الغايات انسانية ولكن الحلول سياسية
12:00 14-10-2004
آخر تعديل :
الخميس
الغايات انسانية ولكن الحلول سياسية
وفقا لوزير الداخلية المهندس سمير حباشنه ليست هناك مدلولات سياسية وراء منح ابناء غزة في الاردن بطاقات هوية مؤقتة وان الغاية من منحهم هذه البطاقة تظل في اطار التسهيل عليهم لتسيير حياتهم اليومية داخل الاردن ومعلوم ان البطاقة المؤقتة تمنح عادة للاجانب والمقيمين في أي بلد لفترات طويلة ،ووفقا لوزير الداخلية فان جواز السفر المؤقت لن يمنح الا لمن رغب بالمغادرة ،ورغم كل هذه التطمينات تبقى اسئلة كثيرة تحتاج الى اجابات واضحة وصريحة فقد آن الاوان لكي نتساءل عن حدود المدلولات الانسانية والتي يخشى انها تأخذ طريقها الى قضايا سياسية كبيرة مثل قضية عودة اللاجئين التي تنظرها دول عظمى ومنظمات دولية وتضطر تحت وطأة الاحداث على الارض والعمليات العسكرية للجيش الاسرائيلي في المدن والمخيمات الفلسطينية وجرائم القتل والتدمير اليومية الى تأجيلها الى اشعار آخر والى حين عودة اطراف النزاع الى موائد التفاوض، ولعل من المهم هنا ملاحظة توقف المجتمع الدولي عن ممارسة دوره الانساني تجاه الشعب الفلسطيني بعد ان توقف نهائيا عن ممارسة الواجب السياسي بمقتضى القوانين والانظمة الدولية لاسباب من المؤكد ان لا علاقة لها بفقر المنظمات الدولية التي لم تعد تقوم وفود منها بزيارة مخيمات اللاجئين في الاردن للاطلاع على اوضاع شعب شرده ارهاب الدولة وتآمر الدول العظمى وضعف العالم العربي ، ولم تعد كاميرات الاخبار تلاحق مسؤولينا وهم يتجولون في اروقة مخيم البقعة برفقة ممثلي الامين العام للامم المتحدة الذي كان يزور المخيم لنهل بعض التضامن مع هؤلاء الناس النازحين عن وطنهم بقرار اممي وبتواطىء من الامم المتحدة نفسها ،انقطعت الزيارات فجأة وتحول الزائرون الى دارفور والى ازمات اخرى بعضها مفتعل بينما اخذت الحكومات الاردنية على عواتقها المسؤولية الانسانية عن جريمة دولية ارتكبت بحق شعب كامل اقيمت على ارضه دولة اخرى معترف بها ،وكان من الطبيعي ان تتجه بوصلة الحلول السياسية لقضية بهذا الحجم والمستوى الى المنافذ الانسانية لان القضية بحد ذاتها حقوقية قوامها ارض محتلة ولاجئون شردوا من وطنهم ولا تحل القضية الا بعودتهم الى هذا الوطن بعد زوال الاحتلال ولذلك نشهد هجمة دولية لبلوغ حل موضعي لهذه المشكلة في الدول المستضيفة للاجئين وهذا ما يفسر التشجيع الممول عالميا للتوطين والذي يترافق مع ضغوط اقتصادية متعددة الأوجه. وعلى اية حال فان اعداد اللاجئين في المخيمات تتآكل والآف البيوت المتداعية تؤجر للعمال الوافدين بعد ان تحسنت ظروف سكان المخيمات وانتقلوا الى حياة افضل في احياء المدن الراقية وخاصة في الاردن الذي يقدم للاجئين حقوقا من شأنها تحسين اوضاعهم ويشركهم في فرص العمل والمنافسة وحتى الوظائف العليا في الدولة.
في الاردن يقال الكثير في قضية اللاجئين وتكثر اجتهادات الحكومات بهذ الصدد وما بين الفينة والاخرى تظهر مبادرة او حتى مقالة تعيد الى الاذهان كامل تفاصيل القضية الفلسطينية وصولا الى قرار فك الارتباط ،غير ان كل ما يقال ويكتب بهذا الشأن ويتسم احيانا بالتطرف لا يقصد به من حصلوا على الجنسية الاردنية فهؤلاء اردنيون بموجب القانون لهم الحقوق وعليهم الواجبات ،الحديث عادة يدورعمن ينتظرون الدور لشمولهم بالمبادرات الانسانية وما من ملامح واضحة للحدود التي تنتهي عندها هذه المبادرات الهادفة اصلا الى التقليل من آثار جرائم سياسية دولية كالقضيتين الفلسطينية والعراقية.
