اختتمت وزارة الثقافة، مساء الجمعة، في المركز الثقافي الملكي، فعاليات مهرجان المسرح الأردني للمحترفين، بإعلان نتائج المسابقة الرسمية وجملة من التوصيات التي وضعتها لجنة التحكيم لتطوير الحركة المسرحية الوطنية، وفي مقدمتها تحويل المهرجان إلى مشروع ثقافي مستدام يمتد على مدار العام، ولا يقتصر على إقامة عروض موسمية.
وجاء حفل الختام، الذي أقيم برعاية وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، مندوباً عنه أمين عام الوزارة الدكتور نضال الأحمد، بحضور نقيب الفنانين الأردنيين الدكتور هاني الجراح، ومدير مديرية المسرح والفنون ومدير المهرجان المخرج إسحاق ياسين، إلى جانب حشد من الفنانين والمثقفين والمهتمين بالشأن المسرحي.
وشهدت المسابقة الرسمية تتويج مسرحية «كما لا تعاش» لدانا أبو لبن بحضور لافت في قائمة الجوائز، إذ نالت أبو لبن جائزتي أفضل عمل متكامل وأفضل إخراج، فيما ذهبت جائزة أفضل ممثل إلى المثنى القواسمة، وجائزة أفضل ممثلة إلى بتول الضمور، عن أدائهما في العمل ذاته.
كما حصد فريق المسرحية، الذي ضم دانا أبو لبن والمعتمد المناصير ومعتز كرامة، جائزة أفضل سينوغرافيا، في حين فاز عبد الرزاق مطرية بجائزة أفضل موسيقى، التي حملت اسم الفنان الراحل مراد دمرجيان، ونال الدكتور إياد الريموني جائزة أفضل نص مسرحي عن مسرحية «خريف نسائي».
وفي قراءة لمخرجات الدورة، لم تقتصر توصيات لجنة التحكيم على تقييم العروض المشاركة، بل اتجهت إلى طرح مسارات عملية للنهوض بالمسرح الأردني، انطلاقاً من ضرورة بناء مشروع متكامل يربط الإنتاج بالتدريب والتأهيل والعروض واللقاءات النقدية، ويمنح التجارب المسرحية فرصاً متواصلة للنمو والتفاعل مع الجمهور.
وقال رئيس لجنة التحكيم الفنان حابس حسين، خلال حفل الاختتام، إن الارتقاء بالمسرح يستدعي رؤية تتجاوز الإطار التقليدي للمهرجانات، وتتجه نحو تأسيس حراك مسرحي مستمر، يوفر للفنانين والمبدعين بيئة تسمح بتطوير تجاربهم واختبار إمكاناتهم الفنية أمام الجمهور.
وأكدت اللجنة أهمية إعادة الاعتبار للكتابة المسرحية باعتبارها المرتكز الأساسي للعمل الدرامي، داعية إلى تأسيس مختبرات متخصصة لتطوير النصوص وتأهيل الكتاب، وفتح المجال أمام المواهب الشابة لتقديم أعمال تتجاوز المباشرة والخطابة، نحو بناء درامي أكثر عمقاً وثراءً.
وفي الجانب التقني والجمالي، شددت التوصيات على ضرورة تطوير عناصر العرض المسرحي، بما فيها الإضاءة والصوت والموسيقى والمؤثرات البصرية، إلى جانب استكمال التجارب التي تحتاج إلى معالجة فنية وتقنية، والاستفادة من الخبرات الأردنية والعربية المتخصصة.
كما دعت إلى التعامل مع السينوغرافيا والفضاء المسرحي باعتبارهما عنصرين أساسيين في تشكيل الدلالة الدرامية، وليس مجرد إضافات جمالية، موضحة أن قيمة الخشبة لا ترتبط بعدد الأدوات المستخدمة فوقها، بقدر ما تتصل بما تنتجه من صور ودلالات وتفتح أمام المتلقي من مساحات للخيال والتأويل.
وأفردت اللجنة اهتماماً خاصاً للممثل، مؤكدة ضرورة استعادة مكانته بوصفه محور العملية المسرحية وروحها، والعمل على تطوير أدواته في بناء الشخصية وتشكيل الفعل الدرامي، وتعميق علاقته بالفضاء المسرحي والجمهور، من خلال برامج تدريب متقدمة تقوم على البحث والتجريب والعمل الجماعي.
وعلى صعيد توسيع قاعدة الإنتاج، دعت التوصيات إلى توزيع الفرص المسرحية بصورة أكثر شمولاً على محافظات المملكة، من خلال دعم الفرق المستقلة والناشئة، وتفعيل دور المراكز الثقافية والمسارح الجامعية، وتوفير بيئات إنتاج وعرض تتيح للمواهب المحلية الوصول إلى جمهور أوسع، بعيداً عن تركّز النشاط في نطاق جغرافي أو مؤسسي محدود.
وفي سياق الحفاظ على الذاكرة المسرحية الوطنية، أوصت اللجنة بإنشاء أرشيف أردني رقمي شامل، يتولى توثيق النصوص والعروض والتجارب المسرحية وروادها ومراحل تطورها، ويضع مواده في متناول الباحثين والدارسين والأجيال الجديدة، بالتوازي مع دعم النقد المسرحي الجاد وتعزيز حضور البحث والتوثيق في المشهد الثقافي.
ولضمان انتقال هذه المقترحات من إطار التوصيات إلى حيز التنفيذ، شددت اللجنة على ضرورة وضع آلية متابعة تجمع وزارة الثقافة والمؤسسات المعنية والفرق المسرحية والمختصين، تتولى تحديد الأولويات والمسؤوليات والجداول الزمنية، إلى جانب اعتماد مؤشرات واضحة لقياس مستوى الإنجاز وتقييم النتائج.
وفي ختام حديثه، أكد حسين أن النهوض بالمسرح لا يمكن أن يتحقق عبر المهرجانات وحدها، بل يحتاج إلى رؤية ثقافية متكاملة وإرادة مؤسسية واستثمار حقيقي في الإنسان والمبدع، بما يتيح للتجارب المسرحية فرص التطور والوصول إلى جمهورها، ويجعل من المسرح مساحة حية لصناعة الوعي وصون الذاكرة والاحتفاء بالحياة واستشراف المستقبل.
وكانت فعاليات المهرجان قد انطلقت في التاسع عشر من تشرين الأول الحالي على خشبة المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي، بمشاركة مجموعة من الأعمال المسرحية الأردنية، هي: «جزيرة وسطية» لكرم الزواهرة، و«تمرين على الحرية» لفراس المصري، و«في انتظار الخلاص» للدكتور يحيى البشتاوي، و«خريف نسائي» للدكتور إياد الريموني، و«كما لا تعاش» لدانا أبو لبن، و«الكراسي» للدكتورة مجد القصص، و«كون» لهشام سويدان.
ورافقت العروض ندوات تطبيقية أقيمت على المسرح الدائري في المركز الثقافي الملكي، بمشاركة نقاد وفنانين ومختصين، تناولت التجارب المقدمة وناقشت أبعادها الفنية والجمالية، وأتاحت مساحة للحوار بين صناع العروض والجمهور.
ويأتي تنظيم المهرجان ضمن جهود وزارة الثقافة لتطوير الموسم المسرحي الأردني، ودعم الإنتاج المحترف، وتوفير منصات لعرض التجارب المحلية، وتعزيز فرص التبادل المعرفي والنقدي بين العاملين في القطاع، بما يرسخ حضور المسرح باعتباره أحد المكونات الأساسية للحياة الثقافية ووسيلة للتعبير عن قضايا المجتمع وتحولاته.