بعد أن فشل رهان جماعة الإخوان المسلمين على ضعف الإقبال على استلام البطاقة الانتخابية, حيث قارب عدد مستلميها حوالي المليوني مواطن, خرجت علينا الجماعة بموال فحواه أن هذا الرقم ليس كافياً للنهوض بالعملية الانتخابية, وخلق نوع من التوافق الوطني في ظل القانون القائم, وأن الأهم بنظرها هو إيجاد وخلق هذا النوع من التوافق وتوليد ثقة لدى الشارع بهذه الانتخابات ونتائجها, والتي تعتبر أهم من إجرائها. وحددت الجماعة أن مطالبها تتوافق مع مكونات الشعب الأردني ومطالبه الاصلاحية.
إذن نحن أمام فهم للجماعة التي تزعم ترحيبها بأي حوار جاد وحقيقي, مفاده أن مليوني أردني يختلفون معهم في الرأي تجاه العملية الإصلاحية, التي يبدو أنهم يفهمونها انقلابية, لا يشكلون أي أهمية, ولا يعبرون عن أي موقف, وهم مجرد أعداد تفبركها حكومة متآمرة على الإصلاح, أي على مستقبل الوطن, وأن الحماة الحقيقيين للأردن هم جماعة الإخوان, الراغبة بتفجير الشارع في مسيرتهم «الخمسين ألفيه» باعتبارها تضع الأرضية الثابته ليقتنع صاحب القرار بالإصلاح.
الإخوان يرون في أنفسهم الناطق الشرعي والوحيد باسم الأردنيين, وهم لذلك يصفون مسيرتهم المرتقبة, والتي اتخذوا قرارها منفردين, ومتخلين عن كل حلفائهم المطالبين بالإصلاح, بأنها حركة من الشعب الأردني وقانونية سلمية, يعبر من خلالها أبناء الشعب عن رأيهم, وقياديهم زكي بني رشيد يعتبر أن معركة التسجيل للإنتخابات جانبية ، وأن الحكومة وقعت بالفخ حين أعلنت أرقام المتقدمين لحمل البطاقة الانتخابية.
يكابر الاخوان وهم يعلنون بعد فشل رهانهم, أن الحكومة تخوض معركة دونكيشوتيه, بإعلانها أرقام المسجلين, ويرون أن كل المبادرات والحوارات والخطوات الإصلاحية التي اتخذت, هي خطوات قليلة وبسيطة, لا تتحول فيها الدولة الأردنية إلى دولة ديمقراطية حقيقية, ولعل ما يعتبرونه دولة ديمقراطية حقيقية, هي تلك التي يتم فيها تفصيل القوانين التي تحملهم إلى مقاعد السلطة, وبغير ذلك فان الاخرين يغتصبون حقهم في الحكم .
يناور الاخوان وهم يدعون صاحب القرار إلى القيام بخطوات سريعة, تجمع الاردنيين على طاولة الحوار, وتجمع الأطياف السياسية المختلفة, على أن يتم ذلك في إطار مبادرتهم, التي طالبت بتعديل قواعد اللعبة السياسية والتعديلات الدستورية وقانون الإنتخابات, وهم هنا يستهترون بذاكرتنا التي لم تزل طازجة, وهي تؤشر إلى مواقفهم العدمية الرافضة لأي حوار لاتكون نتائجه مقرة سلفاً وتتضمن رضوخ كل مكونات المجتمع الأردني لطموحاتهم السلطوية.
يهدد الإخوان بالبقاء في الشارع, على اعتبار أنهم يملكونه وحدهم, وأن الشعب الأردني هامشي, لايملك رأياً ولا قراراً خارج إطار مرجعيتهم, وللتذكير فإن الكثير من الأردنيين لم يسجلوا للإنتخابات, لكنهم يقفون بالضد من سعي الإخوان الواضح, لاستنساخ التجربة المصرية, وإلا فالسورية, وهم بالتأكيد ليسوا بلطجية كما يحلو لبني رشيد أن يسميهم.
من معركة التسجيل إلى الزحف المقدس, يسعى الإخوان للانتقال بالبلد إلى منطقة مجهولة ورمادية, وهم يفتقدون قياداتهم التاريخية, التي ظلت تقدم المصلحة الوطنية على الحزبية الضيقة, وتغيب عنهم حكمة تلك القيادات, التي إما تقاعدت أو أقصيت إلى الصفوف الخلفية, ليتصدر المشهد عدد من الطارئين يفتقدون حتى الى لغة الحوار, ويعبثون بمستقبل الوطن وأمنه, تحقيقاً لأجندات شخصية لايمكن وصفها بغير الرخيصة.
لن يوقف «الزحف المقدس» مسيرة الوطن الإصلاحية المتدرجة, ولن تلامس تخرصات بعض قياديي الجماعة غير أسماعهم, سيحل البرلمان, وستجري الإنتخابات كما يريدها الشعب نزيهة وشفافه, وإذا كان الإخوان يرفضون النصيحة, فإنهم سيقعون في شر أعمال أصحاب الرؤوس الحامية في قيادتهم, وكالعادة سينتصر الوطن.