تضع نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بالتزامن مع خسارة الحزب الجمهوري أغلبيته في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام واحدة من أصعب المراحل السياسية منذ عودته إلى رئاسة الحكومة، في ظل تعثره في تشكيل ائتلاف حكومي مستقر، وتراجع الغطاء السياسي الذي كان يوفره له حلفاؤه الجمهوريون في واشنطن.
ويعكس تزامن التطورين تحولاً في موازين القوى الداخلية والخارجية، من شأنه أن يضيّق هامش المناورة أمام نتنياهو، ويزيد الضغوط على حكومته وسياساته.
فعلى الصعيد الداخلي، لم تتمكن الكتلة اليمينية والدينية بقيادة نتنياهو من الحصول على الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والمحددة بـ61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، بعدما حصدت 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لكتلة المعارضة بقيادة غادي إيزنكوت، و19 مقعداً للقوائم العربية. وتعكس هذه النتائج عجز نتنياهو عن حسم المعركة الانتخابية، وتضع مستقبل حكومته أمام احتمالات معقدة، تتراوح بين تشكيل حكومة أقلية أو الدخول في مفاوضات ائتلافية صعبة، وصولاً إلى احتمال إجراء انتخابات جديدة.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه نتنياهو على توزيع المقاعد، بل تمتد إلى تصدعات داخل معسكره السياسي، بعدما امتنع حزب «يهدوت هتوراه»، الذي يمتلك سبعة مقاعد، عن التوصية بأي مرشح خلال مشاورات الرئيس الإسرائيلي.
ويأتي هذا الموقف على خلفية الخلافات المتعلقة بإعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية، وهو مطلب أساسي للأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها «يهدوت هتوراه» و«شاس». ويكشف هذا التطور عن تراجع قدرة نتنياهو على الحفاظ على تماسك تحالفه التقليدي، ويضعف فرصه في حشد الدعم اللازم لتشكيل حكومة مستقرة.
في المقابل، تبدو فرص إيزنكوت في تشكيل حكومة بديلة مرتبطة بموقف الأحزاب العربية، التي تملك مجتمعة 19 مقعداً، بما يرفع مجموع المقاعد الداعمة له نظرياً إلى 67 مقعداً. غير أن هذا الخيار يصطدم برفض إيزنكوت الاعتماد على الأحزاب العربية في تشكيل حكومته، فضلاً عن تأكيد هذه الأحزاب أن دعمها يهدف أساساً إلى إسقاط نتنياهو، وليس بالضرورة المشاركة في الحكومة.
وبذلك، تبقى المعارضة أمام معادلة صعبة قد تنتهي بحكومة أقلية محدودة القدرة على الاستمرار، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة، بما يطيل أمد الجمود السياسي.
أما خارجياً، فتتمثل الضربة الأبرز لنتنياهو في التحول الذي شهدته موازين القوى داخل الكونغرس الأمريكي، مع استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وفق النتائج الواردة.
ويضع هذا التحول العلاقة بين واشنطن وتل أبيب أمام مرحلة جديدة، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات الديمقراطية للسياسات الإسرائيلية المتعلقة بالحرب في غزة، والاستيطان، والمساعدات العسكرية.
وطوال السنوات الماضية، اعتمد نتنياهو على علاقاته الوثيقة بالجمهوريين لتوفير غطاء سياسي داخل المؤسسات الأمريكية، مستفيداً من تحالفه مع الرئيس دونالد ترامب ومواقفه السابقة في مواجهة الإدارات الديمقراطية، إلا أن تراجع نفوذ الجمهوريين في الكونغرس قد يحد من قدرته على مواجهة الضغوط السياسية والتشريعية، ويفتح المجال أمام إعادة طرح ملفات ظلت موضع خلاف بين الطرفين، وفي مقدمتها الاستيطان والتعامل مع الفلسطينيين ومستقبل العمليات العسكرية في المنطقة. وتتزايد الانتقادات لنتنياهو داخل الأوساط الإسرائيلية، لتتجاوز المعارضة السياسية إلى شخصيات أمنية ودبلوماسية سابقة.
وفي هذا السياق، حذّر السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن مايكل أورن من أن استمرار نتنياهو في منصبه قد يجعل تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة أمراً بالغ الصعوبة، معتبراً أن تغيير رئيس الحكومة وحده لن يكون كافياً ما لم يترافق مع مراجعة السياسات الإسرائيلية.
وتبرز ملفات غزة والضفة الغربية والاستيطان بوصفها أبرز ساحات الخلاف المحتملة مع الكونغرس الديمقراطي، إذ تتجه الانتقادات إلى اعتداءات المستوطنين، والتوسع الاستيطاني، ومشاريع البناء في منطقة «إي 1»، باعتبارها عوامل تهدد فرص التوصل إلى تسوية سياسية.
كما يطرح احتمال ممارسة إدارة ترامب ضغوطاً على إسرائيل للانسحاب من غزة، في ظل رغبة محتملة في التركيز على السياسة الخارجية خلال الفترة المتبقية من ولايته.
وفي المقابل، لا يعني التحول داخل الكونغرس أن الديمقراطيين يتبنون موقفاً موحداً معادياً لإسرائيل، إذ لا تزال هناك قطاعات واسعة تدعم استمرار العلاقات معها، غير أن الحفاظ على هذا الدعم يتطلب، وفق تقديرات أورن، خطوات سياسية تعالج مصادر الخلاف، لأن تغيير الوجوه دون تغيير السياسات لن يؤدي بالضرورة إلى تحسين صورة إسرائيل في الولايات المتحدة.
وبين أزمته الائتلافية الداخلية وتراجع الغطاء السياسي الخارجي، يجد نتنياهو نفسه أمام تحديات متشابكة تهدد قدرته على الاستمرار بالنهج الذي اتبعه خلال سنوات حكمه. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بمستقبله السياسي، بل باتت تتصل بمكانة إسرائيل الدولية، وطبيعة علاقاتها مع حليفها الأمريكي الأهم، ومدى قدرتها على الحفاظ على الدعم التقليدي في ظل استمرار الحرب والتوسع الاستيطاني.
وبذلك، قد تتحول المرحلة المقبلة إلى اختبار سياسي حاسم لنتنياهو، لا يقتصر على بقائه في السلطة، بل يمتد إلى مستقبل العلاقة بين تل أبيب وواشنطن.