باحثون يعاينون جماليات الثوب المعاني
معان - الرأي - أعدّها ونسّق لها: إبراهيم السواعير - ندوة (الأزياء التراثية المعانيّة) التي أقيمت ضمن فعاليات معان مدينة الثقافة الأردنية 2011، في ثانوية بنات معان المهنية، أول من أمس، ورعاها مندوباً عن رئيس جامعة الحسين بن طلال المستشار في الجامعة د.خالد العطيات.. ندوة أشّرت على أهميّة تسويق الثوب المعاني، خصوصاً والثوب، كما يقول باحثو الندوة، حمل صبغة معان المدينة وزوارها من الجوار العربي والأجنبي حجّاجاً إلى البيت العتيق. وهو تأثيرٌ في غاية الأهمية عاشته مدينة التنوع الثقافي، منذ اللحظة الأولى التي استطاب فيها حجاج بيت الله الحرام المدينة مقاماً، على جنبات الخطّ الحديدي الحجازي، لنقرأ اليوم تفاصيل ذلك العهد القريب في حكايا الناس وعاداتهم وعروق هذا الثوب الضّاج بدماء النخوة والتسامح والحب.
عكست طبيعة موقع مدينة معان على طريق القوافل بين الشام والحجاز انفتاحاً تجسّد في تنوع القماش وتعدد وظائف الأجزاء والتزيينات التي أثرت الزي وأغنت مفرداته الجمالية التي مالت إلى التجريد والبساطة، وهي قيم جمالية وإنسانية وحّدت بين مختلف الفئات على تفاوت مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية وأصولها، وهو وعي يعكس انفتاح المكان وامتداده الجغرافي والتاريخي، ليكون الثوب المعاني اقتراحا بصرياً يروي سردية المكان وتحولاته ووقائعه، ويمثل هوية الإنسان بما تعرب عن جماليات البساطة وألفة تنوع التجاورات.
شارك في الندوة المتحدثون الرئيسيون: الباحث في التراث محمد عطالله المعاني، والشاعر الباحث مصطفى الخشمان، والزميل مدير تحرير الثقافة في (الرأي) التشكيلي حسين نشوان. كما شارك بأخذ الرأي: الكاتب عبدالله آل الحصان، ومديرة مدرسة ثانوية بنات معان المهنية سحر كريشان، ورئيسة جمعية الأميرة رحمة بنت الحسن بسمة أبو قبيطة، ومدير ثقافة معان يوسف الشمري، ومنسق مدينة الثقافة أحمد أبو صالح، ورئيس اللجنة الإعلامية في مدينة الثقافة رعد عوجان، ومقرر إعلامية مدينة الثقافة أكرم البزايعة.
محمد عطاالله المعاني: مكوّن الثقافة
لعب الموقع الجغرافي دوراً مهماً في ميلاد الثقافة الراقية التي جاءت طبيعية عبر مكونات الثقافة المتنوعة التي أرست معالمها القوافل التجارية والدينية التي كانت تحط في معان، لتلعب اتفاقية إيلاف التي أبرمت بين الروم وقريش دوراً قوياً في ميلاد سوق الشعار الثقافي في معان، السوق التي توجت معان كمدينة ثقافية رئيسة في طريق القوافل القادمة من أرجاء العالم، والتي شكّلت حالة سَبْق في الوطن عبر مذاق خاص ترجم روعة الإبداع الذي فاح عبر الشعراء والأدباء ممن كانوا يجدون في سوق الشعار ضالتهم لتفريغ روائع فذة جاءت بمذاق تفاح الشام وبلح العراق وأصالة الحجاز ومصر واليمن، فعناق الحضارات المتعاقبة (الأدومية) و(النبطية) و(الإسلامية) منذ (3900) الذي أكد أصالة الثقافة وروعة الإنسان المبدع الأصيل.
في أرض خصبة تولدت الأزياء الشعبية بقوة وأناقة عبر مزيج من الألوان لتحاك قصة إبداع قوامها الإنسان الأردني الذي أبدع في حياكة أفضل الأزياء التي جاءت مغايرة لكل محيطنا القريب.
الأصالة والتنوع
نظراً لتنوع الأزياء النسائية وثبات الأزياء الرجالية على الثوب والعباءة والسروال سنتناول الأزياء النسائية فقط وهي:
1- ثوب الهرمز
2- ثوب الكمخ
3- ثوب بيت انجان
4- ثوب المدرق
القماش
استخدمت في صناعة هذه الأزياء عدة نوعيات من القماش ومنها:(الحبر) و(أبو غزالين) (وأطلس) و( دوبيك) و(هرمز) و(حرير) و(ساتان).
يشكل الهرمز علامة فارقة في القماش كونه ملوناً ومصنوعاً من الحرير ويأتي في الدرجة التي تليه قماش أبو غزالين بلونه الأسود الذي تظهر فيه نقوش محفورة في القماش على شكل رقم سبعة ويليه في الجودة قماش الحبر والذي يعد من أجود الأقمشة حيث لا نقوش فيه وهو لين الملمس يزهو بلونه الأسود الذي تغازله لمعة فضية، وكذلك قماش أطلس الذي يقل عنه قيمة كونه أخف منه وزناً، ويأتي الدوبيك كقماش للطبقة الفقيرة بلونه الأسود الخالي من أي نقوش.
أسماء لامعة
رصدت من خلال الجولات الميدانية أسماء أشهر الخياطات وهن:
1- ستّي لمعه- تركية الأصل وهي من سكان معان الشامية
2- ستي فاطمه فرج - حجازية من أصول إفريقية وكانت تدعى المعلمة حيث أبدعت في هذا الفن.
