سياسات اقتصادية حكيمة تعزز قدرة المملكة على مواجهة الصدمات
أجمع خبراء اقتصاديون على أن نجاح الأردن في اجتياز المراجعتين السادسة والثالثة لبرنامجي صندوق النقد الدولي، والتوصل إلى اتفاق يتيح تمويلاً بنحو 294 مليون دولار بعد استكمال الموافقات اللازمة، يعكس متانة الإدارة الاقتصادية وقدرتها على المحافظة على الاستقرار رغم التحديات الإقليمية.
وقال الخبراء في أحاديث لـ الرأي إن أهمية الاتفاق تكمن في أنه جاء في ظل ظروف جيوسياسية معقدة وحالة من عدم اليقين الاقتصادي في المنطقة، الأمر الذي يعكس قدرة الأردن على المحافظة على توازناته الاقتصادية الكلية والاستمرار في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي رغم الضغوط الخارجية.
وتوصلت الحكومة الأردنية وبعثة صندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من اتفاق تسهيل الصندوق الممدد «EFF»، والمراجعة الثالثة لبرنامج تسهيل الصلابة والاستدامة «RSF»، وذلك في ختام المباحثات التي عُقدت في عمّان خلال الفترة من 21 تشرين الأول إلى 3 تشرين الثاني 2026.
ويعكس هذا الاتفاق استمرار التقدم في تنفيذ البرنامجين، رغم التحديات الإقليمية وتداعيات الحرب في المنطقة، كما يعكس التزام الحكومة الأردنية بمواصلة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية، والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات.
وأشادت بعثة صندوق النقد الدولي بمتانة أداء الاقتصاد الأردني وقدرته على الصمود في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنحو 3% خلال النصف الأول من عام 2026. كما أشادت بالدور الإيجابي الذي أدّته القطاعات الصناعية والخدمات اللوجستية، وتنامي دور ميناء العقبة بوصفه مركزاً إقليمياً للتجارة والنقل، ما أسهم في التخفيف من آثار التحديات الإقليمية على الاقتصاد الوطني. وتوقعت البعثة أن يبلغ معدل النمو الاقتصادي نحو 2.8% إلى 3% خلال عام 2026 بأكمله.
كما أشادت البعثة بنجاح السياسة النقدية في الحفاظ على الاستقرار النقدي، مدعوماً بمستوى مريح من الاحتياطيات الأجنبية بلغ نحو 27.5 مليار دولار في نهاية تشرين الأول 2026، بما يكفي لتغطية مستوردات المملكة لنحو 8.8 أشهر، إلى جانب استقرار معدل التضخم عند 2.26% خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام، واستمرار تمتع القطاع المصرفي بمستويات مرتفعة من المتانة والملاءة المالية.
وقال ممثل قطاع الألبسة والمحيكات في غرفة صناعة الأردن، المهندس إيهاب قادري، إن توصل الأردن وصندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعتين الجديدتين لبرنامجي الإصلاح الاقتصادي والصلابة والاستدامة يشكل تطوراً مهماً في مسار الاقتصاد الوطني، تتجاوز دلالاته قيمة التمويل المتوقع إتاحته، والبالغة 294 مليون دولار بعد استكمال الموافقات اللازمة، إلى ما يمثله من دلالة على استمرار الثقة الدولية بالسياسات الاقتصادية والمالية والنقدية للمملكة، وقدرتها على المحافظة على الاستقرار رغم التحديات الإقليمية.
وأشار إلى أن الأهم في قراءة بيان الصندوق أنه لم يربط صمود الاقتصاد الأردني بالانضباط المالي والنقدي وحده، بل أشار بوضوح إلى الدور المتنامي للصناعات التحويلية والصادرات والخدمات اللوجستية وميناء العقبة والسياحة وتحويلات العاملين في دعم النشاط الاقتصادي، وهو ما انعكس في تسجيل نمو حقيقي بنسبة 3% خلال النصف الأول من عام 2026، وتراجع عجز الحساب الجاري، واستمرار احتواء التضخم، وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية.
وأضاف أن هذه المؤشرات تحمل دلالة اقتصادية مهمة، تتمثل في أن قدرة الأردن على مواجهة الصدمات بدأت تستند بصورة أوسع إلى أداء الاقتصاد الحقيقي، إلى جانب متانة القطاع المصرفي والاستقرار النقدي، وهو تطور ينبغي البناء عليه لتعزيز قدرة الاقتصاد على النمو من مصادر إنتاجية مستدامة، بدلاً من الاكتفاء بالمحافظة على توازنه في مواجهة الأزمات.
وبيّن قادري أن التحدي الاقتصادي الأعمق في المرحلة المقبلة يتمثل في تحقيق التوازن بين متطلبات الاستدامة المالية والحاجة إلى تسريع النمو وتوليد فرص العمل؛ فاستهداف خفض الدين العام إلى نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028 يتطلب ضبطاً مالياً مدروساً وتحسين كفاءة الإيرادات والإنفاق، لكنه يحتاج بالقدر ذاته إلى توسيع القاعدة الإنتاجية والاستثمارية للاقتصاد، لأن النمو المستدام يشكل أحد أهم العوامل الداعمة لقدرة الدولة على إدارة مديونيتها وتحسين أوضاعها المالية.
