في زاوية من الصف الدراسي، يجلس طالب صامتاً، عيناه تتجنبان كل نظرة من زملائه، فيما تثقل الكلمات الساخرة والتعليقات المتكررة قلبه وروحه. لا تظهر أي كدمات على جسده، لكن تلك الكلمات تترك جروحاً عميقة في داخله، تكسر ثقته بنفسه وتضعف رغبته في المشاركة والتواصل مع من حوله.
وهذه القصة ليست حالة فردية، بل صورة تتكرر يومياً في مدارس وجامعات وأماكن عمل، وحتى على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يبرز التنمر النفسي كأحد أخطر أشكال الأذى غير المرئي.
لم يعد التنمر مجرد مزاح عابر، بل يصبح سلوكا عدوانيا متكررا يترك آثاراً نفسية تمتد لسنوات، وتؤثر في حياة الأفراد وعلاقاتهم وأدائهم الدراسي والمهني، ما يجعل فهم هذه الظاهرة والتصدي لها ضرورة ملحة لبناء مجتمع أكثر إنسانية واحتراما وأمانا.
ويشير مختصون في علم النفس والتربية والاجتماع إلى أن فهم طبيعة هذا السلوك وأسبابه يمثل خطوة أساسية نحو الحد منه وبناء بيئات أكثر استقرارا وتقبّلا للآخر.
كما يوضحون أن التنمر النفسي ليس مجرد سلوك عابر، بل ظاهرة اجتماعية ونفسية معقدة تتطلب وعياً مجتمعياً واسعاً وجهوداً متكاملة للحد منها، إذ تبدأ مواجهته من التربية داخل الأسرة، وتمر عبر المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام، وصولا إلى ترسيخ ثقافة الاحترام والمسؤولية المجتمعية، ويبقى تعزيز قيم الكلمة الطيبة والتعاطف الإنساني أحد أهم الأسس لبناء مجتمع صحي يحفظ كرامة الإنسان ويصون توازنه النفسي.
التنمر النفسي وآثاره العميقة
تشير المستشارة النفسية والأسرية وأستاذ مساعد في جامعة فيلادلفيا الدكتورة سميرة أحمد الزيود إلى أنه في ظل التحولات الاجتماعية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تبرز ظاهرة «التنمر النفسي» كأحد أشكال الأذى غير المرئي الذي يتجاوز الجسد إلى النفس. وتوضح أنه رغم عدم تركه آثاراً جسدية واضحة، إلا أنه يخلّف ندوباً نفسية عميقة قد تمتد لسنوات طويلة وتؤثر في حياة الفرد الأكاديمية والاجتماعية والمهنية.
وتضيف أنه لم يعد مجرد سلوك عابر، بل يصبح موضوعاً مهماً في علم النفس والتربية والطب النفسي والإعلام، لما له من تأثير على الصحة النفسية واستقرار المجتمع، مستشهدة بقوله تعالى: «وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ» سورة الحجرات (الآية 11).
التعريف العلمي للتنمر النفسي
تبيّن د. الزيود أن التنمر النفسي هو سلوك عدواني متكرر ومقصود يهدف إلى إلحاق الأذى النفسي أو العاطفي بشخص آخر، في ظل عدم توازن القوة بين الطرفين. ويتميز بثلاثة عناصر: التكرار، القصدية، واختلال ميزان القوة.
أبرز صور التنمر النفسي
توضح د.الزيود أن من صوره السخرية والاستهزاء، التقليل من الشأن، نشر الشائعات، الإقصاء الاجتماعي، التهديد والترهيب، والتلاعب العاطفي. وهو شكل من العنف غير المرئي الذي قد يفوق أثره العنف الجسدي لأنه يمس الكرامة والهوية النفسية.
التفسير العلمي والنفسي لظاهرة التنمر
تشير إلى أن التنمر يرتبط بعوامل مثل ضعف التنظيم الانفعالي، الرغبة في السيطرة، التعرض للعنف في الطفولة، بيئات تشجع السخرية، وضعف التعاطف، وقد يكون أحياناً تعويضاً عن شعور بالنقص أو عدم الأمان.
