العقبة - حسام الطراونة - تتميز العقبة بوجود مجموعة من الأشجار التاريخية والتراثية والتي أصبحت جزءا من المكون الثقافي لسكان المدينة حيث دخلت في كافة تفاصيل حياتهم فكانت مصدر غذائهم وأثاثهم فمنها صنعوا ألوان طعامهم ودوائهم فأكلوا وأطعموا دوابهم ، ومنها صنعوا عرائشهم وبيوتهم وأثاثهم ، ومنها استلهموا فنهم وفلكلورهم فكانت سجل تاريخهم وتراثهم.
ولقد كانت هذه الأشجار معلم وجودهم ورمز مدينتهم التي بها يتغنون ويتفاخرون إلا أنه ورغم كل ذلك فقد بدأت هذه الأشجار بالتلاشي والانقراض حتى أن بعض الأنواع لم يبق منه سوى عدد أصابع اليد مما يعني تعرض جزء كبير من تاريخ وثقافة المدينة للضياع فضلا عن الاختلال البيئي والتنوع الحيوي الذي سيتأثر بذلك .
لذلك لابد من تدارك هذا الأمر قبل فوات الأوان من خلال مجموعة من الإجراءات لحماية ما تبقى من هذه الأشجار ، ومن بين هذه الإجراءات توثيق هذه الأشجار بالنشرات والكتب والصور من خلال حملة توعية شاملة متكاملة ، بحيث تحتوي النشرات أو الكتيبات على معلومات عن كل شجرة الباحث عبد الله كرم المنزلاوي أوضح أن أشجار العقبة ونباتاتها كثيرة لكن التركيز سيتناول ثلاثة أشجار هي النخيل والسدر والدوم وهي الأشجار التي تشتهر بها مدينة العقبة
النخيل
وبين المنزلاوي أن النخيل يعد من الأشجار المباركة التي ذكرت في القرآن الكريم والسنة النبوية ، كما يعتبر النخيل من أبرز وأقدم أشجار مدينة العقبة وأكثرها تنوعا وانتشارا فقد دلت الحفريات الأثرية على وجوده في المدينة منذ العصور الحجرية كما دلت الحفريات أيضا على ارتباطه الكبير بالسكان من خلال استخدامه في العديد من الصناعات المحلية مثل الحبال والسلال والقوارب وشباك الصيد وأسقف المنازل وأدوات المنزل ووقود الطبخ إضافة إلى أكل ثماره وإطعامه للدواب .
وأضاف أن النخيل يحتل مكانة واسعة في تراث وثقافة المدينة حيث يحكي عنه السكان القصص والحكايات والأساطير الكثيرة كما تبرز النخلة في الغناء الشعبي والأمثال والمعتقدات الشعبية في العقبة ، إضافة إلى دورها الفاعل في جمال وبيئة المدينة حيث يشكل النخيل نطاقا أخضرا حول الشاطئ يفصل بين المياه الزرقاء والرمال البيضاء .
وبين أن أنواع النخيل والتمور تتعدد في العقبة بسبب وقوعها بين عدد من الأقاليم حيث حوت على معظم أنواع التمور في المناطق المجاورة كمصر والشام والحجاز ، كما تتعدد فوائد التمور البيئية والغذائية والطبية والصناعية .
ويؤكد انه يلاحظ أن العديد من أنواع التمور والنخيل قد اختفت من العقبة كما تناقص عدد الأشجار بشكل كبير بعد السماع بالبناء في الحفاير والبساتين مما يهدد ما تبقى من هذه الأنواع بالانقراض .
