الفكر الإسلامي فكر إنساني لا يجوز حصره في نطاق ضيق تحتكره «تأويلات» معينة، تطرد أية تأويلات أو اجتهادات اخرى. لقد عانى «الفكر الإسلامي» منذ القدم وحتى اليوم من حصار فرضه عليه سلفيون وتقليديون من بعض الفقهاء والعلماء الذين استبعدوا «المنهج العلمي» في تناول هذا الفكر والكشف عن أبعاده الإنسانية والأخلاقية. ما نلحظه أن كثيراً من الدارسين وفق المنهج السلفي أو التقليدي قديماً وحديثاً، قد صاغوا اتجاهات هذا الفكر وموضوعاته ومناهج تناوله – وفق ما يشير د. محمود إسماعيل في كتابه «الفكر الإسلامي الحديث - بين السلفيين والمجدّدين. وفق المقاصد والغايات التي كانت سياسية أكثر منها معرفية». في هذا السياق يميز الكاتب بين نمطين من الفكر السلفي الحديث: نمط فكر «السلطة» ونمط فكر «المعارضة». هناك –كما يرى- فكر يبرر «الأمر الواقع» ويعد من شق عصا الطاعة عليه «ملحداً» أو من أهل البدع والضلالة. وهناك فكر سلفي «معارض» يطالب بالتغيير عن طريق «الإصلاح»، غير أن نوعية هذه المعارضة السلفية التي مثلها «ابن تيمية» وهو يُنافح «الفكر السلطوي النصّي الغيبي والخرافي» ليعود بالفكر الإسلامي إلى نقائه الأول، ما لبثت أن فشلت. «نظراً لطابعها الإحيائي السلفي من ناحية، فلم تحظ بمباركة الاتجاه العقلاني الليبرالي، كما لانطلاقها في مناخ غلب عليه النمط الاقطاعي العسكري من ناحية أخرى». هذه «الاحيائية» – وكما يرى الباحث - لم تقارب «الاستنارة العقلية» على النحو المطلوب، فطلت آراء أصحابها تُغلِّب «النقل» على «العقل» و»الاتباع» على «الابداع». وعليه، فقد حاصروا باب «الاجتهاد». وفي كتابه أشار د. محمود إسماعيل إلى أن هذا «التعصب» الذي نادى وينادي به هؤلاء «كان يدور في إطار ديني بحت». ص 36. ويستنتج الباحث أن منهج وغاية هؤلاء السلفيين – ولا أقول كلهم- راحت تؤدلج الموروث الديني التراثي عن طريق «التأويل» الأمر الذي يفتّ في مصداقيته، يضاف إلى ذلك أنهم يسعون لقيام «دولة ثيوقراطية» ذات توجه سياسي توسعي، ومناوىء للفكر الغربي، وهم بهذا يعدّون العلوم العقلية والفلسفية الغربية متعارضة مع فكرهم الديني. وطبيعي أن يوصم الفكر الإسلامي كله بأوصاف فيها من الغلو والبعد عن الحقيقة الشيء الكثير. حتى لقد غدت الفاظ «كالديموقراطية» أو «حرية العقل» مُدانة، يُحمل على من يرددونها بشدة! إن مثل هذا الفكر السلفي والتقليدي فيه – مع احترامي لأصحابه- تسطيح «للوعي» بل أنه في كثير من الأحيان قد يبرر المظالم الاجتماعية! وكما لاحظ الباحث أيضاً، فإن «القمع» الذي ووجهت به النُّظم الوطنية في بعض بلداننا العربية والإسلامية قد ساعد في ترويج هذا «الفكر» في الأوساط الشعبية، إضافة إلى «تفريخ» «التطرف» والسلوكيات المرفوضة إنسانياً وأخلاقياً. بالطبع، وفي عصرنا اليوم ثمة إسلاميون مجدّدون حاولوا التوفيق بين «الموروث» و»الوافد» على نحو «انتقائي». ومع الأسف – وكما لاحظ الباحث نفسه - فإن مشروعات هؤلاء العلماء الإسلاميين المجدّدين قد «خُنقت» فلا «السلطة» قبلت بها، ولا القوى الأخرى السلفية أو العلمانية وافقت عليها. أكثر من هذا، فقد تعرض بعض هؤلاء المجددين أمثال جمال الدين الأفغاني للاضطهاد. ألم يضطهده حاكم مصر آنذاك الخديوي توفيق؟ ألم يؤلّب عليه مشايخ الأزهر الذين رأوا في أفكاره الدينية والسياسية والاجتماعية تعريضاً بسياساتهم المهادنة آنذاك للاحتلال الانجليزي؟ ألم يتم نفي هذا العالم والمفكر المجدّد عن أرض مصر. وهنا ينبغي أن ننتبه، فثمة من المجدّدين من هادنوا السلطة اتقاءً لشرها وحرصاً على مشروعاتهم، أمثال محمد عبده الذي – وكما وصفه الباحث محمود إسماعيل- «لم يُسفر عن عدائه للسلطة القائمة في بلاده، على نحو ما فعله «الأفغاني». وبعد، فإن «الفكر الإسلامي» في عصرنا هذا ما زال بحاجة إلى «رؤية علمية» تُحسن «التساؤل» و»الحوار» و»الجدلية»، لا إلى «رؤية» تنتمي إلى «أيديولوجية» سياسية ذات غايات وتوجهات معينة. علينا كعلماء ومفكرين أن نغوص في أعماق فكرنا الإسلامي التراثي فلا نغلق الباب في وجه أي استنارة أو اجتهاد. e-mail: yousefmahmoud37@yahoo.com
فلنخرج هذا الفكر من عنق الزجاجة!
12:00 14-12-2012
آخر تعديل :
الجمعة