وبشكل عام والاردن جزء من هذا العام فان أي دولة في العالم اذا وضعت في حساباتها التجنيس كواحدة من استراتيجيات سد العجز في جانب او اكثر من المجتمع فانها تقر منظومة قوانين او تعليمات لهذا الهدف تضبط العملية من كافة جوانبها من حيث الاعداد والفئات العمرية ومستويات التعليم الى آخر قائمة شروط الحصول على جنسية ما انطلاقا من المصالح القومية للدول الجاذبة ومنها الاردن الذي يعتبر أحد المناطق المستقطبة للراغبين بالتجنيس ويضاهي بعض الدول المتقدمة في هذا المجال وقد وصف وزير الداخلية خلال لقائه اللجنة القانونية في مجلس الاعيان الجنسية الاردنية بأنها حلم للملايين وهذا ما يشكل عبئا اضافيا على الجهات الامنية ومركزها وزارة الداخلية .ان مصالح الدول عادة ما تكون اقتصادية من عمليات التجنيس ولغايات توفير الايدي العاملة او الخبراء ولكن بنسب محددة بقانون ولا تتغير الا بموجب تشريعات تقرها البرلمانات وفقا لحاجة البلد مع الاخذ بالاعتبار المتغيرات الديمغرافية والسياسية والدينية والاجتماعية التي تترتب على أي تغيير في اعداد المهاجرين او المتجنسين ، وجلي ان الدول المستقبلة للهجرات تضع أكثر من نوع من الضوابط قبل وبعد منح دمغة الدخول اليها، فاضافة الى التدقيقات الامنية المشددة بحيث تعود بمعلوماتها الى فترة مراهقة وشباب صاحب الطلب وتبحث في ميوله الحزبية وانتماءاته وولاءاته المختلفة ،فان هناك شهادات سلوكية وصحية عديدة على من يرغب بالهجرة ان يقدمها ويثبت صحتها فما من مهاجر حصل على جنسية لمجرد انه راغب بها، فالمعادلة من شقين رغبة مقترنة بالنوايا الطيبة وقبول مشروط ومرهون باختبار هذه النوايا مدتها ثلاث سنوات في الحد الادنى لاية دولة تثير شهية المهاجرين للحصول على جنسيتها كاستراليا والولايات المتحدة وكندا، وبعد ذلك تأتي مرحلة اخرى من الاخضاع للرقابة بعد الوصول ومباشرة الاندماج في حياة تلك البلد والعمل فيها والتعامل مع اهلها ،وفي مرحلة أخيرة تتم عملية التجنيس او ( منح الجنسية ) بعد جمع كافة المدعمات لهذه المنحة التي تعتبر عظيمة وجديرة بالاحترام والتقدير وتشمل هذه المدعمات ما يثبت خلو الملف الشخصي من اية قيود في مخافر الشرطة او الجمارك والمخابرات، وقد تشمل ايضا اعداد مخالفات السير ووثائق تثبت الالتزام بدفع الضريبة ،وشهادات اخرى تبرهن على ان صاحب الطلب انسان محترم جدير بالثقة وما منحه الجنسية الا مكسبا للدولة ولشعبها ،بعد ذلك يتولى قضاة عتاة هذه المهمة فالمتقدم يخضع لفحص خاص بالجنسية يتكون من عشرات الاسئلة التي تتحدث عن البلد وقوانينها وانظمتها وموقعها السياسي والجغرافي وتاريخها ومكانتها وعلى المتقدم ان يجيب على هذه الاسئلة قبل ان يرفع يده امام القاضي مقسما على احترام دستورها ونظامها السياسي وقوانينها وحقوق الناس الذين سبقوه الى نيل جنسيتها ،وحتى بعد ذلك فان دساتير وقوانين الدول المستقبلة للمهاجرين تسمح بسحب الجنسية ممن يثبت عليه انتهاك ثوابت الدولة او قوانينها التي تمس الأمن بالدرجة الاولى وما حدث في الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الاخرى بعد احداث ايلول عام 2001 الا دليل على مقدار هشاشة الجنسية في تلك الدول حين تتعارض مع المصالح القومية او حين تستغل لحساب جهات او دول او جماعات معادية ..
اذن فالتجنيس لا يكون لاسباب انسانية ، لكن المجتمع الدولي اوجد ما يعرف باللجوء السياسي لمعالجة القضايا الانسانية التي تترتب على ظلم سياسي، وهذا النوع من اللجوء يمثل حالة مختلفة فالمستفيدون منها لا يخضعون لنفس القوانين الضابطة لعملية الهجرة كما ان الاجراءات في هذه الحالة مختلفة لان الحقوق مختلفة فقد يعيش اللاجىء السياسي خمسين سنة في دولة ما ولا تمنحه الجنسية بل تكتفي بمنحه مرتبا يكفيه كي يعيل نفسه اذا كان غير قادر على العمل وقد توفر له مسكنا آمنا وعملا يعتاش منه لكنها بالمقابل قد تمنعه من ممارسة أي شكل من اشكال السياسة او الكتابة وفقا لمصالحها مع الدولة الام للاجىء ،كما ان التجنيس لا يتم لجماعات او فئات وانما لافراد يستوفون شروطا معينة تتحدد بقانون ينفذ بشفافية مطلقة وعلى الحكومة التي تقرر اللجوء الى التجنيس لتغطية عجز معين في جانب من الجوانب سواء تعلق الامر بالايدي العاملة او الخبرات بما في ذلك تجنيس الرياضيين او الموهوبين في مجالات مختلفة او حتى لدواعي سياسية ان تقدم كل المبررات والبراهين على توجهاتها واجراءاتها . والتجنيس عندنا يقوم على هذه المبادىء ايضا ولاسباب لها صلة بمصالح الاردن اولا ومدى حاجته الى متجنسين او مواطنين اضافيين من مختلف القوميات والملل ، ثم امكانياته الطبيعة والمادية ثانيا مع الاخذ بعين الاعتبار ان هناك محددات تجعل من الاردن بلدا رافضا للتجنيس كمشكلة شح المياه وارتفاع نسبة الشباب.