اجرى الحوار: وليد سليمان- في العام 1944 اكد امام القراء في القرن العشرين الشيخ محمد رفعت رحمه الله ان الشيخ محمد رشاد الشريف هو محمد رفعت الثاني وانه خليفته.. وذلك بعد سماعه اياه من الاذاعة في القدس.. والرسالة المثبتة تشير الى ذلك:.
ولدي العزيز الاستاذ الشيخ المحترم:.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقد زارني اخوكم الكريم محمد عزت الشريف الطالب بالازهر الشريف وبلغني تحياتكم ودعواتكم واعجابكم، وكنت من قبل قد تلقيت رسالتكم الرقيقة فوقعت في نفسي اجمل موقع ونزلت كلماتها من قلبي في احسن موضع، لقد اشعرتني بنعم الله على شخصي الضعيف، فمن فضله جعل المخلصين امثالك يسألون عني كلما شعروا بغيابي ويدعون لي مخلصين ان ينعم عليّ بالشفاء والصحة فيستجيب دعاءهم، ويعمل على رضائهم، جزاكم الله عني خير الجزاء.
اما عن تلاوتكم القرآن الكريم ومحاكاتي فهو تشريف لي، وقد راقني سلامة الموهبة الربانية حين استمعت اليكم من الاذاعة الفلسطينية فكنت صورة صادقة للترتيل الاصيل غير المتكلف، واخبرت اخاكم انني استمع الى محمد رفعت الثاني من فلسطين.. ادعو الله يا ولدي ان يسدد خطاك ويحقق مناك انه سميع مجيب الدعاء..
وقصة مقرئنا وشيخنا صاحب الصوت الذهبي محمد رشاد الشريف انه ذات يوم وعندما كان في الحادية عشرة من عمره سمع وبشكل مفاجىء من (راديو) احد مقاهي مسقط رأسه في الخليل صوتاً مدهشاً ساحراً يرتل القرآن الكريم فلم يستطع الا ان يتسمر مكانه بالقرب من المقهى وتأخذه نشوة التلاوة الآسرة وتتملك كل احاسيسه كالعاشق الذي اصابته سهام الحب.
فقد عرف فيما بعد ان صاحب هذا الصوت الرخيم والمنبعث من اعماق الروح هو الشيخ مقرىء القرآن (محمد رفعت) .. لذا فقد ظل الفتى يداوم بالقرب من المقهى ليستمع حلاوة التلاوة يومين في الاسبوع مساء من الاذاعة المصرية في بث حي ومباشر ليس في المقهى ولكن في مكان قفر خلفه.. في ظلمة الليل ووحشته .. وكان يحفظ الآيات التي يسمعها ثم يقرؤها في بيته فلا يجد عناء في ذلك صوتاً واداء.. ولا عجب في ذلك فانه ظن ان القارىء هو اخوه في بادىء الامر ولكن تبين له انه الشيخ محمد رفعت بمعنى ان التشابه كبير بين صوت الشيخ محمد رفعت والشيخ محمد رشاد الشريف واخيه.
ومما يؤكد ذلك ايضاً ان صوت ولده الشيخ (معروف) امام مسجد الشهيد الملك عبد الاول ومؤذن الاذان الموحد في عمان وصوت اخيه الشهيد (امام) من نفس الفصيلة.. وكثير ممن يسمع الشيخ معروف في اذانه يظن انه الشيخ محمد رفعت، كما التبس الامر على الشيخ (احمد نعينع) الذي زار الاردن فظن ان الذي يؤذن هو الشيخ محمد رفعت، كما التبس الامر على شيخ المقارىء المصرية المرحوم الشيخ (رزق حبّه) عندما سمع بعض تسجيلات الشيخ محمد رشاد الشريف القرآنية.. وهذا ما حدث ايضاً مع احد الصحفيين المصريين الذي زار الاردن بأن الاذاعة الاردنية تذيع اذان الشيخ رفعت!! مع ان الذي يرفع الآذان الموحد هو الشيخ معروف الشريف وقد ذكر ذلك في مقال صحفي منشور.
وهكذا بدأ مشوار الشاب محمد رشاد الشريف في حفظه للقرآن الكريم وتلاوته محاكياً للشيخ الذي احبه ليكون حقاً هو خليفة شيخ المقرئين في وطننا العربي والاسلامي.. فقد حباه الله سبحانه وتعالى بالصوت وبالاداء وبالعلم الوفير في هذا التخصص الجمالي والايماني الرفيع.