ثوب الهرمز
يعد من أشهر الأثواب على الإطلاق كونه اللباس الرسمي للعروس. جاءت تسميته من قماش الهرمز الحرير والذي تخاط منه الجلاية التي تغطي الرأس ومنتصف الجسد حيث اللون البرتقالي الممزوج بنقاط فضية وبيضاء إذ يستورد من تركيا والمغرب العربي والشام. وهنا ننوه إلى أن الثوب اكتسب التسمية من قماش الجلاية وليس من قماش الثوب. تميّز الثوب بروعته وجماله، من خلال اختيار الألوان التي جاءت بلون الرمان والنعناع ليستر مفاتن الجسد ضمن نظرة إسلامية من خلال قماش فضفاض يستر معالم ومفاتن الجسد ويتكون من عدة قطع وهي:
1- الثوب - يخاط الثوب على شكل بنايق وهي قطعة قماش مستطيلة تقدر ب (25سم × 1م) ذات ألوان برتقالية وأخضر مزرق، وقد تغنى فيها أبناء معان بأفراحهم حيث قالوا:
يا ميمتــــــــــي يا يما
شلــــــي راس البنيقه
(البنيقة قطعة القماش المستطيلة)
واللي تدعي ع عادل
يجعلها بالدعيقــــه
(الدعيقة الحرق الشديد)
وتميز الثوب أكمام تشكل عند الإبط (25سم لتصل عند الكف إلى 75سم ) وقد عرفت بردون الثوب، وجاءت بهذا الشكل ليسهل على المرأة استخدامها لتغطية مقدمة الرأس والوجه وهنا نذكر بأن الأسرة في معان كانت تسكن في بيت واحد مما يتطلب من المرأة استخدام الردون بسهولة لتغطية رأسها ووجهها. يُسحب قماش الثوب من عند الصدر للأعلى لتكوين طبقة ثانية تتشكل من بدية الخصر لقرابة (20)سم للأسفل ليكون الحزام عازلاً بين الطبقة الأولى والثانية العلوية التي تسمى العب، وفائدة استخدامها كجيبه كبيرة لوضع بعضٍ من الحاجيات المهمة فيها.
ثوب الهرمز المعاني حيك في عام 1915م.
الرسومات:
روعة وتقنية وفكر وثقافة تشكلت من خلال الرسومات على الثوب، كما أنّ فحوى الرسومات التي تطرزها على قماش الهرمز هي رجل النملة ×××××××××× الشبيهة بعلامة الضرب، حيث تمثل طريق نمله، فهذه الطريق تربط معان بغزه والتواصل هذا يمثل القوافل التجارية المتلاصقة مع بعض البعض، كخط النمل وهذا الطريق سُمي بذلك لأنه يشبه النمل في تواصله.. وهناك حبات لؤلؤيّة تمثل حبات رمان، حيث رمان معان أطيب ما تنبت بلاد العرب منه، فالرمان المعاني له شهرة واسعة في كل البلاد العربية. هناك تطريز على شكل مشط الخشب القديم ذي اللون البرتقالي الذي يحمل دلالة لون الشفق عند الغروب.
يتكون الزي المعاني الهرمزي من من:
1-الجلاية - قماش هرمز حرير يبطّن بقماش الساحلي الأبيض، وهي خالية من الأزرار تضعها المرأة فوق الرأس وتغطي خلفية الثوب مع الإبقاء على جماليات الثوب من الأمام.
2-الطاقية - تطرز ضمن مواصفات رائعة قوامها الدقة والإبداع حيث ظهرت براعة النساء التركيات جلية، وقد جاءت الطاقية بمواصفات إسلامية حيث تثبت (لوقاه) على الرأس ويظهر في الطاقية بروز بقدر (3سم) من الأمام يتعذر معه النظر للأعلى حيث يبقي نظر المرأة في الأرض، والملفت للنظر هو ألوان الخيوط البرتقالية والحمراء والخضراء التي تشكل مجمل الطاقية حيث تكمن روعة الطاقية في الخيط الصوف الناعم المستخدم في ذلك.
3- الحزام - وهو قطعة حبل من الصوف يتم وضعها على الخصر ويشد فيها ليشكل فاصلاً بين الطبقتين: العب وباقي الثوب.
4- لوقاه - قطعة قماش مستطيلة شفافة يلف بها الرأس بحيث تغطى فقط نصف الطاقية للبقاء على التناسق والجماليات التي تكمن في الطاقية.
حدثني البروفسور نجيب أبو كركي قائلا: موجود في مدينة المهدية في تونس الثوب نفسه، وقد خصصت له أماكن دكاكين مقنطرة يصنع فيها القماش.. والواقع أنّ هذا يؤكد ذلك حيث توجد عائلات معانية قدمت قبل ثلاثمائة عام من المغرب وتونس وليبيا وكان لها أثر واضح في صياغة هذا الثوب..
توضيح
يختلف الثوب في شكله من خياطة لأخرى رغم بقاء الإطار العام للثوب في حالة ثبات وهنا في يومنا الحاضر يدخل الدارس في دوامة الاختلاف وعدم المعرفة للثوب الحقيقي المستخدم، وهنا فنحن نؤكد بأن ذلك يكمن في تنوع الخياطات اللواتي يقمن بالتفصيل
ثوب الكمخ
يعد ثوب الكمخ من الأثواب التراثية الراقية بما يشكله من تميز وروعة وجمال، حيث يخاط من قماش الحبر وبلون واحد أسود يلبس معه الدامر الأخضر المصنوع من الصوف، والذي يشبه الجاكيت خالياً من الأزرار، ولا يوجد له قبة، ويكون لونه في الغالب أخضر.
يفرض ثوب الكمخ نفسه كواحد من ملبوسات الأغنياء فقط. وياتي الثوب فضفاضاً ليس له (اردون)، وإنما أكمام عادية وقبة على شكل رقم سبعة تربط بخيط في نهايتها، ومن مكوناته لوقا السوداء والعصابة السوداء والحزام الصوفي الذي يتشكل معه العب.
ثوب بيت انجان
ثوب تغنى فيه أبناء معان حيث قالوا: (اشقع وارقع يا بيت انجان)، أي تتضح جمالياتك من خلال الرقص الذي تؤديه المرأة المعانية على شكل دبكة، والثوب يكون فضفاضاً أسود يخاط من قماش أبو غزالين، وفيه بنايق بلون حبة بيت انجان، داكنة تخاط في أطراف الثوب. ويلبس دامر أخضر فمن هنا جاء بيت انجان لأنه يشبه حبة بيت انجان كما تلبس معه وقاه وعصابة وله مواصفات الكمخ، حيث يلبس في الإعراس والمناسبات وغالبا ما يقتصر على الطبقة الغنية.
نموذج لثوب هرمزي حديث(2011) عمدت الجمعيات الخيرية على تسويقه بهذا الشكل حيث تمت إضافات حسب مزاج الشخص دون مراعاة الأصالة في الثوب
نشوان: القماش سردية المكان وهوية الإنسان
يمثل الزي علامة مهمة في الهوية الوطنية، ويعكس، وعلى وجه التحديد ملبوس المرأة، تشابكات الجغرافيا والتاريخ وجماليات المكان مستعيراً من الطبيعة فنونها وألوانها وخطوطها، ومن الأحداث رموزها ومن التراث شاراته.
وفي الزي يتجلى فعل التشابك بين خصوصية المكان ووظيفة الزي والاجتماع البشري في وقوعه بين الصحراء والريف أو المدينة والقرية أو اختلاف التضاريس والطبيعة بين الجبل والبحر والسهل، وهو اختلاف ينعكس على نوع الأغنية والرقصة والحكايات والأزياء التي يرتديها الرجال والنساء، وعملياً فقد شكّل الزي مدونة بصرية للتعريف بتجارب الشعوب.
