أكد وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، أن اختيار قرية «حمود» في الكرك التي ما تزال تقبض على جرحها، وتضمّد روحها من أيدي الغدر والجبن، لإطلاق الدورة العشرين لمشروع مكتبة الأسرة الأردنية (مهرجان القراءة للجميع) تحت شعار «مكتبة لكل بيت»،يحمل دلالات فكرية ووطنية عميقة تعكس انتصار الوعي والمعرفة في مواجهة الجهل والإرهاب والتطرف.
وأضاف الوزير في كلمته خلال حفل الافتتاح الذي أقيم في جمعية حمود الخيرية بحضور فعاليات رسمية وثقافية ومجتمعية: «لقد اختاروا الإرهاب فخابوا وخسئوا، واخترنا الكتاب لتبقى جذوة النور هادياً ومرشداً لنا، واختاروا أن يطفئوا الحياة، واخترنا أن نفتح لها ألفا، ونرفع قنديلاً في مواجهة العتمة، وننحاز إلى الحرية في وجه الخوف، وإلى المواطنة في وجه الكراهية، وزاد لم نأتِ لنكتب خاتمة حزينة في تاريخ حمود، بل لنؤكد أن هذا التاريخ ما يزال مفتوحاً على الحياة.
وأشار إلى ان حمود تجسد بصمودها وتلاحمها قيم المواطنة الحقيقية التي جمعت الأردنيين جميعاً مسلمين ومسيحيين حين مسهم السوء، فإن الجرح الذي أصابها هو جرح في قلب الأردن كله،مشدداً على أن الثقافة ليست ترفاً، وأن الكتاب ليس زينة للبيوت، والمعرفة ليست امتيازاً لأحد، بل هي حق لكل أردني وأردنية ومسؤولية وطنية ننهض بها جميعا في إطار الرؤية الوطنية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، لصون هوية الأردن الإنسانية، وتعزيز المواطنة والاعتدال، وتوسيع فرص المعرفة أمام جميع الأردنيين.
واستذكر الوزير الجذور الثقافية والاجتماعية الممتدة للبلدة، لافتاً إلى أنه قبل أكثر من قرن، بادر أهل حمود بجهدهم ومالهم لبناء مدرسة شكلت وعياً مبكراً بأن بناء الإنسان يبدأ من المعرفة،مشيرا إلى أن هذه البيئة الولّادة رفدت المشهد الإبداعي بسيرة الروائي العربي الكبير غالب هلسا، الذي حمل في أدبه أسئلة الإنسان والحرية والمكان، وترك أثراً عميقاً تجاوز حدود الجغرافيا.
وشدد الوزير ان الوعي الأردني لم يصنعه صخب المدن وحدها، بل أسهمت في بنائه قرانا، ومعلموها، وقراؤها الأوائل، ومكتباتها الصغيرة التي أضاءت البيوت قناديل للمعرفة، موضحا أن مشروع مكتبة الأسرة ينطلق اليوم من حمود ليكون الكتاب قريباً من كل بيت، والمعرفة متاحة لكل أسرة، والقراءة عادة تتوارثها الأجيال.
وأعلن الوزير عن إقرار حزمة مشاريع ثقافية تشمل اطلاق جائزة حمود للرواية العربية واختيار «حمود» قرية للثقافة الأردنية 2027، وإقامة نصب تذكاري تكريما للشهداء وتخليدا لذكراهم الطيبة إلى جانب تأسيس مكتبة جديدة بالقرية، وتسمية شارع للثقافة ليحفظ ذاكرة المكان، ويحتفي برموزه الثقافية، ويستعيد حكايات أهله، ويجعل من الكتاب والفن والإبداع حضوراً في الحياة اليومية؛ شارعاً كما -قال الوزير -لا يحمل اسم الثقافة على لافتاته فحسب، بل يحمل رسالتها إلى الأجيال الجديدة، كتعبير عن حرص الحكومة على أن تظل حمود منارة للوعي، وأن يتحول تاريخها المضيء إلى مشروع ثقافي حي.
من جانبه، أكد مدير مشروع مكتبة الأسرة الأردنية في وزارة الثقافة الدكتور سالم الدهام، على الدور الجوهري للثقافة والمعرفة في تحصين العقول وبناء المجتمعات، مشبهاً العقول التي تبتعد عن الحق وتغلق أبوابها أمام المعرفة بـ «البيوت المغلقة التي يفسد هواؤها وتغيب عنها شمس العطاء».