وعودة بنا الى بداية الاربعينات وبالذات في العام (1940) فقد عُيّن محمد رشاد الشريف معلماً وتشرف بتدريس القرآن الكريم واللغة العربية زهاء (40) عاماً ما بين القدس والخليل وجامعتها ودور القرآن وكان ايضاً قد تلقى علوم العربية والدين على بعض علماء الازهر الشريف وحفظ القرآن الكريم واجيز بقراءتي (حفص) و(ورش) عن احد ائمة القراءة في العالم الاسلامي وهو الشيخ (حسين ابو سنينة) الذي عاش في مصر وختم الشطر الثاني من حياته ليكون قارئاً للحرم الابراهيمي في الخليل زهاء (30) عاماً.
اما عن فن الاداء فقد تلقاه كما اسلفنا عن امام المقرئين الشيخ محمد رفعت والذي عاش يقرأ القرآن حوالي (20) عاماً من محطة اذاعة القاهرة، حيث كان يتميز بصوته العبقري الذي كان اقرب الى الخفوت ولكن نبراته كانت ساطعة الوضوح والذي انفرد بلقب (قيثارة السماء) وكان الى جانب ذلك عالماً باللغة العربية والتفسير.
وكان الشيخ المرحوم محمد متولي الشعراوي قد قال ذات مرة: اذا اردت ان تستمع الى جمال الصوت وحسن الاداء وطول النفس مع المحافظة على الاحكام فاستمع الى صوت الشيخ محمد رفعت وكذلك قال عنه الشيخ عبدالحميد كشك انه يخيل الى السامع ان صوت الشيخ رفعت يصدر من غرفة من غرفات الجنة . وذكر الشيخ عبدالعزيز الكاري عميد كلية القراءات في الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة وممن يتقن القراءة بالالحان مع المحافظة على شروط التلاوة هو الشيخ محمد رفعت، ولصوته من حنجرته كما هو شأن اكثر قراء الاذاعات لا يجاوز القرآن حناجرهم. وقال المطرب الشهير محمد عبدالوهاب قديماً ان صوت الشيخ محمد رفعت ملائكي كأنه آت من السماء للمرة الاولى .
ويؤكد الشيخ المقرىء محمد رشاد الشريف ان معظم هذه التسجيلات التي تذاع للشيخ رفعت لا تمثل تلاوته مطلقاً.. بل ان اكثرها يسيء اليه، فلم يكن صوته وتلاوته هكذا عندما كان يقرأ من الاذاعة المصرية مباشرة حيث كان يقرأ قراءة تستولي على القلوب والمشاعر وتدفع السامع الى جو لا يمكن تصويره بالقلم.؟ ومن حسن حظنا الجميل الآن ومنذ سنوات اننا نحظى بامامة الشيخ محمد رشاد وولده معروف في مسجد الشهيد المغفور له الملك عبدالله الاول في العاصمة عمان .. والشيخ محمد رشاد الشريف هو مقرىء المسجد الاقصى المبارك في القدس والحرم الابراهيمي في الخليل ايضاً.
وفي العام 1951 وردت على الشيخ محمد رشاد وعلى الاذاعة الاردنية رسائل اعجاب من مصر ولبنان ومن البلاد العربية .. وابرز تلك الرسائل كانت من الاستاذ الاديب (امين عبدالمجيد الديدي) من مصر .. ومن رسائل الديدي نسرد هنا تلك الرسالة:.
حضرة الاستاذ المحترم الشيخ محمد رشاد الشريف..