«شكّل الثوب والنقوش التزيينية سجلاً بصرياً للخبرات والتجارب الثقافية، مثل أي شكل ثقافي آخر، وهو عبارة عن وسيط أو أداة للتعبير الفني».
والواقع أن الزي يمثل نوعاً من التراث المادي الذي تلعب عوامل الاجتماع والعقيدة والوضع الاقتصادي والأحداث دوراً كبيراً في رسم ملامحه، كما تعمل مؤثرات الحداثة فعلها في تحديد خطوطه وألوانه.
«إن شكل الثوب ولوازمه يخدمان كوسيلة تنقل رؤيتنا لجوهر الجمال والانسجام. وهكذا، المواد التقليدية والتقنيات تقدم لنا طريقةً نواصل بها ما سلف في الماضي».
ويمثل الزي الشعبي عنواناً بارزاً لكل أمة، ودليلاً على عاداتها وحضارتها وثقافتها. فالزي الشعبي يعد جزءاً من التراث لارتباطه بالعادات والتقاليد والمؤثرات الاجتماعية والاقتصادية على مرّ الزمن.
ويختلف الزي الشعبي الأردني باختلاف المنطقة أو المدينة، فيختلف في الثوب والمدرقة وفي الطول والموديل والتطريز واللون، كما يختلف غطاء الرأس والقمطة «عصبة الرأس»، فكلها أزياء جميلة ولكل منها رمز وقصة.
المؤثرات الجغرافية والثقافية
لعب العديد من المؤثرات، الجغرافية والتاريخية وتحولاتها، دوراً بارزاً في تعبير الزي عن ثقافة الاجتماع البشري، التي تمكن الدارس للزي من قراءة تاريخ المكان، وفنونه المحكية والموسيقية والبصرية، والزي هو تعبير عن رؤية بصرية لعلاقة الكائن مع المكان، كما أنه يعكس وعي الإنسان ويفسّر وسائل تعبيره عن جمال المكان.
«إن تاريخ الثوب وتفصيله مثل تاريخ الفن، عبارة عن قصة تشرح العلاقات المتبادلة بين الشكل والمضمون».
الخطوط والألوان
في قراءة الزي المعاني، لا بد من الالتفات إلى الخطوط والألوان والأقمشة التي يتكون منها الزي الذي يتسم بالبساطة والحشمة والجمال في آن معاً. كما يستدعي الأمر التدقيق في الرموز والدلالات التي تقدمها المرأة في صوغها لخطابها البصري، الذي يمكن قراءة دلالته بصرياً، بتعبير وعي المرأة للعلاقات الاجتماعية والثقافية وتشابكات التاريخ بالجغرافيا، وآمالها وأمنياتها وأحلامها مختزلة في ترميزات تستعيرها من البيئة القريبة والبعيدة.
وإذا كان الزي يمثل دلالة الشكل فأنه يعبر عن تشابكات جملة من الذاكرات البصرية والحكايات والأمنيات والمعارف التي تتصل بالذات والآخر:
فالزي وفق التاريخ والجغرافيا يتكون من البنية البصرية التي تتصل بالمعنى والدلالة، والشكل، وهو بحسب (شاهان) يمثل: «الهيئة الظاهرة لجميع نواحي نمو البشرية، ويتألف من عناصر متداخلة لا حصر لها ولا يمكن عزلها عن بعضها البعض.
ومن المفردات التي أسهمت في نسيج الزي المعاني
-الطبيعة، الموقع، الصحراء والريف (الجغرافيا)
-محطة سكة الحديد، التمازج البشري
-أحداث الثورة العربية والإسلام (التاريخ)
قراءة التاريخ.. جغرافيا الثوب
لا يوجد من خلال المطالعة ما يشير إلى زي قديم اختصت به معان للاستدلال على التحولات التي جرت على الزي، غير أن قراءة التاريخ يمكن أن تشكل منفذاً ليس لقراءة الزي، وإنما لقراءة جغرافيا وتاريخ مدينة معان، فالثوب لا يمثل ألواناً مجردة وخطوطاً محايدة، بل خيارات بصرية وجمالية تعيد رسم وعي الإنسان للمكان الذي يقع في الخاصرة الجنوبية على الأطراف الغربية للهضبة الصحراوية الممتدة من شبه الجزيرة العربية حتى بادية الشام، بما تحمل من وقائع وأمنيات وأحلام، وقد عبّر الثوب المعاني عن ذلك من خلال (تحزيزات) الخطوط ووضوح الألوان.
الطبيعة / الموقع
كان أول ذكر لمدينة معان في التوراة باسم معون ومعين وماعون الذي يعني الماء الجاري ولفظ معان يعني المنزل. وهناك من يقول إن التسمية جاءت نسبة إلى الدولة المعينية التي ظهرت في جنوب الجزيرة العربية باليمن خلال عام 1200 ق.م وبسطت نفوذها شمالاً واتخذت من مدينة معان مركزاً تجارياً وسياسياً.
ويرجح الدارسون أن تأسيس الاجتماع البشري في المدينة قام على الاستراتيجية القديمة للاجتماع البشري الذي صاغته جغرافية الماء، حيث تكثر الينابيع الجارية في المدينة، وهو ما يقترح نوعاً من الزي/ الثوب المختلط بين البادية والريف.
وكان لوقوع مدينة معان على طريق القوافل المرتحلة بين الجزيرة العربية والشام الدور الكبير في تزويد المسافرين بالماء والطعام، وهو المعنى الذي تأسست عليه حديثاً بعد إنشاء محطة القطار في مدينة معان في مرحلة ما قبل 1920، وهو ما بسط نوعاً من الانفتاح على عدد من الثقافات التي أثرت في الزي.
ولعبت مدينة معان دوراً أساسياً ومهماً في تغيير أحداث المنطقة، حيث انطلقت الثورة العربية الكبرى التي منحت شعوراً بالكبرياء الذي تجلى في الثقافة البصرية التي تم التعبير عنها عنها بالزي.