التأثيرات النفسية على الضحايا
وتوضح د.الزيود أن الضحايا يعانون من انخفاض تقدير الذات، القلق، الاكتئاب، اضطرابات النوم، ضعف التركيز، والشعور بالذنب، وقد تتطور الحالات إلى اضطرابات نفسية مثل القلق الاجتماعي أو ما بعد الصدمة.
الآثار الطبية والبيولوجية للتنمر
وتؤكد أن التنمر يسبب تنشيط هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، ما يؤدي إلى ارتفاع الضغط، الصداع، ضعف المناعة، اضطرابات الهضم، والإرهاق المزمن، مع تأثيرات محتملة على الدماغ.
تأثير التنمر على الثقة بالنفس وبناء الشخصية
وتشير د.الزيود إلى أن التنمر يؤدي إلى إضعاف الثقة بالنفس وتكوين صورة ذاتية سلبية، مما يسبب الخوف من التعبير، التردد، ضعف المبادرة، الحساسية للنقد، والانطواء الاجتماعي.
الآثار الاجتماعية للتنمر
تؤكد د. الزيود أنه يسبب العزلة الاجتماعية، فقدان الثقة بالآخرين، صعوبة تكوين العلاقات، وقد يجعل الضحية أكثر حذراً ودفاعية في تعاملاته الاجتماعية.
تأثير التنمر على الأداء الدراسي والمهني
وتبيّن د. الزيود أن التنمر يؤثر على التحصيل الدراسي والإنتاجية المهنية، ويؤدي إلى ضعف المشاركة وتراجع الدافعية وكثرة الغياب، مع التأكيد أن الأمان النفسي شرط أساسي للإبداع والإنجاز.
الرؤية الدينية للتنمر في الإسلام
تؤكد د. الزيود أن الدين الإسلامي يقوم على احترام الإنسان وصون كرامته، وقد نهى بوضوح عن السخرية والإهانة واللمز، وتستشهد بقول الله تعالى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (الحجرات: الآية 11).
وتشير إلى ما جاء في السنة النبوية، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.» رواه البخاري ومسلم. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم.» رواه الإمام مسلم.
وتوضح أن هذه النصوص تؤكد أن إيذاء الآخرين نفسيا أو معنويا يتنافى مع القيم الإسلامية القائمة على الرحمة والاحترام.
دور الإعلام في مواجهة التنمر
تشير د. الزيود إلى أن الإعلام يعد من أهم أدوات تشكيل الوعي المجتمعي، ويمكن أن يسهم في مكافحة التنمر من خلال نشر التوعية حول خطورة التنمر النفسي، وإنتاج برامج تربوية وتثقيفية، وتسليط الضوء على قصص التعافي والنجاح، وتعزيز ثقافة الاحترام والتسامح. كما تؤكد ضرورة تجنب تطبيع السخرية والإهانة في البرامج الترفيهية أو الحوارية.
دور الأسرة والمجتمع
توضح د. الزيود أن مواجهة التنمر مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتشير إلى أهمية تعزيز قيم الاحترام والتعاطف منذ الطفولة، وتعليم مهارات التواصل وحل النزاعات، وتدريب المعلمين على اكتشاف حالات التنمر مبكرا، وتوفير بيئات تعليمية آمنة نفسيا.
وتؤكد أن المجتمع الواعي هو المجتمع الذي يرفض الصمت أمام التنمر ويدعم الضحايا نفسيا واجتماعيا.
الكلمة الطيبة أساس الوقاية
تشير د. الزيود إلى أن التنمر النفسي ليس مجرد كلمات جارحة عابرة، بل هو شكل من أشكال العنف العاطفي الذي قد يترك آثاراً طويلة المدى في الصحة النفسية والجسدية للفرد.
وتؤكد أن مواجهته تتطلب تكامل الجهود بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام والمؤسسات الدينية لبناء مجتمع يقوم على الاحترام والكرامة الإنسانية.
