خسارة «الجمهوري» تضع البيت الأبيض أمام تحديات سياسية
تحول بالمزاج السياسي الأميركي في ظل تنامي الاستياء الشعبي
الرئيس الأميركي: مستعدون للتعاون مع الحزب الديمقراطي
انتصارات انتخابية تكرس حضور الأقليات في الولايات المتحدة
حقق الحزب الديمقراطي الأميركي انتصاراً كبيراً في انتخابات التجديد النصفي، منتزعاً السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ من الجمهوريين، في ضربة سياسية قوية للرئيس دونالد ترامب، من شأنها أن تقيد أجندته التشريعية وتحد من قدرته على تمرير سياساته خلال العامين الأخيرين من ولايته الرئاسية.
وتعكس نتائج الانتخابات تحولاً واضحاً في المزاج السياسي الأميركي، في ظل تنامي الاستياء الشعبي من ارتفاع تكاليف المعيشة والرسوم الجمركية وتداعيات الحرب مع إيران، ولا سيما ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته، وهي عوامل أسهمت في تراجع مستويات التأييد الشعبي لترامب إلى أدنى مستوياتها.
عبدول السيد.. أول مسلم في «الشيوخ الأميركي»
ومن شأن سيطرة الديمقراطيين على المجلسين أن تمنحهم نفوذاً واسعاً في تعطيل التشريعات التي تدعمها الإدارة الجمهورية، وعرقلة تمرير التعيينات الحكومية والقضائية، فضلاً عن فتح المجال أمام إجراء تحقيقات رقابية في سياسات إدارة البيت الأبيض، بما فيها الحرب مع إيران وملفات الهجرة والاتهامات المتعلقة بالفساد.
وأقر ترامب بالنتائج، متبنياً نبرة تصالحية تجاه خصومه السياسيين، إذ قال في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»: «تهانينا للديمقراطيين، لقد أبلوا بلاء حسناً»، مؤكداً استعداده للعمل معهم والتوصل إلى تفاهمات بشأن عدد من الملفات.
لكنه رفض اعتبار النتائج هزيمة شخصية له، محملاً بعض مرشحي الحزب الجمهوري مسؤولية الإخفاق، ومشيراً إلى أن الحرب مع إيران أسهمت جزئياً في تراجع أداء حزبه. وفي الوقت ذاته، حذر من استخدام صلاحياته الرئاسية لنقض أي تشريعات يقرها الديمقراطيون ولا تتوافق مع توجهاته.
وفي واحدة من أبرز ملامح النتائج، تمكن الديمقراطيون من تحقيق اختراقات انتخابية في معاقل تقليدية للجمهوريين، شملت كارولاينا الجنوبية وكارولاينا الشمالية وأيوا وكانساس وأوهايو وماين، إضافة إلى مكاسب في بنسلفانيا وكنتاكي وأريزونا وويسكونسن ونيوجيرسي.
وشهدت الانتخابات مفاجآت بارزة، من بينها فوز الديمقراطية آني آندروز بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية كارولاينا الجنوبية، متغلبة على منافستها الجمهورية دارلين غراهام، المدعومة من ترامب، في ولاية لم يحقق فيها الديمقراطيون فوزاً بانتخابات مجلس الشيوخ منذ عام 1998.
كما فاز الحاكم السابق لولاية كارولاينا الشمالية روي كوبر بمقعد في مجلس الشيوخ، فيما حقق الديمقراطي آدم هاملتون فوزاً لافتاً في كانساس على السناتور الجمهوري روجر مارشال، ليصبح أول ديمقراطي يفوز بهذا المقعد منذ عام 1932.
وفي تكساس، فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو بسباق مجلس الشيوخ، فيما انتزع شيرود براون مقعداً في أوهايو بعد تغلبه على الجمهوري جون هاستيد، وفاز تروي جاكسون في ولاية مين على السناتورة الجمهورية المخضرمة سوزان كولينز.
وامتدت المكاسب الديمقراطية إلى ولايات أخرى، إذ احتفظ الحزب بمقاعد مهمة في مجلس الشيوخ، من بينها فوز جون أوسوف بولاية جديدة عن جورجيا، وانتخاب كريس باباس عن نيوهامبشر، ليصبح أول رجل مثلي الجنس علناً يفوز بعضوية مجلس الشيوخ الأميركي.
كما فاز عبدول السيد، وهو من أصول مصرية، بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن، ليصبح أول مسلم يصل إلى عضوية المجلس، في تطور يعكس تنامي حضور الأقليات في المؤسسات السياسية الأميركية.
وفي جورجيا، حققت كيشا لانس بوتومز فوزاً تاريخياً بمنصب الحاكم، لتصبح أول امرأة سوداء تتولى هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة، منهية بذلك 24 عاماً من السيطرة الجمهورية على المنصب في الولاية.
وشهدت الانتخابات كذلك اختراقات تاريخية أخرى، إذ فازت ديب هالاند بمنصب حاكمة ولاية نيو مكسيكو، لتصبح أول امرأة من السكان الأصليين تتولى منصب حاكم ولاية، فيما أصبحت بيغي فلاناغان أول امرأة من السكان الأصليين تفوز بعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية مينيسوتا.
كما فتحت النتائج الطريق أمام تولي زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز رئاسة المجلس، ليصبح، في حال انتخابه، أول أميركي من أصول إفريقية يشغل هذا المنصب، وهو ما يضيف بعداً تاريخياً آخر إلى نتائج الانتخابات.
ويرى مراقبون أن هذه المكاسب تمثل رفضاً شعبياً لسياسات ترامب وتوجهاته، إذ اعتبر الأستاذ في جامعة جورج واشنطن تود بلت أن النتائج تشكل «ضربة قاسية ورفضاً واضحاً لدونالد ترامب وسياساته».
وفي أول رد فعل إيراني على النتائج، قال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية مجتبى خامنئي إن التعويل على تغيير السياسات الأميركية نتيجة التبدلات الحزبية أو تقديم التنازلات لواشنطن يمثل خطأً، فيما وصف رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف التصويت الأميركي بأنه رسالة «لا للحرب».
ومن المتوقع أن تفتح السيطرة الديمقراطية على الكونغرس مرحلة جديدة من المواجهة السياسية بين البيت الأبيض والسلطة التشريعية، خصوصاً في ملفات السياسة الخارجية والهجرة والإنفاق الحكومي، وسط توقعات بتكثيف الرقابة والتحقيقات في أداء الإدارة الأميركية.
ورغم إعلانه الاستعداد للتعاون مع الديمقراطيين، ألمح ترامب إلى أن خسارة حزبه لن تدفعه إلى تغيير نهجه السياسي، بل قد تزيد من حدة مواجهته مع خصومه، في وقت يواجه فيه تحدياً متصاعداً يتمثل في إدارة ما تبقى من ولايته في ظل كونغرس يسيطر عليه الحزب المنافس.