المكان وهوية الزي
هذه افتراضات تتصل بالعلاقة بين التأثيرات العامة للمكان ووظيفته والتعبيرات الفنية، لكن التاريخ يشير إلى أن معان كانت موجودة قبل ظهور الدولة المعينية عام 1200 ق.م، وازدهرت بسبب موقعها على طريق القوافل، وبدأت تفقد أهميتها عام 115 ق.م، ثم عادت الحيوية مع إطلالة الحكم الغساني الذي سجلت فيه معان تاريخاً مميزاً، حيث أمر الحارث الثاني ملك الغساسنة بإعادة بناء معان وتعيين فروة الجذامي أميراً عليها، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المدينة تشكل المقدمة الأساس لدور معان في الدولة العربية الحديثة، حيث كانت معان هي البلدة الوحيدة في الإمبراطورية العثمانية التي يحكمها أهلها عام 1925، إذ أصدر الحسين بن علي ملك الحجاز قراراً بضم معان إلى شرق الأردن، كما اتخذ الأمير عبد الله بن الحسين معان عاصمة للأردن.
هذا الاستقلال انعكس على الزي معبراً عن الهوية الجامعة لتشابكات المكان بين متبقيات التاريخ في الذاكرة وأثره في التعبيرات الفنية التي تجلت في الخطوط العمودية الحادة التي تسقط من أعلى الثوب إلى قاعدته بما يمثل رمزياً العلاقة بين القدسي والأرضي، فدلالة الخط العمودي تشكيلياً وبصرياً تشير إلى العلوي/ القداسي، ويشي الامتداد الطولي إلى التواصل الدنيوي/ الأرضي، بما تمثله المرأة في الأسطورة القديمة بين حالة القداسة والدنيوية في آن معاً.
وتجلت المقاربة السابقة في الألوان التي تتمثلها العباءة بالأحمر لتشير إلى الكبرياء، بينما مثل بدن الثوب الأخضر دلالة الخصب، وهما لونان يقترنان بالخصب والتضحية التي تستعيرها المرأة مما يوحي ويعبر عن ملامح المكان و(الما كان).. (التاريخ)، (الماضي).
وتلفت الخطوط الحادة في الثوب المعاني، حيث كان أهالي معان يستوردون قماش(الصايا) من الشام، إلى نوع من الوعي بالطبيعة التي تتشابك فيها تضاريس المكان بين الصحراء وغموضها، والريف وامتداده بتجاورات بين الألوان الترابية والصارخة والمحايدة، فالثوب المعاني بصرياً لا يتوقف عند اقتراحات الألوان الصارخة التي تمتاز بها أزياء الصحراء ومجاوري البحر، ولا ينحاز إلى الألوان الترابية التي تميز الريف، بل يلجأ إلى المجاورة التي تعكس واقع المكان في تضاداته وانسجامه، كما يشير اختيار القماش(الصايا) الدمشقي إلى أثر إنشاء سكة الحديد مطلع القرن الماضي، وتَشَكُّل المكان باجتماع الكثير من أبناء المدن العربية والإسلامية في معان، وإن كانت غلبت التسمية بتقسيم المدينة نمطياً إلى حجازية وشامية، وهو ما شكل اقتراحات جديدة في الفنون التعبيرية والإيقاعية والبصرية، ومنها زي المرأة الذي وازن بين متطلبات المدينة والصحراء وشروط العقيدة ومتطلبات الجمال.
مكونات الثوب
يتكون زي المرأة في معان من عدد من القطع، وهو على تعدد ذلك يتسم بالبساطة والحشمة، كما يتسم بالوحدة التي تحول دون بروز التفاوت الاجتماعي، فالمرأة المعانية في زيها تمثل عنواناً لنساء المدينة، والثوب هو عنوان للوحدة والانسجام التي تصهر هوية المرأة في عدد من المفردات البصرية والتصميمية والوظيفية.
يتكون الثوب المعاني من عدد من الأجزاء الرئيسية والتجميلية التي تغطي سائر الجسد، ووردت في كثير من الكتابات تسمية الثوب المعاني بـ»الثوب الهرمزي»، وهي تسمية ليست دقيقة بحسب الباحث مصطفى الخشمان الذي رجح نقلاً عن ابن مدينة معان جبرين أبو درويش:»أن الثوب يتكون من قسمين، الثوب والجلاية/العباءة، والأول يسمي(الباذنجان)، مرجحاً أن تكون التسمية تصحيفاً لمصدر القماش(اذربيجان)، والجلاية/ العباءة، ومن ذلك تسمى (الهرمزي) نسبة إلى مصدر القماش، بلاد فارس.
والثوب: الذي يحتوي على ألوان متعددة ومختلفة، يكون عرض كل قطعة نحو 25 سم، وتكون خياطة الثوب بشكل طويل فضفاض، بأكمام طويلة وتسمى هذه الأكمام (إردون) تتسع عند فتحه اليد بنحو 75 سم، وتضيق عند التصاقها بالثوب، وتتم خياطة الثوب على شكل مستطيلات وتسمى (بنايق) تتشابك مع بعضها مشكلة بذلك لوحه منسجمة الألوان، ويبدو الصدر بارزاً فضفاضاً ويسمى (العُب)، وذلك نتيجة وضع الحزام على الخصر، وسحب الثوب إلى الأعلى، مشكلاً بذلك طبقة ثانية للثوب تعتليها قَبّة على شكل رقم سبعة (7).
الجلاية: وهي عبارة عن عباءة من قماش (أبو جنزيرين) ذي اللون الأحمر المقلم بالأبيض، توضع على الرأس وتغطي جزءاً كبيراً من الثوب وتستعمل عند الخروج من البيت.
العصابة/ العصبة: وتسمى بالشد وهي قطعة قماش شفاف مستطيلة الشكل تستعمل غطاء للرأس وغالباً ما تكون سوداء، مرصعة بقطعة نقدية فضية وذهبية وكذلك الخرز الأزرق وتعطي الطاقية قيمة اقتصادية للثوب.
الطاقية: من القماش الثقيل وغالباً ما تكون حمراء مطرزة بخيوط ملونة، والغاية منها تثبيت الشد على الرأس.
الحزام: وهو قطعة من القماش ملونة بعدة ألوان لا يتجاوز عرضها 10 سم وطولها متر واحد ونصف المتر.
الاكسسوارات: وهي عبارة عن الأساور والقلائد الذهبية والفضية.
خلاصة
يمثل الزي الشعبي بعامة، والثوب المعاني عنواناً يعكس العلاقة بين المكان وجمالياته ووعي المرأة بهويتها.
ويشير الثوب المعاني إلى تأثره بالموروث المستوحى من التراث القديم في وعي العلاقة بين طبيعة المرأة والمكان/ الأرض في تجليات الجمال والقداسة والخصب التي ربطت بين الخصب الأرض وخصب المرأة. وقد عكست الأحداث التاريخية كبرياء دونت شموخ أبناء المدينة في علاقة الألوان بين خصوبة الأخضر وقداسته، وبين دلالة الأحمر في رمزية التضحية.