وبين المنزلاوي أن للنخيل فوائد عظيمة وكبيرة في العديد من المجالات حتى أنها استحقت أن يصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها كالمؤمن الذي كله خير وبركة كما ذكرها القرآن في أكثر من موضع ، ومن فوائد النخل الفوائد البيئية
وفيما يخص فوائده الغذائية فبين أن النخل من الأشجار التي تؤكل ثمرها إذ يعتبر التمر من أفضل أنواع الثمار وأكثرها فائدة للإنسان ، حيث يحتوي التمر على العديد من المواد الغذائية مثل البروتين والكربوهيدرات والفيتامينات والدهون والكلس والصوديوم وغيرها كما يعطي المائة غرام منه للجسم 274 سعرا حراريا . كما يؤكل من النخل الجمار ، وبخاصة النخل الصغير . ويدخل التمر في صناعة العديد من الأطعمة والمواد الغذائية مثل الدبس والسكر السائل والخل والخميرة والزيت والعجوة والمربى والكعك وغيرها.
وأشار المنزلاوي إلى الفوائد الاقتصادية حيث يدخل النخل في العديد من الصناعات مثل الصناعات الغذائي والأثاث والأعلاف وغيرها ، مما يجعل مردوده الاقتصادي كبير ومغر ، وتتركز أهمية النخل الاقتصادي في إنتاجه من التمر ، حيث توجد أنواع من التمر تباع بسعر جيد في الأسواق ، وللدلالة على فوائد التمر الاقتصادية ، نجد أن عدد أشجار النخيل المثمر في مصر مثلا يتجاوز الخمس ملايين نخلة يقدر متوسط إنتاج النخلة الواحدة بـ(75كغم) في العام .
أما الفوائد العلاجية فيستخدم التمر في علاج الكثير من الأمراض كمرض العظام لاحتواء التمر على الكلس ، بالإضافة إلى استخدام التمر في علاج الأمراض النفسية والسم والسحر وغيرها قال عليه السلام : (من تصبّح بسبع تمرات ذلك اليوم لم يضره سم ولا سحر)، كما يساعد التمر الحامل عند المخاض ، قال تعالى : (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ، فكلي واشربي وقري عينا )، ويستخدم طلع النخل لعلاج العقم.
السدر
أماالسدرة فيشير المنزلاوي بأنها من الأشجار التراثية التي اشتهرت بها العقبة حيث ارتبطت بتاريخ المدينة فسميت العديد من الأماكن في العقبة بأسماء السدر ، ويوجد في العقبة عدد من السدر المعمرة والتي شهدت أحداثا هامة في تاريخ المدينة مثل مبايعة أهالي العقبة للشريف الحسين بن على ويستخدم أهالي العقبة السدر في صناعة الأثاث وبعض الأدوات المنزلية ، إضافة إلى استخدامها في العلاج والطعام والأعلاف .
وأضاف أن السدرة وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية ، ويتبارك بها أهالي العقبة ويحرصون على زراعتها . إلا أننا نلاحظ أن أعدادها قد تناقص بشكل كبير مما يهددها بالانقراض من المدينة .
وبين أن للسدر فوائد عدة منها الفوائد البيئية حيث تعتبر السدر جزة من التنوع الحيوي البيئي الذي يحفظ التوازن البيئي في الأنظمة التي تعيش فيها ، كما أن للسدر فوائدها البيئية الكثيرة كغيرها من الغطاء النباتي ، وخاصة في تلطيف الجو خاصة أنها تعيش في المناطق شبه الاستوائية كما أنها تمنع انجراف التربة وتعتبر جزءا من السلسلة الغذائية لبعض الحيوانات والحشرات
الفوائد الاقتصادية
وبحسب المنزلاوي يعتبر خشب السدر من النوع الجيد جدا المقاوم للحشرات والأمراض ويستعمل في صنع الأثاث والأدوات والآلات الزراعية والمنزلية ، وقد استعمله أهالي العقبة في صنع القوارب والعرائش والأسيجة كما صنعوا من أخشابه السمسمية وهي آلة العزف التقليدية في العقبة ، كما تعطي أخشاب السدر حرارة عالية عند استعمالها كوقود ، أما أوراقه الجافة فتستعمل لغسيل الملابس ، وتباع ثمار السدر بسعر جيد في الأسواق ، ويستخدم شجر السدر لإنتاج العسل الممتاز ، ويفضل العسل الناتج من هذه الأشجار على جميع أنواع العسل التي تنتج من أشجار أخرى ، ويباع هذا العسل بأسعار خيالية وخاصة في اليمن والسعودية.
