الفيلم الفرنسي «التائهون»: عواطف الحرب الدفينة

الفيلم الفرنسي «التائهون»: عواطف الحرب الدفينة

عمان - ناجح حسن - يختصر الفيلم الفرنسي «التائهون» للمخرج اندريه تشينيه الذي عرض مساء امس الاول ضمن برنامج «موعدنا مع السينما الفرنسية» الذي يقيمه المركز الثقافي الفرنسي شهريا في سينما رويال حكايات الحرب المريرة والشديدة القسوة. فالفيلم يحكي عن فرار عائلة داهمتها دبابات الالمان التي تستعد لاقتحام العاصمة باريس صيف العام 1940 حيث تأخذ ام ولديها وتتجه مع جموع العائلات الاخرى الى اماكن الجنوب النائية عن الحرب، وتسلك قافلة اللاجئين قرى واراض زراعية في الريف الفرنسي على اطراف العاصمة ، وهناك تفاجئهم طائرات الالمان بقصف يؤدي الى مقتل الجزء الاعظم منهم. بيد ان العائلة التي يغيب عائلها في ظروف الحرب تجد احد الفتيان يأخذ على عاتقه بمساعدة الاسرة الصغيرة ويعمل على انقاذ الام وولديها ويرافقهم في مسيرة الفرار صوب مبنى مهجور وهناك يلتجأون اليه اتقاء لقصف الالمان ، ويعيشون في اجواء من الطبيعة يتحمل الفتى الغريب الجزء الاكبر من مسؤولية الاهتمام وجلب المياه والطعام للمرأة وولديها ويوما تلو الاخر تكتشف الام جوانب من الحياة الخفية لهذا الفتى الغريب الاطوار الذي ينصب من نفسه حاميا لهم، حيث تكتشف انه يجيد الصيد ، وتسلق الاماكن المرتفعة ، ويعمل على الاستحواذ على ممتلكات قتلى الحرب ويؤمن نفسه بسلاح لمواجهة الاعداء، امام دهشة الام التي تبدو مسالمة ولا تنوي ان تجلب لنفسها المتاعب حرصا على اسرتها الصغيرة، وعندما يحضر فجأة اثنان من جنود وحدة المشاة الفرنسية الى البيت هربا من جحيم الحرب، تتبدل المشاعر ويتحول الفيلم الى اجواء من التشويق، ويصل الامر بالزوجة الشابة ان تختار مثل هذا الفتى المراهق بديلا لزوج غائب، وعندما تهدأ الحرب وتعود الشرطة الى استلام واجباتها واعادة المهجرين، يتبين ان الفتى المراهق غريب الاطوار هو احد الفارين من اصلاحية الاحداث والذي يحمل سجله الكثير من الشكاوى والجنح ظلت تبحث عنه الشرطة فترة طويلة ، ويلقى القبض عليه ويرفض الاجابة عن اي سؤال عن شخصيته ولا يجد حلا لمعضلته سوى شنق نفسه داخل مكان حجزه.

اختار تشينيه لفيلمه اجواء الحرب العالمية ، الثانية لتصوير حكايته المليئة بالمشاعر والاحاسيس المتناقضة ووظف الكثير من المشاهد الوثائقية لمحطات الحرب بين ثنايا العمل، وحافظ في الوقت نفسه على اجواء تلك الحقبة وابرز مجاميع الناس وهي تغادر العاصمة تحت القصف ودوي الانفجارات لكن الاطار العام للعمل ظل حبيس العلاقات الانسانية بين الزوجة والفتى الغريب وولديها، والقلق الذي يعصف بشخوص الفيلم في اكثر من لحظة نجح تشينيه في تبيانها داخل مشاهد بصرية مؤثرة ومن داخل الحوارات التي تجري على مائدة الطعام لافراد الاسرة في لحظات تقرب الفتى من ابناء المرأة. ويحسب للعمل ذلك الاداء الرصين لسائر شخصياته وعفويتهم في اجواء ليست كذلك.
«التائهون» فيلم قوي مؤثر يضاف الى جعبة افلام مخرجه اندريه تشينيه التي حاكت ظروف افراد في اجواء عصيبة وتبدل سلوكياتهم وحيواتهم، والمتقن الصنعة رغم البساطة الظاهرة على موضوعه والذي يتخذ من اجواء الحرب جزئية صغيرة ويشتغل عليها في اسلوبية سينمائية مليئة بالعذوبة والالق الفني والفكري فقد صور العمل تلقائية وحيوية الفتى القادم من اصلاحية الاحداث وهو في اندفاعه داخل الطبيعة واصطياده بغية اطعام افراد العائلة التي رافقها، مقارنة مع انجراحية الفتى نفسه لحظة عودة السلطة وقيامها باحتجازه حيث غدا كالفارس الجريح المهزوم وهو يلقى نهايته الحزينة والتي طالما تحدث واوحى بها لصديقه ابن المرأة.
يختلف «التائهون» عن مثيلة من عشرات الافلام العالمية التي تناولت موضوع الحرب، ويتفرد عنها بتلقائية ببنائة الدرامي المحكم والمتين الصنعة. فالعمل يبرز بشاعة الحرب ودوافعها التدميرية في اكثر من موقع لكنه في لحظة انتحار فتى الاصلاحية يتحاشى العمل تصوير عملية شنق نفسه اثناء حجزه في مركز الشرطة ويعرف المشاهد ذلك من خلال الحوار الذي يدور بين المحقق والام والتي تخفي انتحاره عن طفليها وتعلمهما بأنه سافر الى مكان بعيد وهو ما كانت قد اخبرت ولديها عن حالة غياب والدهم الذي يبدو ان الحرب قد التهمته ايضا لكنها تنطلق مع عائلتها الصغيرة صوب المستقبل بكل ثقة وتفاؤل.