تحية اخوية اسلامية وبعد، فقد كان مأتم المغفور له الملك عبدالله ملك شرق الاردن مجالاً لاظهار روحانية تلاوتكم، وملائكية ترتيلكم حتى ملكتم قلوب السامعين.. في مختلف الاقطار الاسلامية التي تتغذى بسماع القرآن، بل كان من يمن الطالع على الامة الاسلامية ومن حسن حظها وعظيم نصيبها من البركة ان منّ الله عليها بكم ترتلون ايات كتابه الكريم ترتيلاً هو آية الاعجاز ونهاية الاداء الملائكي الذي يتسامى على مادية البشر.. ولما انتهت ايام الحداد لاحظنا انكم انقطعتم عن القراءة من محطة الاذاعة الاردنية الهاشمية مدة تزيد عن الاسبوعين فارسلنا الى هذه المحطة خطاباً نسألها فيه عن السبب الذي دعا الى انقطاعكم!! ثم حفزنا ذلك الى كتابة هذا مقررين ان كثيراً من المعجبين بكم والذين هز مشاعرهم احكام ترتيلكم واسر قلوبهم ما تخلل قراءتكم من ايمان صحيح وتقوى كاملة ليرجونكم ويلحون في الرجاء ان تعودوا الى مصر - ظناً منه ان الشيخ محمد رشاد الشريف مصري استدعته الحكومة الاردنية للتلاوة -.
وفي العام (1952) تنشر جريدة (المصري) في احد اعدادها هذا الخبر، وكان عنوانه (صوت الشيخ محمد رفعت يُبعث من جديد).. فوجىء اهل السويس بسماع ترتيل آي الذكر الحكيم لسور قرآنية كريمة، كانوا يعلمون تماماً انها لم تُسجل من المرحوم الشيخ محمد رفعت - توفي عام 1950 - فأثار ذلك دهشتهم خاصة وان الصوت كان من (محطة اذاعة عمان) ولم يمكنهم التمييز بين هذا الصوت وصوت المرحوم الشيخ رفعت فأخذوا في الاستفسار عن حقيقة الامر حتى علموا انه صوت الاستاذ محمد رشاد الشريف المدرس الثانوي بمدرسة اسامة بن منقذ بمدينة الخليل في المملكة الاردنية الهاشمية، واهل السويس جميعاً يهيبون بمحطة الاذاعة المصرية ان تدعوه لاختياره وسماع ترتيلات القرآن المجيد من المحطة، فقد كان لنا خير سلف لصوت الشيخ الراحل..
وفي لقاء مع شيخنا صاحب الصوت الرخيم والشجي التلاوة لاعز كلمات في الدنيا وهي آيات الذكر الحكيم.. فقد حدثنا الشيخ المقرىء والودود المعشر والمتصل بنسب صحيح الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: ان الله سبحانه وتعالى قد امرنا بالترتيل والتغني بالقرآن الكريم مثال قوله تعالى في سورة المزمل (... ورتل القرآن ترتيلا) وهناك حديث صحيح عن الرسول (ص) يقول فيه: (من لم يتغن بالقرآن فليس منا) وحديث آخر جاء فيه (زينوا القرآن بأصواتكم) وكذلك (حسنوا اصواتكم بتلاوة القرآن) وهذا لمن لا يمتلك الصوت الجميل..
وعندما سألنا الشيخ الجليل عن (التغني) بالقرآن وما المقصود به بعيداً عن الغناء المعروف؟! رد موضحا: المقصود ان المقرىء عليه ان يؤدي كلام الله العظيم وهو يتدبر معانيه والفاظه على الاصول الشرعية المتناقلة بين المقرئين من القديم.. وفي امثلة على ذلك اخذ المقرىء الشريف يقرأ على مسامعنا بصوته العبقري الجميل الايات القرآنية التي ينفتح لها عقل ووجدان أي سامع حتى يكاد يطلب الاستزادة اكثر فأكثر من سماع الايات من فم وقلب هذا الخاشع والآسر لآذان مستمعيه وكأننا نسمع محمد رفعت.. لقد كان شيخنا مثله ذا فؤاد حساس يتلو علينا آيات الغفران والرحمة فيندى صوته بالفرح والبشرى وكأنه يستقبل اريج الفردوس .. ثم يتلو آيات الزجر والعقاب فيهتز صوته هزة الخوف والاستغفار.. وفي كل آية يعلو صوته او يستوي او ينخفض لا استعراضاً لقوته وجماله .. بل تجميلاً له بعرض معاني القرآن عرضاً جديداً في كل تلاوة جديدة..
وحول سؤالنا عن شروط المقرىء الناجح للقرآن الكريم اجاب الشيخ شارحاً: ان شخصية المقرىء يجب ان تكون متعددة الجوانب وهي الخشية من الله عز وجل اولاً ثم حب نشر كتابه الكريم ثم حفظ القرآن وحفظ متون احكام التجويد واتقانها ثم الالمام بالتفسير وكذلك الالمام باللغة العربية وبالالحان العربية ثم التخلق بأخلاق القرآن.