وقال: «إن العقول التي تتجانف عن الحق وتلج في العتو هي بمثابة تلك البيوت المعزولة، مشدداً على أن «المعرفة الحقة هي الهواء النقي والنور السّني اللذان يهيئان الأرض لاستقبال غيث السماء الممتد دون انقطاع». وأضاف أن الله سبحانه وتعالى قد أمر البشر بعمارة الأرض، وترك بينه وبينهم حبلاً موصولاً مجدولاً بعصمة الأرواح وحرمة الدماء، ليربط الأرض بالسماء ويقيض لها الفيض بالحب والرضا، ويهدي الضالين إلى أصل النور ووحدة المشكاة.
واستذكر الدهام التضحيات الجسام التي قدمتها القرى الأردنية في سبيل رفعة الوطن والدفاع عن قضايا الأمة، مستشهداً بقرية «حمود» الوادعة والمؤمنة بوطنها وأمتها،مؤكدا أن هذه القرية قدمت كوكبة من الشهداء الأبرار في التاريخ الأردني، سواء في ثورة الكرك المجيدة المعروفة بـ «الهيّه»، أو في معارك الشرف والبطولة دفاعاً عن ثرى الأردني وفلسطين، لتبقى سيرتهم قصصاً تُتلى أذاناً تُسمع وقلوباً تعي معنى التضحية والفداء».
بدوره أكد رئيس جمعية حمود الخيرية، فارس الهلسه، أن إرادة أبناء قرية حمود وتصميمهم على الحياة والبناء أصلب من كل محاولات النيل من أمن الوطن واستقراره، مشدداً على أن الرد الأمثل على الإرهاب يكون بالتمسك بالعلم، والكرامة، والقيم الإنسانية.
واستهل الهلسه كلمة التي ألقاها باسم أبناء قرية حمود، باستذكار أرواح شهداء القرية، قائلاً: «نقف اليوم على أرض حمود الطاهرة (أم الشهداء)، التي عُمّدت بدمٍ زكي لتسعةٍ من خيرة شبابنا ورجالنا الذين ارتقوا شهداء إثر غدر إرهابي جبان».
وأضاف «نقف اليوم والوجع غضٌ في الصدور، لكن الإرادة أقوى من أن تنال منها يد الظلام؛ لقد أراد الإرهاب أن يزرع الموت والخوف في حمود، لكننا نرد عليه بالعمل والحياة والأمل».
وأشار رئيس الجمعية إلى أن محاولات النيل من تماسك المجتمع باءت بالفشل، مضيفاً: «أرادوا أن يسكتوا صوتنا ففتحنا الكتاب، وأرادوا أن يزرعوا الفتنة والفرقة بيننا فاجتمعنا على المحبة والوطن، وأرادوا أن يتركوا في المكان ذاكرة للموت، ونحن نصرّ على أن تبقى ذاكرة حمود للعلم والكرامة والإنسانية.. حمود تقرأ.. حمود تحيا».
وأوضح ان معركتنا مع الإرهاب والأفكار الهادمة، هي معركة وعي وهوية في المقام الأول،فالرصاصة الغادرة لا تنطلق إلا بعد أن تفخخ الفكرة الضالة العقول،وهنا يتجلى الكتاب كأقوى ترسانة فكرية تحارب وتحصن عقول الشباب ضد أوبئة التطرف والجهل والانفلات وتزرع الحياة حيثما أرادوا نشر الموت.
وأكد أن إطلاق مهرجان القراءة للجميع في حمود التي كانت منذ أكثر من قرن من الزمان منارة مشعة ومصدرا أصيلا للعلم والثقافة، يمثل رسالة حاسمة مفادها ان الرد على الإرهاب ليس بالسلاح فقط، بل يرتكز في الأساس على ضخ المعرفة والوعي في المكان الذي أراد الظلاميون إطفاء نوره، كما أنها رسالة وطنية في مواجهة كل من يحاول العبث بأمن الأردن ووحدته ونسيجه الاجتماعي.
واستهل حفل الافتتاح بوقوف الحضور دقيقة صمت وقراءة الفاتحة على أرواح شهداء قرية حمود وشهداء الوطن تقديرا وفاء لتضحياتهم.