«الباحثات عن الحرية».. متنفس واسئلة..
12:00 29-1-2005
آخر تعديل :
السبت
«الباحثات عن الحرية».. متنفس واسئلة..
يطرح فيلم المخرجة المصرية ايناس الدغيدي الاخير «الباحثات عن الحرية» عديدا من المسائل والقضايا المتعلقة بالمرأة العربية والفروقات القيمية الاخلاقية بين الشرق والغرب، وحاجة الانسان للحرية والكرامة والاستقلالية.
بعد تردد قصير ومعي صغيرتي «نُصرّ ان اولادنا ما يزالون صغارا حتى بعد دخولهم الجامعات» حسمت امري واقنعتها بحضور الفيلم العربي لما حمله عنوانه «الباحثات عن الحرية» من استفزاز ورغبة بالتعرف على نوعية الحرية التي تبحث عنها اسماء جديدة بالنسبة لي: المصرية داليا البحيري، اللبنانية نيكول بردويل والتونسية سناء موزيان، ولما كان بلغني من اصدقاء ومعارف عن تميز المخرجة المصرية التي تثير افلامها عادة جدلا واسعا في الاوساط الفنية والسينمائية على وجه الخصوص، ورغم عدم انسجام ابنتي التي كانت تمني النفس بحضور الفيلم الجديد لريتشارد جير وجنيفر لوبيز وسوزان ساراندون (Shall we dance) الا انني وجدت بان فيلم الدغيدي جديرا بالمتابعة بغض النظر عن بعض المشكلات الفنية والمضمونية التي تضمنها.
وربما تعيدنا الثغرات الاخراجية في الفيلم الذي يعرض في اكثر من صالة في عمان في محاولة لاعادة شيء من بريق عصر السينما الذهبي، اقول ربما تعيدنا الى المربع الاول، والسؤال الاول، المتعلق بانه طالما لدينا كعرب هذه الطاقات السينمائية الراغبة بالتأسيس لسينما عربية مختلفة، فلماذا يستسهل بالتالي الوقوع باخطاء بسيطة يفترض ان لا يقع بها مخرج متمرس، فتحت اي بند يمكن تفسير احتواء ثلاثة مشاهد على الأقل على اناس عاديين وقد وقفوا خلف الكاميرا ينظرون بفضول لما تصوره تلك الكاميرا من حوارات واحداث، وخصوصا في مشهدين جمع الاول الممثل المصري هشام سليم واللبنانية نيكول بردويل «لعبت دور صحفية عربية تعمل في باريس اسمها امل»، وجمع الثاني الفنانة التشكيلية المصرية عايدة «داليا البحيري» مع الممثل المصري احمد عز «يلعب دور مهندس عربي يقيم في باريس»، وكيف يمكن ان يحقق المتلقي التفاعل مع احداث الفيلم والمعايشة لها وهو يرى هذا الفضول الفرنسي المعبرة عنه نظرات المحيطين المحايدة والطارئة على المشهد.
وبما ان الواضح ان الفيلم الذي صورت معظم مشاهده في عاصمة الفن والجمال باريس قد تطلب كلفة انتاجية ليست بالقليلة، فانه وبزيادة قليلة على تلك الكلفة الانتاجية العالية كان سيحقق درجة اقناع اعلى باحضار عدد من الكومبارس يملأون الكادر ويجعلون كامل المشهد ذا علاقة بالفيلم واحداثه وتفاعلاته، واجمالا فمسألة ضعف الاقناع لم تقتصر على الهفوات الفنية كمشهد القتل الضعيف وغير المقنع على سبيل المثال، بل شملت ايضا جزءا من رسالة الفيلم ومضمونه، فما هو نوع الحرية التي سافرت ثلاث نساء من ثلاث دول عربية مختلفة للبحث عنها في باريس؟ ومع اهمية هذا الجزء من التابو المتعلق بالحريات الشخصية والعاطفية والقيمية، الا ان جوانب القمع الاخرى التي يتعرض لها الانسان العربي سياسيا وفكريا، اضافة لما يتعرض له من ازمات اقتصادية او انحسار للفرص، وحجر على الابداع لا تقل اهمية عن حاجته لحرية تعبير عن عواطفه ورغباته..
وفي سياق الاسئلة التي يطرحها الفيلم، فربما على الواحد منا ان يتوقف كثيرا عند الصيغة المثلى الممكنة لبناء اسرة وتحقيق درجة من الامن والاستقرار بين افرادها، ورغم اني لست راغبة هنا بفرض تصورات معينة حول مسألة حساسة وجوهرية، الا اني وقد درست واقمت وعملت في عدد من الدول الغربية غير تلك التي زرتها سائحة ارى ان من حقي ان اطرح اسئلة.. فهل المساواة بمفهومها الذي ساد اوروبا مطلع القرن الماضي ما تزال ممكنة الان مع تقدم العلم وتأكيده على الفروقات الفسيولوجية والسيكولوجية بين الرجل والمرأة؟ والى اي مدى يمكن ان يصمد هذا المفهوم في كل المراحل العمرية للمرأة؟ ولماذا تصر كثير منا على تلك المساواة في مسائل ويتجنبنها في مسائل اخرى؟! وهل الشكل الاسري القائم على اساس تكفل المرأة بشؤون البيت والاولاد واراحتها من المسؤوليات الاخرى خارجه اصبح متخلفا وغير ممكن، حتى وان كان خيارا يعبر عن رغبة المرأة اكثر من رغبة الرجل؟! اسئلة كثيرة لا تقلل من شأن الفيلم الجريء والكاشف لكثير من عقد مجتمعنا العربي وسلبياته، والباحث عن متنفس حتى وان كان بعيدا عن الاوطان، متنفس يمكن ان يرقص خلاله حبيبان في الشارع العام دون ان يقذفا بحجارة التكفير والتشهير!!