كما تشير إلى أن المجتمعات المتحضرة لا تُقاس فقط بتقدمها العلمي، بل بمدى قدرتها على حماية الإنسان نفسيا وصون كرامته الإنسانية.
وتلفت إلى أهمية الوعي بالجانب الحقوقي والقانوني المرتبط بظاهرة التنمر، حيث إن كثيراً من التشريعات المعاصرة تُجرّم الإساءة النفسية والتشهير والإيذاء المعنوي سواء في البيئات التعليمية أو المهنية أو عبر الفضاء الرقمي، وذلك حماية لكرامة الإنسان وصوناً لحقوقه.
وتختتم د. الزيود بالتأكيد على أهمية تعزيز ثقافة الكلمة الطيبة في المجتمع، مستشهدة بقول الله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ» (سورة إبراهيم: الآية 24)،كما تستشهد بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الطيبة صدقة»، رواه البخاري ومسلم.
وتشير إلى أن الكلمة قد تكون سبباً في جرح عميق، وقد تكون في المقابل سبباً في بناء إنسان ورفع معنوياته، ولذلك فإن ترسيخ ثقافة الاحترام والكلمة الطيبة يعد أحد أهم الأسس في الوقاية من التنمر وبناء مجتمع صحي ومتوازن.
أشكال التنمر وأثره على الأفراد والمجتمع
وفي السياق ذاته، تقول التربوية الدكتورة حنان الخلوف، أستاذة الأدب والنقد والحائزة على جائزة الوسام العالمي لصانعات التغيير لعام 2025 – المركز الأول (الوسام البلاتيني)، إن التنمر في المدارس والجامعات مشكلة تؤثر سلباً على الصحة النفسية والاجتماعية للطلبة ويتأثر المجتمع بها.
وتشير إلى أن أشكال التنمر متعددة وغير مقبولة جميعها في المجتمع الذي يقوم على احترام وتقدير الإنسان لإنسانيته، أولها التنمر اللفظي المتمثل في الشتم بألفاظ تحاربها المجتمعات، وثانيها الجسدي المتمثل في الضرب والتخريب سواء في المدرسة أو الجامعة، وثالثا التنمر الاجتماعي الذي تزرعه الأسرة في فكر الطفل منذ نعومة أظفاره.
وتوضح د. الخلوف أن هذا التنمر يبقى راسخا في ذاكرة الطفل ويصبح جزءاً من تكوينه النفسي، مما يؤثر في سلوكه لاحقاً. وتضيف أنه عند ذهاب الطفل إلى المدرسة يبدأ بمقارنة ذاته بالآخرين، وقد تنشأ فروق واضحة بين طفل نشأ في بيئة مستقرة وآخر في بيئة مضطربة.
وتشير إلى أنه ظهر في العصر الحديث شكل جديد هو التنمر الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو أكثر انتشاراً بين طلبة الجامعات من خلال الرسائل المسيئة والتهديدات.
وتوضح أن آثار التنمر تشمل انخفاض الثقة بالنفس، القلق، الأمراض النفسية، ضعف التحصيل الأكاديمي، ومشاكل العلاقات الاجتماعية.
كما توصي بضرورة التحدث مع شخص قريب، رصد السلوك، عدم الاستجابة للمطالب المؤذية، وتقديم الدعم النفسي من البيئة المحيطة.
وتشير د.الخلوف إلى أهمية الوقاية من خلال نشر التوعية بين أولياء الأمور، وتربية الأبناء على القيم الإسلامية الداعية إلى العفو والتسامح.
البعد النفسي والاجتماعي لسلوك التنمر
من جانبه، يقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة إن التنمر لا يصدر كسلوك إلا بتفاعل البعدين النفسي والاجتماعي، ففي بعده الاجتماعي تتحكم النزعة الشخصية للمتنمر في تعامله مع الآخرين في حالات الغضب أو الاستفزاز، إذ توحي تلك الحالة لصاحبها بأن يتصرف بعدوانية، بما يراه دليلاً على قوته وجبروته، ويؤدي في المقابل إلى إيقاع الأذى والألم بالطرف الآخر الذي يقصد إيذاءه أو معاقبته.