الفوائد الغذائية
وأشار أن ثمر السدر (النبق) صالح للاستهلاك البشري حيث تؤكل اللحمية بعد نضوجها وتحولها للون البرتقالي ، كما كان أهالي العقبة يأكلون بذور السدر بعد تعريته من القشور ، وتحتوي الثمرة على نسبة عالية من فيتامين (ج) ، كما تحتوي الأوراق الخضراء على 18،3% بروتين خام و14% بروتين مهضوم، أما أغصانها وأوراقها فتعتبر علفا جيدا للماشية .
أضاف المنزلاوي أن للسدر فوائد الطبية والعلاجية حيث تم يستخدم السدر في العلاج منذ القدم وعند العديد من الشعوب ، ومن الاستخدامات الطبية والعلاجية للسدر ما ذكره ابن القيم الجوزية حيث قال : والنبق ثمر شجر السدر يعقل الطبيعة وينفع من الإسهال ويدبغ المعدة ، ويسكن الصفراء ، ويغذو البدن ، ويشهي الطعام ، ويولد بلغما وينفع الذرب الصفراوي ، وهو بطيء الهضم ، وسويقه يقوي الحشا ، وهو يصلح الأمزجة الصفراوي ، وتدفع مضرته بالشهد ، واختلف فيه ، هل هو رطب أو يابس ؟ على قولين . والصحيح : أن رطبه بارد رطب ، ويابسه بارد يابس
وأشار أن الطب الشعبي يستخدم فحم الخشب مخلوطا بالخل لعلاج لدغ الثعبان ، ومغلي الأوراق قابض وطارد للديدان ومضاد للإسهال ، كما تستخدم الثمار ضد الحمى وتوصف لعلاج مرض الحصبة ، كما يحوي ورق السدر مواد صابونية تستخدم لعلاج الحساسية .
وتستعمل أوراق السدر مع الرقية الشرعية لعلاج عدد من الأمراض النفسية والعضوية ، حيث ذكر عن وهب بن منبه : أنه يؤخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ آية الكرسي والقواقل ثم يحسو منه ثلاث حسيات ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به ، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله . وبين أن أهالي العقبة يستعملون أوراق السدر في علاج ألم الرأس والصداع وذلك بدق الورق وعمل لبخة توضع على الرأس
الدوم
وهو من أنواع النخيل المتعدد الرؤوس وهو من أجمل أنواع النخيل ، والدوم من الأشجار التي كانت مستوطنة في المدينة ، وقد ذكرها الشعراء بأنها من أشجار آيلة (العقبة) منذ القدم ، ولها العديد من الفوائد الغذائية والطبية والصناعية ، إلا أنها أكثر أنواع الأشجار تعرضا للانقراض حيث لم يبق منها في المدينة سوى عدة شجرات لا تتجاوز العشرة
وبين المنزلاوي أن للدوم فوائد عدة ويعد من أجمل أنواع النخيل لتعدد رؤوسه وتشعب أوراقه لذلك يستفاد منه في زراعة جوانب الطرق وحول الحدائق والأماكن السكنية لصد الرياح وتنقية الجو من الأتربة ، وهو جزء من الغطاء النباتي والتنوع الحيوي للمناطق الصحراوية وشبه الصحراوية ، ويلطف الجو ولا يحتاج إلى الماء الكثير .
كما أن له فوائد الدوم الغذائية والاقتصادية فثمر الدوم صالح للاستهلاك البشري ويؤكل مباشرة أو يصنع منه نقيع مرطب ، أما النواة فهي كبيرة نسبيا بحجم البيضة وهي صلبة بيضاء اللون ولها غلاف خشبي صلب ، ويصنع من عجمة النواة الخرز والزراير ويصنع من عجمة النواة الخرز والزراير ، كما يصنع من ليفها الحبال والسلال ، وتصلح أوراقها علفا للماشية، وأحطابها وقودا للنار .