هذا الفيلق الفرد.. وما أعطى

هذا الفيلق الفرد.. وما أعطى

أحسنت إدارة تحرير مجلة ''وجهات نظر'' المصرية صنعاً باختيارها مقتطفات من كتاب الراحل الكبير الاستاذ محمود محمد شاكر: ''رسالة في الطريق الى ثقافتنا''، لتكون مما تزين به صفحاتها في باب ''كتاب الزاوية'' الذي اعتدنا ان نقرأ فيه نبذاً دالة من اعمال نخبة من اعلام الفكر والادب. ولعل هذه ان تكون مناسبة للتذكير بأهمية اطاريح هذا الرجل ''المختلف'' الذي عاش حياته مقاتلا اشوس في سبيل امته، ولتوجيه انظار الاجيال الجديدة من كتابنا ومثقفينا إليها. واول ما نذكر به من ذلك ما يذهب اليه ''ابو فهر'' رحمه الله من ان الامة العربية الاسلامية كانت بسبيلها الى نهضة علمية وادبية شاملة قبيل حملة نابليون بونابرت على مصر. تلك الحملة التي كان في مقدمة أهدافها ان تئد هذه النهضة المرتقبة، وان توجه انظار العرب والمسلمين الى الغرب بصفة كونه انموذجا حضاريا يحتذى، وان تضرب على فكرة النهوض الذاتي للامة انطلاقا من خصوصياتها بالاسداد، وتقف للمؤمنين بهذه الفكرة بالمرصاد. ولقد جاءت حملة نابليون في اعقاب تقارير متتابعة من رجالات الاستشراق الاستعماري، رصدوا فيها علائم الحياة التي بدأت تتبدى في الجسد الاسلامي العملاق، ورأوا ان تتم مبادرتها بهجوم كاسح قبل ان لا يكون في طوق احد ذلك، اي قبل ان تمتلك ادوات الدفاع عن نفسها، وهي خطة كان اقترحها من قبل الفيلسوف الالماني ''لاينبز'' صاحب فلسفة المونادات او مذهب ''الموناداليزم'' على ملك فرنسا، وتعاقب على الحث عليها اساطين المستعربين، وبدا انها استوت على سوقها تعجب ملوك اوروبا وزعماءها، وتدفع بهم الى احياء تقاليد حروب الفرنجة التي اختبأت وراء الصليب وتذرعت بقبر المسيح وبالارض المقدسة، والى ان يستبقوا مشرقنا العربي الاسلامي قبيل انتباهه من غفوة القرون، وان يتقاسموه وينهبوا خيراته على نحو ما كان من قبل، بل اشد قسوة ودموية وتنكيلا. ونذكر اطاريح الرجل الكبير ان زيت المصباح الذي تقرأ تراثنا في ضوئه لا بد ان يكون مستمدا من نسغ هذا التراث نفسه؛ وهي فكرة عقد عليها كاتب هذه السطور بحثه المقدم الى مؤتمر الادباء العرب الحادي عشر، في طرابلس/ليبيا عام 1977 تحت عنوان ''الانارة الفكرية في التراث العربي'' وثمة تعقيب مشجع للاستاذ ''عبدالفتاح ابو مدين'' عليه في كتابه: ''في معترك الحياة'' الصادر في جدة عام 1982 (منشورات النادي الادبي الثقافي).. وان مما تشتمل عليه هذه الاطروحة الشاكرية ان قراءة التراث تتطلب ذوقا مدربا، ومنهجا مرهفا، ومعارف متظاهرة وان ذلك كله مما لا يتوافر لكثير من ''المترسمين'' في منابر الثقافة ولا سيما اولئك الضعفاء ممن اعوزهم ان يبتنوا ثقافة جادة عميقة، او ان يأخذوا بنصيب معتبر من معطيات حضارة العروبة والاسلام. ولقد خاض محمود محمد شاكر معارك ذات دوي وعجيج، مع استاذه طه حسين حول كتابه عن (المتنبي) الذي نشرته ''المقتطف'' في عدد خاص، ومع لويس عوض الذي كان محرر ''الاهرام'' الثقافي، ومع غيرهما. فكان لنا من ذلك كتاباه الكبيران ''المتنبي'' الذي اشتمل على الكتاب الذي اشرنا اليه في صدر الحديث: ''رسالة في الطريق الى ثقافتنا'' وعلى جملة من المساجلات الفكرية والنقدية، والذي فاز بجائزة الملك فيصل العالمية للآداب؛ وكتاب ''اباطيل واسمار'' الذي شدد فيه النكير على لويس عوض واصفا اياه بـ''الشرلتان'' ومبينا قصور ادواته المعرفية عن استيعاب التراث، وغربته عنه في آن. ومهما يكن الامر، في هاتين الاطروحتين وفي غيرها من الاطاريح التي تشكل رؤية استاذنا الراحل، فان مما ينبغي لنا الحرص عليه من طريقته ان لا نستهول اسما او لقبا لدى محاكمة الافكار، وان لا نؤخذ بضجيج المذاهب او بما يثيره المستنسخون بها من غبار. وان تستكمل عدة النظر قبل مباشرته، وان نرتد قصصا ببعض الافكار على اثارها، ونحو منبعثاتها؛ فلعلها ان تكون كيداً من الكيد، وائتمارا من الائتمار، ومكر الليل والنهار، ولعلها ان تكون مصائد للمغفلين وشباكا للمتهورين. رحم الله ذلك الفيلق الفرد من الرجال. وابقى اجواءنا عطرة بذكره، وباستذكار ما اعطى لامته فأوفى، ومنحنا بعضا من عزيمته، وهمة من شكيمته والحمد لله رب العالمين.