كما عكست طبيعة موقع مدينة معان على طريق القوافل بين الشام والحجاز انفتاحاً تجسّد في تنوع القماش وتعدد وظائف الأجزاء والتزيينات التي أثرت الزي وأغنت مفرداته الجمالية التي مالت إلى التجريد والبساطة، وهي قيم جمالية وإنسانية وحّدت بين مختلف الفئات على تفاوت مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية وأصولها، وهو وعي يعكس انفتاح المكان وامتداده الجغرافي والتاريخي، ليكون الثوب المعاني اقتراحا بصرياً يروي سردية المكان وتحولاته ووقائعه، ويمثل هوية الإنسان بما تعرب عن جماليات البساطة وألفة تنوع التجاورات.
الخشمان: الأصالة والانفتاح
في كل زمان ومكان يجد الباحث شكلين من الملابس التراثية، للرجال والنساء، وهي مرتبطة بنمط الحياة السائد في تلك المنطقة، وذلك الزمن الذي مضى وانقضى، وكثير من الناس ينفرون من الجديد، ويحافظون على ما ورثوه من الآباء والأجداد، ويعدّون الخروج على ذلك خروجاً على المألوف، وقد يرونه عيباً لا يجوز فعله، ومثل هؤلاء الناس يعيشون في مجتمعات مغلقة فكرياً، وإن عاشوا في مدن كبيرة أو واسعة، ويعتقدون أنّ الأفكار التي يؤمنون بها هي وحدها السليمة والصحيحة التي لا يأتيها الباطل من بيد يديها، وما عداها ابتعاد عن القيم والعادات والتقاليد.
وهؤلاء هم الذين حافظوا على كل ما هو قديم، كما وجدوه قبلهم، وبالمقابل نجد أناساً أتيحت لهم فرص السفر والتنقل والاختلاط بأجناس أخرى، وكان لديهم الاستعداد الفطري للتكيف الاجتماعي، فامتزجزا بالوافدين واختلطوا بهم وتقبلوهم، ثم اقتبسوا بعض عاداتهم وتقاليدهم ومنها اللباس والمأكولات وأنماط الحياة المختلفة، ونتيجة لهذا الامتزاج الحضاري تولّدت عادات وتقاليد جديدة، نتجت عنها قيم اجتماعية جديدة أيضاً، انتشرت في المدينة والقرية أكثر من انتشارها في مجتمعات البادية. وقد نتجت عن هذا التزاوج والامتزاج أشكال جديدة في صنع وألوان الملابس.
تفاصيل
أولى هذه الأشكال هي المخصصة للعمل، ويكون الهدف منها هو أداء وظيفة عملية تناسب طبيعة عمل الفرد، لذلك نجدها تضيق حيث يتطلب العمل التصاقها بالجسد، وتتسع لتعطي الجسم بعض الراحة أثناء الحركة وتسمح لبعض أجزاء الجسم بالحركة بيسر وسهولة، وهذه الأشكال نجدها لدى الرجال والنساء على السواء، فملابس الرجال العملية مخصصة للعمل وخاصة الرجال الذين يقومون بأعمال جسمية شاقة كالفلاحين الذين يحرثون الأرض ويحصدونها ويجمعون غلالها، كما أنّ العمل المرتبط بالأرض بحاجة إلى ملابس خشنة الملمس رخيصة الثمن، لأنها تتعرض دائماً للتلف، وهي بحاجة عادةً إما إلى ترقيعها أو تبديلها، وقد يكون من وظائفها حفظ الجسم من خطر الاحتكاك بالتراب والصخور وأدوات الزراعة وحفظ الفلاح من التعرض للشمس أو البرد القارس أو الابتلال بالماء والمطر، أما ملابس النساء العملية فهي أيضاً مخصصة للعمل، وتلبسها النساء وقت العمل، حيث أن المرأة الريفية أو الحضرية تقوم بالأعمال المنزلية، وقد تقوم بأعمال أخرى لها علاقة بالأرض المحيطة بالبيت، وكذلك المراة في البادية تقوم بأعمال شبيهة وقد تزيد عليها في رعاية الأغنام وحلبها وإنتاج السمن والزبدة وصناعة الأدوات الصوفية.. وهكذا.
أما القسم الثاني من أشكال الملابس فهو ما كان مخصصاً للزينة، حيث أن كثيراً من الباحثين قال بأن اللباس بدأ يتطور لوظيفة تزيينية وجمالية ولستر بعض عيوب الجسم وليس لوظيفة عملية. وسواء كان هذا القول صائباً أم لا، فإن للباس وظيفتين مهمتين، لا تنفصلان عن بعضهما، هما الوظيفة العملية والوظيفة التجميلية، وهذه الأخيرة نجدها بارزةً عند الأغنياء والشيوخ والطبقات الراقية من المجتمع الذي لا يمارس الأعمال الجسمية ويقتصر على التجارة والأعمال الذهنية والحكم.
جماليات
الثوب المعاني ثوب تراثي، للمرأة المعانية، تجتمع فيه كل مقومات الزينة والجمال، يرتاح الناظر إليه، لأنه يزيد الجميلة جمالاً، والمليحة ملاحةً، ويلهم حسّ الشاعر والفنان المبدع. وقد عرف في الأوساط الثقافية عندما بدأ الاهتمام بالملابس التقليدية وعرضها في معارض متخصصة للأزياء بهدف إبراز جمالياتها والتسابق إلى حصد الجوائز بهذا الثوب.
ولقد كان هذا الثوب معروفاً في مدينة معان، ولم ينتشر في المناطق الأخرى سواء المجاورة لها أو البعيدة، وهو ثوب حضري مخصص للزينة تلبسه المرأة المعانية في الأفراح والمناسبات السعيدة، وحين يتطلب المقام إبراز جمالها، وإظهار ملاحتها والافتخار بالثراء والمكانة الاجتماعية الراقية أو إثارة الغيرة لدى النساء.
جذور
كانت معان على مدى التاريخ الإسلامي وما تزال محطة الحجاج إلى بيت الله الحرام القادمين من الشام ومصر والعراق، كما أن الحجاج القادمين من المغرب والجزائر وتونس وليبيا والسودان يمرون عبر معان مع حجاج مصر، وكذلك فإن المسلمين القادمين من تركيا وأذربيجان وأوزبكستان وتركستان والشعوب الإسلامية التي يمر بها طريق الحرير كانوا يأتون عبر تركيا وسوريا إلى معان، وأيضاً فقد كان حجاج من إيران وأفغانستان يمرون إلى الحج من العراق إلى الأردن فمعان. أضف إلى ذلك من جاء مع القادة الحربيين أمثال صلاح الدين الأيوبي وإأبراهيم باشا من الجند والعسكر، وهؤلاء منهم من سكن معان، فامتزجت المدينة حضارةً وتنوعت ثقافياً، فانعكس كل ذلك على ألوان الملابس والمأكولات والغناء والطرب الفروسية ومظاهر الحياة المتنوعة.
