لا مزية في اين يتفق لاحد من الناس ان يولد. فلقد يولد مسلما او مسيحيا او يهوديا او بوذيا او غير ذلك. ولكن المزية انما تكون في النهج الاخلاقي الذي ينتهجه. وفي ما يقوم به من اعمال تحسب له في موازين الخير او عليه.
اما «مخيريق» فهو مخيريق احد بني ثعلبة بن الفطيون، يهودي من اهل المدينة الذين اعتبرتهم «الصحيفة» - التي كتبها الرسول الكريم دستورا لاهلها - مواطنين متكافئين على الرغم من اختلاف الاصل والدين.
واما بلوغه ان يكون «خير يهود» فشرح ذلك انه لما كان «يوم احد» قام مخيريق في قومه اليهود، يذكرهم بعهدهم مع رسول الله، وبالصحيفة التي اعتبرتهم امة مع المؤمنين ويقول: «يا معشر يهود، والله لقد علمتم ان نصر محمد عليكم لحق».
قالوا: ان اليوم يوم سبت
قال: لا سبت لكم.
ثم اخذ سيفه وعدته وقال: «إن اصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء».
ثم غدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مخيريق خير يهود.
ويذكرنا مخيريق هذا بجورجيوس الرومي الذي استوقف خالدا بن الوليد يوم اليرموك يسأله عن هذا الدين الجديد الذي خرج به العرب على الناس، فكما ان بين له خالد ما سأل عن من خبر الاسلام مضى معه الى خيمته حيث اعلن اسلامه واغتسل ثم اصطف مع المسلمين وقاتل عساكر الروم حتى استشهد...
رجلان من اهل الكتاب: يهودي ونصراني. سجلا موقفا اخلاقيا عاليا مع الاسلام لاول انتشاره في الارض وبذلا حياتيهما من اجل نصرته...
واذا كنا نذكرهما اليوم ، فلأن في يهود هذا الزمان وفي مسيحييه من يقفون من قضايانا المصيرية الموقف الاخلاقي نفسه. ونحن لا نقصد هنا المسيحيين العرب، فهم جزء حميم من تاريخ الاسلام وحضارته، ولكننا نقصد اعدادا غفيرة من مسيحيي اوروبا واميركا الذين لم تستطع الصهيونية استلاب وعيهم او تسخيرهم لخدمة مآربها، والذين ربما كان لاخواننا من نصارى المشرق دور كبير في استنقاذ ضمائرهم من براثنها.
كما اننا نذكر مع هذين الانموذجين انموذجات مشرقة اخرى كالمطران المناضل «عطا الله حنا» الذي اعتبر الرسوم المسيئة الى الرسول محمد صلوات الله وسلامه عليه تطاولا على المسيحية، وكالمطران كابوشي صاحب المواقف الوطنية المشهودة. وكالفيلسوف الراحل - الذي تتواطأ جهات كثيرة على محو ذكره - روجيه غارودي الذي حاصرته الصهيونية في بلده فرنسا، اثر كشفه لاساطيرها والاعيبها في آن..
نذكر هؤلاء جميعا، وآخرين كثرا غيرهم، ونتوقع لكل قوى الخير، في مشارق الارض ومغاربها، ان تصطف ، بنيانا مرصوصا، في وجه قوى الظلام، والعنجهية والجبروت.