ومن المدهش ان نعرف ان لدى شيخنا الشريف مواهب ابداعية متعددة.. فقد اطلعنا على نماذج واعمال ومؤلفات فعدا عن كونه مقرئاً للقرآن فهو خطاط ماهر يتقن فن الخط الرقعي اجادة متفوقة كذلك الخط الفارسي وخط الثلث .. كذلك فقد قام الشيخ بتأليف كتاب اللغة العربية للصف الاول بتكليف من وزارة التربية والتعليم الاردنية مستخدماً خط الرقعة لتعليم الاطفال مستنداً على الطريقة الصحيحة في تعليم الصغار مبتدئاً من الحرف ثم المقطع ثم الكلمة ثم الجملة ويُدّرس هذا الكتاب الآن في المدارس الاهلية في الضفة الغربية بنجاح كبير.
كذلك، فان محمد رشاد الشريف هو مثقف وشاعر كلاسيكي مبدع له ديوان شعر لم يطبع بعد!!! ومن قصائده تلك القصيدة التي ذاعت شهرتها قديماً عن المعلم، اذ يقول في مقدمتها: (ايها المعلم اليك هذه التحية.. فمن قبل حياك سيد المعلمين صلوات الله عليه وقلدك هذا الوسام (خير ما يمشي على وجه الارض المعلمون)، وكانت تحية احمد شوقي، بالامس تحية شاعر غير معلم .. واليوم يتقدم لتحيتك شاعر معلم شاعر ما عشت وعانى ما عانيت:.
يا شمعة في زوايا الصف تأتلق
تنير درب المعالي وهي تحترق
لا اطفأ الله نوراً انت مصدره
يا صادق الفجر انت الصبح والفلق
لا فض فوك فمنه الدر منتثر
ولا حُرمت، فمنك الخير مندفق
يد تخط على القرطاس نهج هدى
بها تشرفت الاقلام والورق
والقصيدة طويلة مؤلفة من (32) بيتا.
وللشيخ الشاعر قصائد اخرى منها قصيدة يعاتب فيها الشاعرة المعروفة رحمها الله (فدوى طوقان) لأنها اتجهت للكتابة نحو ما يسمى بالشعر الحر - وليس بشعر كما يرى شيخنا - ومنها نقتطف:.
ماذا دهى الشعر يا خنسا فلسطينا
هل ضاع؟ ام ضاع اهلوه اجيبينا
بالامس رفت على الافنان صادحة
تشجى بألحانها الدنيا وتشجينا
وتبعث الحب نشوانا اذا ابتسمت
وكم بكت صخرها الخنسا فتبكينا
حمامة الايك في الروض مستمع
الا ويذكر من كانت تغنينا
تباركت لغة القرآن ليس لها
صنو وزادت به عزاً وتمكينا
هي التي ارضعتنا صافياً غدقاً
فلا تقولوا لها أُفٍّ فتخزونا
وبعد.. فان محمد رشاد الشريف قد اكرمه الله سبحانه بتعدد المواهب فهو المقرىء والاديب الشاعر والخطاط الماهر والواعي للألحان الموسيقية .. وقد تشرف بتعليم القرآن وعلومه واحكامه في المدارس والجامعات ودور القرآن.. وتخرج على يديه العديد من الحفظة والمتقنين للتلاوة.. وقد تمكن من محاكاته في الترتيل (والتدوير) أي السرعة المتوسطة في قراءة القرآن عدد من طلابه ومنه ولده الشيخ معروف الشريف..
وكان المؤتمر الاسلامي الذي انعقد في مدينة (جدة) قبل سنوات قد نسَّب اليه بتسجيل مصحف كامل بصوته الشجي الرخيم كي يستمع اليه العالم العربي والاسلامي.. وعندما نستمع الى هذا الترتيل نشعر ان الشيخ محمد رشاد يعيش معاني هذه الايات الكريمة ويحرص على ادائها في قالب فني وفقه الله اليه.. فهو حريص على ان يعيش السامع معه هذه المعاني كي يدخل الجميع في الرحاب المقدسة وينالوا الرضى والقبول باذن الله.