ولهذا ففي معان كنز هائل من التراث يحتاج إلى المزيد من الدراسة والبحث والتقصّي، فالثوب المعاني هو جزء من التراث الثقافي الوافد أصلاً والنامي والمتطور في معان في زمن لا نستطيع تحديده. وعن هذا الثوب يقول الراحل طيب الذكر المهتم بالتراث جبريل أبو درويش: (يتكون الثوب من قسمين: الأول هو الثوب الطويل من القماش الحريري، وهو مقلم بشكل طولي بخطوط حمراء وصفراء وبرتقالية،تمتد مع طول الثوب تخالطها نقاط بيضاء على شكل وردة، وكل واحدة قريبة من التي تليها، ويكاد يصل طول الثوب إلى مترين وقد يصل إلى أطول من ذلك، واللون الذهبي هو اللون الغالب على هذا الثوب،.. كما أن الحرير الذي يصنع منه الثوب كان يجيء إلى معان قديماً من بلاد أذربيجان عن طريق الشام وكان أهل معان يسمون هذا الثوب باسم باذنجان، وهو تحريف لأذربيجان.. إلخ).
أغنية الثوب
ولقد شرح زملائي أقسام الثوب، ولا حاجة بي لتكرار ذلك، عير أنّي سأتجاوز ذلك إلى التأكيد على قيمة الثوب المعاني بأجزائه في الأغنية والقصيدة، فحين نسمع أحدهم يقول: (هلّوا بـ(رقيّة) يوم جتنا من بعيد/ تمشي وتضلع من زرد خلخالها)، فالمعنى: رحبوا برقيّة حين جاءت تمشي برفق ودلال من تأثير زرد الخلخال في رجلها.
والحقيقة أن هذا الموضوع يحتاج جهداً، وأذكر أنني قابلت المرحوم الباحث جبريل أبو درويش الذي غادر هذه الحياة قبل أيام، في بيته وأجريت موضوعاً عن الثوب المعاني في مطلع الشهر الماضي، وكان اللقاء ممتعاً ووقفت فيه على كثير من الموضوعات التي تحتاج نقاشاً. المقصود أن علينا أن نبحث ونتقصّى ونربط بين المواضيع ونخرج بقرارات موضوعية حول تراثنا المادي وغير المادي في الأغنية والموروث الشعري وما شابه من قصص الحياة.
من الأغاني المعانية التي تجسد تفاصيل التنوع الثقافي والتمازج الحضاري بين شعوب المنطقة قولهم: (ثنتين طلعن سوى من ديرة اسطنبول/ وحدة قصيرة والثانية نايفة الطول)، فهو امتداح للفتيات التركيات، وجدير ذكره أن عدد الجنود الأتراك في معان وقت وصول قوات الثورة العربية زاد على سبعة آلاف عسكري وضابط.
مما نسعه ونردده قولهم: (يا بنت شيخ العرب يالتركمانية/ حلّي زراد الذّهب وامشي رفالية).. والمقصود بشيخ العرب هنا ليس بالمعنى القومي، بل هو كبير المضارب، ولعلّ التغزل بالفتيات التركمانيات هو بسبب من شهرتهن الفائقة في الجمال.
آل الحصان: الحشمة والفخامة
تُعَدّ الأزياء التقليدية من المكونات الثقافية لأي مجتمع، وركناً أساسيّاً في الموروث الشعبي، وتلعب دوراً كبيراً في الحفاظ على الهوية الوطنية، وتكتسب الأزياء التقليدية هذه الصفة لارتباطها بالوطن، وتصبح عنواناً مميزاً للوطن.
ونظراً للارتباط التاريخي والتراثي بالأصالة والحضارة والعادات والتقاليد، فقد كان الاهتمام بهذه الأزياء والحفاظ عليها دائماً عبر الأجيال، فهي ثابتة لا تتغير بتغير الزمان أو المكان. وتلعب الأزياء التقليدية دوراً أساسيّاً ومهماً في صياغة الشخصية الوطنية، وبلورة الهوية كذلك، فهي تعبر عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تسود المجتمع من خلال الخامات المستخدمة فيها، والمهارة في تصميمها، أيضاً.
يعد الثوب الهرمزي من الأزياء التقليدية التي تسعي المرأة «المعانية» للمحافظة عليها، فهي تولي له أهمية كبيرة ليعكس أصالتها وإبداعها، ويعتبر الثوب الهرمزي من الألبسة التي تميزت بها سيدات (قصبة معان)، وبقي محافظاً على مكانته المتميزة لدى العروس المعانية لفترة طويلة من الزمن ليميّزها عن باقي الأزياء في محافظات الأردن.
الثوب الهرمزي المعاني تتخذه الغنيات والفقيرات على السواء، ويتكون من عدة قطع هي: الثوب، الجلاية، العصابة، الطاقية، الشد والحزام، ويتصف قماشه باحتوائه على ألوان متعددة ومختلفة، كالأحمر المائل إلى اللون البرتقالي أو اللون البني أو اللون الأزرق الفاتح.
مصاهرات
تاريخياً كانت معان أعظم حاضرة على طريق الحج الشامي، وبها كانت تستريح قوافل الحج وتأخذ مؤنها، وما يصاحب ذلك من استقرار بعض الحجاج فيها لتكون هناك مصاهرات تتم بين عشائر متنوعة، كما أن غالبية سكان معان تنحدر من الجزيرة العربية وفلسطين والشام، وفي ذلك ازدهار للحركة التجارية وتبادل السلع المختلفة. بهذا التكوين الاجتماعي والاقتصادي مع مراعاة العادات والتقاليد والمحافظة على التعاليم الإسلامية جاء الثوب الهرمزي المتنوع بغناه الثقافي والتاريخي الذي تكلل بإنتاج هذا التصميم المميز والفريد من نوعه، فقد كان أهالي معان قديماً يستوردون القماش اللازم لانجاز هذا الثوب من الشام.
قطع القماش التي يُشغل بها الثوب الهرمزي تكون بعرض 30سم، وإذا ما تأملنا هذا الثوب فإننا نشاهد الحكمة من خلال ذكاء المرأة المعانية، فلقد كان الثوب ساتراً للبدن لا يجسّم ولا يصف ولا يشف، كما أنّ خياطته تكون بشكل طويل فضفاض وأكمام طويلة، وتسمى هذه الأكمام (أردون) تأخذ بالاتساع كلما اقتربت إلى فتحه اليد بـ 71 سم، وتضيق بشكل تدريجي لدى التصاقها بالثوب، ويظهر انسجام ذوق المرأة المعانية والتزامها الديني من خلال الثوب حيث يضفي عليها الحشمة والوقار والاحترام، على الرغم من مظاهر الموضة الحديثة.