وأضاف أن الأهمية الاستراتيجية لمشاريع المياه والسكك الحديدية والبنية التحتية التي أشار إليها الصندوق تبرز من كونها لا تمثل مشاريع إنفاق رأسمالي فحسب، وإنما استثمارات يمكن أن تعالج اختناقات هيكلية في الاقتصاد، وتخفض كلف الإنتاج والنقل، وتحسن تنافسية الصناعة، وتحفز استثمارات القطاع الخاص. كما ينبغي أن تنعكس الإصلاحات المتعلقة بالتراخيص والمنافسة وسوق العمل والانتقال إلى الاقتصاد الرسمي بصورة ملموسة على بيئة الأعمال والإنتاجية والتشغيل، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي.
وذكر أن النجاح الحقيقي لبرامج الإصلاح لا يُقاس فقط باجتياز مراجعات صندوق النقد والمحافظة على المؤشرات المالية، وإنما بقدرتنا على تحويل الاستقرار الاقتصادي والثقة الدولية إلى استثمارات منتجة، ونمو أعلى، وفرص عمل أوسع، وتحسن مستدام في مستوى معيشة المواطنين.
وأشار الخبير الاقتصادي وجدي مخامرة إلى أن توصل الحكومة الأردنية وفريق خبراء صندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والمراجعة الثالثة لبرنامج تسهيل الصلابة والاستدامة يشكل تطوراً إيجابياً يعكس استمرار ثقة المؤسسات المالية الدولية بقدرة الاقتصاد الأردني على المحافظة على استقراره ومواجهة التحديات الإقليمية التي تشهدها المنطقة.
وأضاف أن أهمية الاتفاق تكمن في أنه جاء في ظل ظروف جيوسياسية معقدة وحالة من عدم اليقين الاقتصادي في المنطقة، الأمر الذي يعكس قدرة الأردن على المحافظة على توازناته الاقتصادية الكلية والاستمرار في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي رغم الضغوط الخارجية.
كما أشار مخامرة إلى أن إتاحة تمويل يعادل 294 مليون دولار، بعد استكمال إجراءات الموافقة من إدارة الصندوق ومجلسه التنفيذي، تعطي رسالة إيجابية للأسواق المالية والمستثمرين والشركاء الدوليين، وتعكس التزام الحكومة بالسياسات الاقتصادية المتفق عليها.
وأضاف أن استمرار ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، وسلامة القطاع المصرفي، والمحافظة على استقرار سعر صرف الدينار، تشكل عناصر أساسية في حماية الاستقرار النقدي وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.
وذكر أن تسجيل الاقتصاد الأردني نمواً حقيقياً بنسبة 3% خلال النصف الأول من عام 2026، رغم تداعيات الحرب الإقليمية، يعكس وجود قطاعات اقتصادية قادرة على تعويض جزء من آثار الصدمات الخارجية، وفي مقدمتها الصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية والنقل والزراعة والسياحة وتحويلات العاملين في الخارج.
وبيّن أن تنامي الدور اللوجستي لميناء العقبة يؤكد أهمية الموقع الاستراتيجي للأردن وقدرته على الاستفادة من إعادة تشكيل مسارات التجارة الإقليمية.
وأشار مخامرة إلى أنه على الرغم من نجاح الحكومة في تحقيق مستهدفات العجز الأولي، فإن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في ارتفاع الدين العام وكلفة خدمته، وضيق الحيز المالي المتاح للإنفاق التنموي. ويكتسب استهداف خفض العجز الأولي إلى 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي في موازنة 2027، والعمل على خفض الدين إلى نحو 80% بحلول عام 2028، أهمية كبيرة في تعزيز الاستدامة المالية.
وأضاف أن تحقيق هذه الأهداف يجب ألا يكون على حساب الإنفاق الرأسمالي والخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية، بل من خلال توسيع القاعدة الضريبية، ومكافحة التهرب والتجنب الضريبي، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، ومعالجة خسائر المرافق والشركات الحكومية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
وأضاف مخامرة أن التقدم في مشاريع كبرى، مثل مشروع الناقل الوطني وسكة حديد العقبة–الشيدية–معان، يمثل خطوة مهمة نحو معالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الأردني. فهذه المشاريع لا تقتصر أهميتها على تطوير البنية التحتية، بل تمتد إلى خفض كلف الإنتاج والنقل، وتحسين الأمن المائي، وتعزيز تنافسية الصادرات، وخلق فرص العمل، واستقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية. كما أن توحيد إجراءات التراخيص، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز المنافسة، تمثل متطلبات ضرورية لتحويل الاستقرار الاقتصادي إلى نمو يقوده الاستثمار والقطاع الخاص.
وأشار مخامرة إلى أنه، على الرغم من المؤشرات الإيجابية، لا يزال الاقتصاد الأردني معرضاً لتداعيات استمرار الحرب الإقليمية، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع النشاط السياحي أو الاستثماري في حال اتساع نطاق الصراع.
