ، كما انها بصدد مزيد من وضع القيود على استراتيجية طهران في سوريا والضغط على النظام لاجل سياق التسوية. وفي المقابل فان الرئيس الاميركي دونالد ترمب ، الذي كان بدء عهده في البيت الابيض بتوجيه ضربة صاروخية ، الى مطار الشعيرات السوري ، كرد على هجوم خان شيخون الكيماوي ، فان الاشارة كانت ان هذه الصواريخ بقدر ما كانت رسالة عقابية للنظام السوري فانها كانت رسالة عودة قوية الى الازمة السورية خلافا لحالة الفراغ الكبيرة التي خلفها الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما ، اذ ان الجديد لدى الرئيس ترمب رغم ضابية الرؤية الشاملة تجاه الازمة في سوريا ، هو المضي على مسارين الاول دحر داعش الارهابي والانطلاق بعدها الى المقاربة الاشمل لتسوية الازمة السورية بكافة تفاصيلها وسيتبدى لكافة الاطراف بعد نهاية معركة الرقة وربما خلالها ان الحضور الاميركي بات مختلفا تماما استراتيجيا وعسكريا وسياسيا على الارض السورية.

المعادلة الاميركية الروسية ستكون بيضة القبان حيال مستقبل الازمة السورية وتطوراتها وسيناريوهاتها والتصورات التي يمكن اجتراحها للحل سواء بالمضي بمسارات جنيف واستاتا او عبر مسارات جديدة لكن بكل الاحوال فان اي مقاربة اميركية روسية لن تستطيع تجاهل الواقع على الارض بعد نحو سبع سنوات من الازمة واخطر ما يمكن ان يتجه اليه مثل هذا الواقع الذهاب الى شبح التقسيم وان اختلفت السيناريوهات حيال ذلك.