وعلى شكل مستطيلات تتم خياطة الثوب بما يسمى بـ»بنايق» بشكل متشابك بطريقة منسجمة، وتتم خياطة منطقة الصدر بشكل بارز فضفاض ويطلق عليه « العُب « ويأتي بروزه نتيجة وضع الحزام على الخصر، وسحب الثوب إلى الأعلى، وينتج عن ذلك تشكيل طبقة ثانية للثوب، مما يزيد الثوب جمالاً ومزيداً من الحشمة.
كما يتكون الثوب من قطعة قماش شفافة مستطيلة الشكل تستعمل كغطاء للرأس وفي الغالب تكون سوداء تسمي بـ» الشد «، وقطعة قماش متعددة الألوان لا يتجاوز عرضها 12 سم وبطول متر واحد ونصف المتر وتستعمل للتقليل من طول الثوب وهذا ما يطلق عليه «الحزام».
الهيبة والمكانة
ويأتي هذا الثوب بغاية الجمال والهيبة، وله دلالة رمزية تعبّر عن الأصالة المجتمعية للمرأة المعانية، فتلازمه مجموعة توابع لا يمكن لأي سيدة ارتداء الثوب الهرمزي دونها وهي: الجلاية التي تخاط على شكل عباءة من القماش ذي اللون الأحمر المقلم بالأبيض، وتوضع على الرأس وتغطي جزءاً كبيراً من الثوب وتستعمل عند الخروج من البيت، وكذلك العصابة وهي قطعة من القماش مطرزة على شكل حزام للرأس مرصعة بقطعة نقدية فضية وذهبية وكذلك الخرز الأزرق، والطاقية التي تخاط من القماش الثقيل وغالباً ما تكون حمراء مطرزة بخيوط ملونة، والغاية منها تثبيت الشد على الرأس.
هذا الثوب، الذي تحتفظ به المرأة المعانية إلى أمد قد يغطي زمن عمرها، تطور وأضيفت إليه بعض القلائد الذهبية والفضية، وابتكرت نماذج جديدة ذات قيم جمالية عالية مستوحاة من أصالة هذا الثوب.
وبالرغم من أن الثوب المعاني كان رمزا للمرأة المعانية في القديم، إلا أن هناك اهتماما ًكبيراً بعودة الثوب إلى الواجهة خاصة بعد تبني عدد من الجمعيات الثقافية في محافظة معان فكرة إعادة تصنيعه وتسويقه ما أسهم في ارتدائه في الكثير من المناسبات,كأداة تعريفية ورمز للتميز والتفرد، وشاهد على درجة وعي المرأة المعانية، وعلى تنوّع الحضارات المتعاقبة على معان.
وبشكل عام تعد الأزياء التقليدية ومنها « الثوب الهرمزي» جزءاً من تاريخ الأردن، وهذه الأزياء التي تثير الانتباه أينما وجدت، ليست من تصميم فنان أو شخص معين، بل هي من صنع وعمل المرأة منذ مئات السنين، فلكل منطقة تراثها ومعالمها وتاريخها، وفي الوقت نفسه تكون لها ملابسها الخاصة بها، وأحياناً يرمز الثوب أو اللباس التقليدي إلى حياة المجتمع نفسه، ولكن يبقى (الثوب الهرمزي) النموذج الأجمل والأفضل من الأزياء في الأردن.
وهذه دعوة للحفاظ على الأزياء التقليدية من الاندثار في الحياة العصرية بتقنياتها وتعقيداتها التي تختلف اختلافاً جذرياً عن نمط الحياة القديم، ولم تستطع الثقافة العصرية طمسها. فهذه الأزياء تعكس الاقتصاد والسياسة والمنزلة الاجتماعية، وهي سفيرة الشعوب، وبصمة الإنسان لكل العصور.
العطيات: الجامعة والتراث
تقوم جامعة الحسين بن طلال بنشاط واضح ومميز في فعاليات مدينة الثقافة الأردنية معان، وقبل ذلك، وستظل، هي الجامعة التي التي أخذت على عاتقها نشر الوعي الثقافي والعلمي والمعرفي وتأكيد دور الثقافة والعلم وتكاملهما في تقوية روابط المجتمع واستثمار طاقته الكبيرة في البناء.
وأستطيع القول إن الجامعة بسعي رئيسها وراعي هذه الندوة د.طه الخميس العبادي إلى مواصلة دورها في الإسهام بكل إمكانياتها في خدمة المجتمع وتأكيد أهمية العلم في تغيير السلك المجتمعي نحو الأفضل. وعلينا أن نتذكر أن مثل هذه الندوات المهمّة التي تقوم بها مدينة الثقافة الأردنية إنما هي مداميك تضيف إلى هذا الوعي المنشود، وتدعم كون الأردن من أفضل البلاد العربية خدمةً للشأن الثقافي.
ونحن نعلم أن بناتنا وطالباتنا في هذه المدرسة المميزة على مستوى تنظيمها وإدارتها وكادرها التدريسي، وفي كل مدارس المحافظة، مؤهلات ليحملن مشعل التنوير والعطاء في المستقبل ويقدمن ما تعلمنه ووعينه على قاعة الدراسة من معلوم ومعارف وثقافة عامة ومتخصصة، وفي هذه الندوة فإنني سعدت بهذا الانتباه والمتابعة لدى طالبات المدرسة لأخذ الفائدة، خصوصاً وأن وجود ندوة بعنوان (الأزياء التراثية المعانية) في مدرسة مهنيّة تضطلع بدور كبير في إدارتها، حصدت جوائز إبداعية، إنما هو تخطييط سليم للقائمين على الندوة ولمديرية الثقافة في معان وللمكتب التنفيذي لمدينة الثقافة.
وبخصوص الباحثين فقد كانت أوراقهم مميزة مزجت الجانب العلمي بالتجريبي والنظري بالتطبيقي في ظل وجود مجسمات على أرض الواقع للثوب المعاني، حيث استفدت على المستوى الشخصي من معرفة جديدة بهذا الثوب في أقسامه وألوانه وطريقة صنعه وتاريخه، وهذه هي الندوات دائماً.. تضيف للإنسان الجديد، وتتوخى في محاورها تأكيد فئتها المستهدفة. أبشركم بأن رئيس الجامعة من الداعمين للفعل الثقافي وأشكر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والإلكترونية في ترويج الفعل الثقافي واقعاً ملموساً لتحقيق التنمية الشاملة التي اختطها قائد البلاد حفظه الله ورعاه.