وقال الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد الحدب السرحان إن نجاح الأردن في اجتياز المراجعتين السادسة والثالثة لبرنامجي صندوق النقد الدولي، والتوصل إلى اتفاق يتيح تمويلاً بنحو 294 مليون دولار بعد استكمال الموافقات، يعكس متانة الإدارة الاقتصادية وقدرتها على المحافظة على الاستقرار رغم التحديات الإقليمية.
وأوضح أن أهمية الاتفاق تتجاوز التمويل المتوقع إلى تعزيز مصداقية السياسات الاقتصادية وتقليل المخاطر التي يأخذها المستثمرون والممولون الدوليون في حساباتهم.
وبيّن السرحان أن بلوغ الاحتياطيات الأجنبية نحو 27.5 مليار دولار في نهاية تشرين الأول، بما يغطي مستوردات المملكة لنحو 8.8 أشهر، يمثل أحد أهم مصادر القوة للاقتصاد الوطني، خصوصاً في ظل اضطرابات التجارة وأسعار الطاقة. وأشار إلى أن هذه الاحتياطيات تدعم الثقة بالدينار الأردني واستقرار سعر صرفه، وتمنح الاقتصاد قدرة أكبر على استيعاب الصدمات الخارجية دون اضطرابات حادة في الأسواق المالية.
وأشار السرحان إلى أن احتواء التضخم عند 2.26% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بالتزامن مع نمو الاقتصاد بنسبة 3% خلال النصف الأول، يعكس نجاح الأردن في المحافظة على توازن نسبي بين الاستقرار النقدي والنشاط الاقتصادي. إلا أن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار، ولذلك فإن تحسين القوة الشرائية للأسر يتطلب نمواً في الدخول وفرص العمل، إلى جانب المحافظة على استقرار الأسعار.
وقال السرحان إن إشادة الصندوق بمتانة القطاع المصرفي ووفرة السيولة وقوة الملاءة الرأسمالية تفتح المجال لتعزيز دور البنوك في تمويل الأنشطة الإنتاجية. واقترح التوسع في برامج ضمان القروض وتقاسم المخاطر مع المؤسسات التمويلية، خصوصاً للمشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة والشركات المصدرة، بما يساعد على تحويل جزء أكبر من السيولة المتاحة إلى استثمارات منتجة وفرص تشغيل.
وأوضح السرحان أن تحسن الحساب الجاري بدعم من الصادرات وتحويلات العاملين والسياحة يمثل تطوراً مهماً، لكنه يستدعي العمل على معالجة الاختلالات الهيكلية في التجارة الخارجية. فزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة المحلية، وتطوير الصناعات المغذية، وتقليل الاعتماد على مدخلات الإنتاج المستوردة، من شأنها تعظيم العائد من النمو الصناعي وتخفيف الضغط المستقبلي على الحساب الجاري.
وأضاف السرحان أن التزام الحكومة بخفض العجز الأولي إلى 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي في موازنة 2027، ومواصلة مسار تخفيض المديونية، يتطلب التركيز على كفاءة الإنفاق، وتحسين الامتثال الضريبي، والحد من خسائر المرافق العامة. وأشار إلى أن الضبط المالي ينبغي ألا يتحقق على حساب المشاريع الرأسمالية المنتجة أو الخدمات الأساسية، لأن إضعاف الاستثمار العام قد يحد من النمو والإيرادات المستقبلية.
وأشار السرحان إلى أن التقدم في المشاريع الاستراتيجية، وفي مقدمتها مشروع الناقل الوطني للمياه وسكة حديد العقبة، يوفر فرصة لربط الإصلاح المالي والنقدي بالإصلاح الاقتصادي الحقيقي. وبيّن أهمية استثمار هذه المشاريع في جذب شركات جديدة إلى المناطق الصناعية واللوجستية، وتطوير سلاسل التوريد المحلية، بحيث لا تتوقف آثارها عند أعمال الإنشاء، بل تمتد إلى خفض تكاليف الإنتاج وزيادة الصادرات.
وأشار السرحان إلى أن الإصلاحات المتعلقة بتوحيد إجراءات الترخيص وتعزيز المنافسة تستحق اهتماماً خاصاً، لأن المستثمر يحتاج إلى وضوح الإجراءات وسرعة اتخاذ القرار بقدر حاجته إلى الحوافز المالية. ودعا إلى وضع مدد زمنية ملزمة لإنجاز المعاملات الاستثمارية، ومراجعة التشريعات التي ترفع كلف الامتثال، بما يحسن بيئة الأعمال ويشجع الشركات المحلية على التوسع.
واختتم السرحان حديثه بالقول إن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يمثل نتيجة إيجابية للسياسات الاقتصادية الأردنية، لكنه في الوقت نفسه يضع مسؤولية أكبر على الجهات المعنية للاستفادة من الاستقرار المتحقق. وأوضح أن التحدي في المرحلة المقبلة لم يعد يقتصر على المحافظة على المؤشرات المالية والنقدية، وإنما يتمثل في رفع إنتاجية الاقتصاد، وزيادة استثمارات القطاع الخاص، وتحقيق نمو قادر على تخفيض البطالة وتحسين مستويات معيشة المواطنين.