ويؤكد أن نزعة التنمر كسلوك ليست وليدة اللحظة أو نابعة من الموقف بحد ذاته دائماً، بل تكون في كثير من الأحيان مغروسة في الذات وكامنة في النفس لدى أولئك الذين يعتدون بأنفسهم ولا يحترمون الآخرين أو لا يقدرونهم حق قدرهم. وعادة ما يتكون لدى المتنمرين شعور دائم بأنهم أقوى من الآخرين، وأنهم مستعدون دائماً لإسكات الآخرين، حتى لو كان الآخرون على حق وهم على باطل.
ويبين أن الأهل قد يزرعون في نفوس أبنائهم نزعة التنمر، من خلال تربيتهم على عدم السكوت عن أي إساءة، ولو كانت بسيطة أو غير مقصودة من الآخرين، فهم لا يفترضون حسن النية ولا يقبلون العفوية، ويندفعون إلى الرد الأقوى، بل الأعنف، تجاه الآخرين، حتى ولو كانوا من الأصدقاء. كما أن بعض المتنمرين يمارسون هذا التنمر في كل حالة، وكذلك في محيط المدرسة بالنسبة للطلبة، وفي الجامعة أو في مكان العمل، الأمر الذي يخرج البيئة عن المألوف، ويسيء إلى طبيعة العلاقة بين الطلبة وغيرهم من الزملاء والأصدقاء والخبرات.
ويشير د.غرايبة إلى أن الأسرة التي تربي أبناءها على الإيجابية والتفاعل مع الغير تستبعد عن أبنائها ومحيطها سلوك التنمر، وتحل محله سلوكاً ليناً لطيفاً ينطوي على الذوق والألفة، لا محل فيه للتنمر ولا مجال فيه للإساءة، سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو الجامعة أو المؤسسة.
ويؤكد د.غرايبة أن التحلي بالإيمان بالله، والمواظبة على الصلاة والصيام، والسعي إلى كسب رضا الآخرين وتبادل الثقة معهم، إلى جانب الاهتمام بالمطالعة والكتابة والاستماع إلى البرامج الثقافية الهادفة، يسهم في كبح النزعة التنمرية والحد من السلوك العدواني، فضلاً عن تجنب الغرور والاعتداد بالذات لما لهما من دور في تعزيز هذا السلوك.
كما يشير د.غرايبة إلى أن مسؤولية الحد من التنمر تتوزع على مختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، بدءاً من الأسرة مروراً بالمدرسة والجامعة، وصولاً إلى دور العبادة والمراكز الثقافية ووسائل الإعلام، التي يُناط بها دور محوري في ردع السلوكيات السلبية وترسيخ قيم الاحترام في مختلف أشكال التعامل داخل المجتمع.
وفي نهاية المطاف، أن التنمر النفسي ليس مجرد كلمات عابرة أو مواقف مؤقتة، بل هو سلوك عميق الأثر قد يمتد ليصنع جراحا خفية في النفوس، ويترك انعكاساته على الفرد والأسرة والمجتمع بأكمله.
وبينما تتعدد أسبابه وتتشابك آثاره النفسية والاجتماعية والصحية، تبقى الحقيقة الأهم أن مواجهته تبدأ من الوعي، وتستمر بالفعل التربوي، وتُترجم إلى قيم راسخة من الاحترام والتعاطف.
إن بناء مجتمع خال من التنمر لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل بثقافة إنسانية تُؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن الأثر النفسي قد يكون أعمق من أي أثر ظاهر. ومن هنا، يصبح ترسيخ الكلمة الطيبة، وتعزيز التربية السليمة، وتفعيل دور الأسرة والمدرسة والإعلام، خطوات أساسية نحو بيئة أكثر أمانا وإنصافا.
ويبقى الإنسان هو الهدف والغاية، وصون كرامته النفسية ليس خيارا، بل واجبا إنسانيا وأخلاقيا ودينيا، يعكس رقيّ المجتمعات ووعيها الحقيقي.