الشمري: مدينة الثقافة
تقوم مديرية ثقافة معان بدورها في التنسيق بين المؤسسات التعليمية الحاضنة للفعل الثقافي والتنموي المجتمعي، وهذه المدرسة تستجيب للفعل الثقافي، وهي مؤهلة على مستوى تنظيمها وإدارتها لنشر فعاليات معان مدينة الثقافة الأردنية لهذا العام. وهذه الندوة من الندوات المهمة في فعاليات مدينة الثقافة التي انطلقت منذ احتفال معان بالمناسبة، وأدرك أن أوراق الباحثين استطاعت أن تقرأ كثيراً مما نحن بحاجة إلى تبيّنه في هذا التراث العريق، وللتراث أهمية كبيرة في فعاليات مدينة الثقافة، حيث ننوع في فعالياتنا بين الفن والأدب والفكر والحقول المعرفية المتنوعة. وأقدّر عالياً لجامعة الحسين هذا الإسهام في رعاية ندوات وفعاليات مدينة الثقافة الأردنية معان التي أثبتت أنها الأقوى حراكاً وتنوعاً وتوزيعاً لفعالياتها في كل مدن الثقافة، في ظل عوامل كثيرة تمثلت ببعدنا عن العاصمة ومركز الحراك الثقافة، غير أننا تجاوزنا كل ذلك فضل تصميم الجميع على إنجاح الفعل الثقافي في معان.
عوجان: ندوات ناجحة
بالصفة الإعلامية رئيساً للجنة الإعلام في معان مدينة الثقافة ومندوباً للتلفزيون الأردني، أستطيع القول إنّ مثل هذه الندوات التراثية يلاقي حضوراً كبيراً، نظراً لأنه يبحث في أمور وأشياء تخص قطاع عريض من المجتمع الأردني، وفي هذا الجاب فإن فعاليات مهرجان السامر ومهرجان النخيل ومهرجان التفاح وهذه الندوة وندوات أخرى متنوعة كلها تصب في خدمة الترث وإبقاء الجميع على صلة وثيقة به. ونقدر لجامعة الحسين وإذاعة معان صوت الجنوب وللتلفزيون الأردني هذا الحضور، كما نقدر لصحفنا الأردنية حضورها ومشاركتها الدائمة لنا في هذه الاحتفالية الكبيرة.
كريشان: المدرسة والوعي
يسعدنا أن نستضيف مثل هذه الندوات المهمّة، ونحن متأكدون من أن مدينة الثقافة الأردنية معان قد أسهمت في التجسير بين الطلبة والثقافة والوعي المجتمعي، وقد أضافت لنا هذه الندوة معارف إضافية لطالباتنا، ونحن في ثانوية معان المهنية المتخصصة نؤمن بدور الطلبة في حمل المسؤولية ورفعة الوطن وتقديم كل ما من شأنه أن يسهم في بنائه. ونحاول دائماً أن تكون مدرستنا سباقةً إلى هذا الوعي والإنجاز، وقد نلنا جوائز في مجالات كثيرة على مستوى المملكة في المراكز الأولى، كما أننا نولي الجانب الإبداعي الأدبي والإعلامي لدى طالباتنا أهميةً كبيرة، وندرك الدور الكبير الذي تقوم به مديرية تربية معان ومديريات التربية في المحافظات في التعاون مع مديريات الثقافة ومكاتب المدن الثقافية التنفيذية. ويسعدنا دائماً أن تتكرر مثل هذه الندوات المفيدة.
أبو صالح: فلكلور ناجح
العالم كله يعتني بالتراث، والأردن ليست استثناءً من ذلك، كما أنّ معان الغنية بموروثها التراثي والتقليدي وفرقها الفلكلورية وهذا التنوع الكبير يدفعنا إلى المزيد من الندوات. بصفتي منسقاً لأعمال وندوات مدينة الثقافة في وزارة الثقافة فإنني وجدت اهتماماً لدى الوزارة في الجانب التراثي، خصوصاً ما لمسناه من إقبال كبير في قرى معان وبواديها التي تطلب إعادة هذه النشاطات باستمرار.
البزايعة: الوعي التراثي
هذه الندوة مهمة وتؤشر على الكثير مما ينبغي المصارحة بشأنه، وأرجو المزيد من الندوات والفعاليات المتصلة بالثوب المعاني لنتعرف عليه ونجد الآلية المناسبة في تسويقه، خصوصاً وهو يحمل إرثاً عريقاً على درجة كبيرة من الأهميّة. وحبذا لو نقلت كل الصحف ووسائل الإعلام فعاليات هذه الندوة، وبصفتي مقرراً للجنة الإعلامية في مدينة الثقافة فإن من مهمتي التنسيق في هذا الجانب ونشر وتغطية فعاليات المدينة مع زملائي إلى كل المعنيين. وأقدّر لزملائي الإعلاميين رعد عوجان مندوب التلفزيون الاردني في محافظات الجنوب، ومحمد أبو عويمر، وجواد الخضري من جريدة الشاهد، وعبدالله الحصان سكرتير تحرير مجلة معان مراسل المدينة نيوز، وأثمّن الجهد الكبير الذي تقوم به صحيفة الرأي في متابعة ملف معان الثقافي.
أبو قبيطة: الدراسات الميدانية
أهم ما لفتني في الندوة تباين الآراء واجتهادات الباحثين، وهي آراء مهمة وتسعى جميعها إلى الدراسة والتوضيح، ونحن نحتاج إلى الكثير من الدراسات الميدانية والأخذ عن كبار السن كل المعلومات والتفاصيل الحياتية والتراثية.
وفي جمعية الأميرة رحمة التي أرأسها وننسق بشأنها مع وزارة الثقافة ممثلة بمديرية ثقافة معان، فهي تقوم بالتدريب على إنتاج الثوب المعاني، كما تقوم بجمع الأدوات التراثية من معان وجوارها، يدفعها لذلك أنّ هذه الأدوات هي أصيلة ليست حديثة الصنع، وقد دعمتنا وزارة الثقافة في التغلب على مشكلة التسويق وتغطية نفقات الإنتاج بطرح فكرة تسويق المنتج في المحافظات، وسنقوم بذلك بعد عيد الأضحى المبارك، وقد وجدت في عملي التراثي في الجمعية كثيراً من الآراء التي هي بحاجة لدراسة خصوصاً أنني قابلت بشأنها كبيرات في السّن يعرفن تفاصيل التفاصيل عن الثوب المعاني.