*** طريق الصمت ***
حـذرتـك
لا تسألني تفسيرا
إن سرت معي ،
ورضيت .
لم يـطـل الدرب كثيرا ،
قلت :
أما كنت قتلت فتى بالأمس ؟
كان رقيقا ومريضا ومـحـبـا و
ـ يا ولدي
سيكون فراقا هذا
هلا أقصرت .
كان مريضا ورقيقا ومحـبـا
حـسـن ، ماذا يحتاج المـيـت ؟
ثم مشيـنا ..
حـذرتك لا تشتم أصحاب الأمس
وأنت تسير معي ،
فشتمت .
ثم مشيـنا ..
كانت عيناك تفران على الجهتين
إذا مـرت بنت
كنت قريبا مني
وبعيدا عني
مغرورا كنت .
ثم مـــشـيـنا ..
وعطشـنـا
فتوقـفنا نشرب
أشهد أنـي لم أشرب من قبل
كما بالأمس شربت
الكأس أنا
والخمرة أنت .
ثم مشيـنا
واطـمـأنت
قلت ادخل يا آدم
دونك أشجار الجنـة
جـردها غـصـنا غـصـنا
إلا شجـر الحزن ..
فأنا أفـزع أفـزع من أشجار الحزن .
أعرضت عن الأغصان المسموح بها
وعصيت ؛
اسودت أشجار الحزن غيوما
في عيني
وبكـيت ،
مطرودا تخرج يا آدم
فارجـع من حيث أتيت .
*** شموخ الرجال ***
أغازل فيك شموخ الرجال
ويمنعني عنك هذا الخفر
وأعلم حبك حلم محال
وأسطورة من زمان غبر
وحبك وهم تخطى النجوم
وإضمامة من ضياء القدر
بأي الضلوع أضـم هواك
وكم يستقر إذا ما استقر
أعد لي الهوى يا زمان الهوى
وأطلق سـراحي انطلاق الغجر
وأوجع ، فظلمك ما نشتهي
وضلل ، فذنبك ما يغتفر
مشيئته أنت ، لو لم يشأ
محاك ، وأخلى قلوب البشر
أفق أيها القلب ، هذا النشور
وذاك صاحبك المنتظر
تبلدت من عيشة الزاهدين
ونوم القفار ، ولبس الوبر
وصيغت جزافا لك الشائعات
من كل وهم ببال خطر
أفق أيها القلب ، أو لا فمت
فأوجع حاليك : خوف الخطر
ترى الحب والموت في راحتيه
ومالك بد ، ففيـــم الحذر
سلام لحرك يشوي الوجوه
أذبت به الصبر حتى انفجر
ترى جلدا لي ؟ ففيم الجفاء
أمثلك يقسو إذا ما اقتدر ؟
أنا مـن قرابينك اللا يزال
بها من مسيس المنايا أثر
*** لو أنبأني العراف ***
لو أنبأني العراف
أنك يوما ستكون حبيبي
لم أكتب غزلا في رجل
خرساء أصلي
لتظل حبيبي
لو أنبأني العراف
أني سألامس وجه القمر العالي
لم ألعب بحصى الغدران
ولم أنظم من خرز آمالي
لو أنبأني العراف
أن حبيبي
سيكون أميرا فوق حصان من ياقوت
شدتني الدنيا بجدائلها الشقر
لم أحلم أني سأموت
لو أنبأني العراف
أن حبيبي في الليل الثلجي
سيأتيني بيديه الشمس
لم تجمد رئتاي
ولم تكبر في عيني هموم الأمس
لو أنبأني العراف
إني سألاقيك بهذا التيه
لم أبك لشيء في الدنيا
وجمعت دموعي
كل الدمع
ليوم قد تهجرني فيه .
لميعة عباس عمارة 
هي الشاعرة الأكثر اتقادا بالرومانسية بين جيل الشعراء الذين حملوا ريادة الحداثة العربية في العراق، وهي أيضا ابنة ثقافة ما زالت تقاوم التاريخ وتحاول أن تتشبث بجذورها وهي الثقافة المندائية الصابئية التي انكفأت على تواجدها في العراق الذي أورثته الخلافة العباسية قابليته للتعدد والاستيعاب قبل أن يبدل الزمان قوله، وهي السيدة البغدادية الأنيقة يوم كانت بغداد تمثل محور الحراك الثقافي العربي، هي لميعة عباس عمارة الشاعرة التي بقيت معتدة بأنوثتها دون أن تحولها يوما إلى وسيلة دعائية أو ارتزاقية، متحدثة هادئة ورزينة ومحاورة ذكية، تستوعب الآخر دون أن ترى نفسها مضطرة لتقديم التنازلات أو بذلها للحصول على مكتسبات أصبحت زاهدة فيها، حياتها في الغرب لم تطفي تلك الجذوة الشرقية في تفكيرها وإنما عززتها وأعطتها بعدها المقاوم، إيمانها بجذورها ووطنها لم يتزحزح ولم تقبل أن توظف من أي طرف وأن تصبح مطرقة أو فأسا يضرب في الجذور.
ولدت لميعة عباس عمارة في حي الكرخ العريق في بغداد سنة 1929 وتخرجت في دار المعلمين سنة 1950، أصبحت عضوا ناشطا في الحياة الثقافية في بغداد وبدأت تجربتها الشعرية تلفت الانتباه بموازاة شعراء كبار مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري ونازك الملائكة، خاصة وأنها بدأت كتابة الشعر في عمر مبكر، كانت عضوا في الهيئة الإدارية لإتحاد الأدباء العراقيين في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات في القرن العشرين، وفي السبعينيات عملت ممثلة للعراق في منظمة اليونسكو في باريس، ارتحلت فترة إلى الولايات المتحدة، وأصبحت مقلة في إنتاجها الشعري في التسعينيات، إلا أن مرحلة الثمانينيات أعادتها إلى واجهة المشهد الشعري العراقي مع ديوانها (لو أنبأني العراف).
كتبت الشعر باللغة العربية الفصيحة وبالعامية العراقية، دخلت تجربة كتابة الشعر الكلاسيكي وشعر التفعيلة، وحافظت دائما على لغة جزلة تتسم بأصالة تعبيراتها وبحس موسيقي عالي، أبقاها على تخوم التجربة البكر للشعر العراقي في الستينيات، حسها الأنثوي أعطى للقصيدة ذلك الزخم والألق المتواصلين طيلة السنوات الماضية، وأصبحت إطلالاتها القصيرة في الإعلام العربي المتلفز أو المكتوب بمثابة تذكرة إلى الزمن الجميل كأنه تأمل في صورة عراقية قديمة تعود إلى الخمسينيات والستينيات وقت أن كانت بغداد القلعة التي يجيل من أبراجها العراقيون أنظارهم إلى المستقبل بثقة وطموح، وبقيت هذه النظرة في عينيها دون أن تنكسر أو تستسلم.