أعاد بيان المركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم، بشأن دور المناهج المدرسية في تعزيز التسامح ومواجهة التطرف، تسليط الضوء على مسؤولية المنظومة التعليمية في بناء الوعي الوطني وتحصين الأجيال، مؤكدا أن المناهج الأردنية تستند إلى مرجعيات تربوية وقيمية ترسخ المواطنة والاعتدال واحترام الأديان والتنوع ونبذ التعصب والكراهية. ويطرح النقاش تساؤلات حول مدى انعكاس هذه القيم على وعي الطلبة وسلوكهم، وقدرة البيئة التعليمية على تحويلها إلى ممارسات يومية.
وقال الخبير التربوي والمستشار السابق في وزارة التربية والتعليم، فيصل تايه، إن الحكم المنصف على المناهج يتطلب قراءة شاملة لمحتواها والاحتكام إلى الأدلة والمعايير التربوية، بعيدا عن الانطباعات والأحكام المجتزأة، مشددا على أن نجاح المؤسسات التربوية لا يقاس بسلامة الكتب والمقررات فحسب، بل بقدرتها على تحويل أهدافها إلى نتائج ملموسة في شخصية المتعلم وسلوكه.
وأضاف في حديث لـ «الرأي» أن تطوير المناهج يجب أن يراعي خصائص النمو وقدرات الطلبة واحتياجاتهم العمرية، والتدرج المعرفي، ومخرجات التعلم، والمراجعة العلمية والتجريب الميداني، بما يعزز الفهم والتفكير والإبداع بدلا من تراكم المعلومات.
ولفت إلى أن أثر المناهج يرتبط بفاعلية تطبيقها داخل الغرفة الصفية، مبينا أن استمرار التلقين والحفظ يحد من قدرة الطلبة على التحليل والتفكير النقدي، وأن الحوار وقبول الاختلاف يكتسبان من خلال بيئة صفية آمنة تتيح التساؤل ومناقشة الأفكار واحترام الآراء، في ظل اتساع تأثير الفضاء الرقمي.
وأكد أن المدرسة بيئة اجتماعية وتربوية لبناء الشخصية والوعي، ما يستدعي تعزيز دور الإدارة المدرسية في ترسيخ الانتماء ومواجهة التنمر والإقصاء واحترام التنوع، ووضع المعلم في قلب العملية باعتباره مربيا وصانعا للوعي، مع تطوير برامج إعداده وتأهيله، وتفعيل الإشراف التربوي في التوجيه الميداني وقياس جودة التدريس.
وعلى مستوى المسؤولية الوطنية، شدد تايه على أن حماية الناشئة من التطرف مسؤولية تكاملية تبدأ من الأسرة، وتشمل المؤسسات الدينية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف ودائرتا الإفتاء العام وقاضي القضاة، إلى جانب الجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، بما يعزز الاعتدال وينشر المعرفة الموثوقة ويواجه التضليل وخطاب الكراهية، ضمن تنسيق مؤسسي واضح.
وطرح توصية بإطلاق إطار وطني تشاركي لقياس وتقييم الأثر القيمي والسلوكي للمناهج والمنظومة التعليمية، بمشاركة الجهات التربوية والدينية والاجتماعية، بحيث يتجاوز قياس التحصيل المعرفي إلى رصد انعكاس القيم على وعي الطلبة واتجاهاتهم وممارساتهم.
ويقوم الإطار، وفق تايه، على تحديد منظومة وطنية للقيم تشمل المواطنة والانتماء والاعتدال والتسامح واحترام التنوع وقبول الاختلاف والتفكير الناقد والمسؤولية وسيادة القانون ونبذ العنف، وتطوير مؤشرات علمية تراعي المراحل العمرية والبيئات التعليمية، وإصدار تقارير دورية تحدد الفجوات وتقدم توصيات عملية لصانع القرار.
وشدد على ضرورة أن يستند التقييم إلى منهجية علمية تحافظ على حقوق الطلبة وكرامتهم، وألا يتحول إلى أداة لتصنيفهم، بل وسيلة لتطوير البيئة التعليمية ومعالجة أوجه القصور.
ورأى أن المرحلة المقبلة تتطلب اهتماما حكوميا ومؤسسيا مباشرا ببناء الوعي وحماية الأجيال، باعتبارهما مسؤولية استراتيجية ترتبط بالأمن الفكري والتماسك المجتمعي، والانتقال من ردود الفعل إلى التخطيط الوقائي، ومن الدفاع النظري عن المنظومة إلى تطوير أدائها وقياس نتائجها.