قدمت الفعالية الثانية في الموسم المسرحي الأردني للمحترفين، «تمرين على الحرية». من فكرة فراس زقطان، وتأليف هاني الخالدي، ومن إخراج وسينوغرافيا فراس المصري.
وكانت فعاليات الموسم، المقدم في الفترة 19-26 من الشهر الجاري، على مسرح هاني صنوبر، ومحمود أبو غريب، في المركز الثقافي الملكي، قد أوقفت لمدة ثلاثة أيام حداداً على أرواح شهداء الحادث الإرهابي في قرية الحمود في الكرك.
انطلقت أحداث المسرحية، التي وضع الموسيقى والألحان لها عبدالرزاق مطرية، مع انكشاف المسرح على أربعة شخوص، وجدت نفسها في فضاء مغلق. جسدها كل من أحمد الجيزاوي، وطارق التميمي، وسلسبيلا، ونغم بطارسة. وتعلن هذه الشخوص، اندهاشها وتفاجأها من واقعها الذي آلت إليه؛ فغدت تسأل نفسها وتسأل من حولها، عن كيفة وصولهم لهذا المكان، ولماذا حجزوا في مكان ضيق مغلق لا يستطيعون مغادرته، ملزمون حتى يظلوا أحياء، أن يديروا قرصًا معدنيًا مثبتًا في بؤرة المسرح، إذ إن دوران هذا القرص يضمن تدفّق الأكسجين إلى هذا الفضاء الذي وجدوا أنفسهم محجوزين فيه، في حين أن توقفهم عن دفعه إلى الحركة يعني موتهم اختناقًا، نتيجة انقطاع الأكسجين عنهم.
وفي الأحداث اللاحقة، تبدأ الإجابات عن الأسئلة التي طرحتها الشخوص الأربعة في الظهور، فتنكشف سلطة مجهولة تقف وراء احتجازهم، بل تبدأ هذه السلطة بمحاولة ترويضهم. وفي النهاية، يستسلم ثلاثة من الشخوص لاشتراطات تلك السلطة المجهولة، أملًا في الخروج من هذا المأزق وضمان سلامتهم الشخصية، بعدما أعلنوا موافقتهم على تغيير طبائعهم، والتنازل عن حرياتهم، وكشف خصوصياتهم، تحت وطأة أساليب الترغيب والترهيب. أما الشخصية الرابعة، فتختار الحرية، حتى لو كان ثمنها الموت، على أن تذعن لمطالب هذه السلطة.
اقترب الفضاء المسرحي، في المشاهد الأولى، من الفضاء العبثي، ولا سيما من خلال نشوء حالة من العجز عن فهم ما يدور حول الشخوص، وصولًا إلى شعورهم، بل يقينهم، بأنهم سيظلون محجوزين في هذا الفضاء، دون أن تلوح في الأفق أي إمكانية للخروج من المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه.
وقد أسهم وجود القرص المعدني الضخم، وتفاعل أداء الممثلين مع مدلولاته، في إضفاء معنى دلالي على حركة القرص ودوره في إنقاذ الشخوص من الموت اختناقًا، الأمر الذي أرسى مفهوم السيميائية في الفضاء المسرحي، من خلال تحوّل هذه الكتلة المادية إلى علامة ذات دلالات تتجاوز وجودها المادي، لتغدو مرتبطة ببقاء الشخوص على قيد الحياة.
مما عمق كل ذلك، بأن هذا الفضاء عبثي، إذ تتضاءل فيه قوة الشخوص وتغدو ضعيفة أمام مدلولات هذه الكتلة التي تكمن فيها نجاتهم؛ فيظل همّهم منصبًّا على إبقائها في حالة دوران، وهم متشبثون بها.
لكن هذه السيميائية، التي أسهمت في ظهور الفضاء العبثي، ما لبثت، بعد ظهور سلطة تتحكم في الشخوص، أن انزاحت لصالح فضاء آخر، تمظهر في صورة فضاء اجتماعي واقعي، راحت الشخوص تبحث فيه عن مصالحها، تمامًا كما هي الحال في الواقع المعاش.
وبالتالي، نستطيع القول إن هذا العرض جاء ردّ فعل على هيمنة قيم القبح المرتبطة بالأنماط الاستهلاكية الرأسمالية، التي تهيمن على الحياة الاجتماعية والثقافية لطبقات وفئات واسعة في غالبية مدن العالم، وليس في مجتمعاتنا وحدها. غير أن هذا الخضوع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي لم يعد يُفرض، كما في السابق، بالقوة القهرية، سواء من خلال التلويح بالحروب أو فرض العقوبات الاقتصادية.
وإنما بات يتحقق بفعل «القوة الناعمة»، من خلال تغيير مناهج التعليم المدرسية والأكاديمية، فضلًا عن القوة الهائلة الضاغطة التي تمارسها منصات الإعلام الرقمي المعولم، والتي أحدثت، إلى حدٍّ بعيد، تحولات كبرى في سرديات مجتمعات الجنوب العالمي، بما يخدم سرديات الشمال العالمي.
وكان مخرج مسرحية «تمارين على الحرية»، فراس المصري، قد أشار في الندوة التعقيبية التي أُقيمت عقب العرض، متحدثًا عن مدلولات السلطة التي حاصرت الشخوص في المسرحية، «إلى أنهم في الواقع يعرفون كل شيء عنا، وأن خصوصيتنا الشخصية لم تعد بمنأى عن الاختراق بفعل تكنولوجيا المعلومات، بل إن تأثيرهم يمتد، بحسب ما أشار إليه، إلى نوعية المواد الغذائية التي نتناولها، حتى إنهم يطعموننا مواد غذائية غير صحية».
"فضلًا عن أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأنا نعتمد عليه في تعاملاتنا اليومية إلى حدّ الإدمان، ليس سوى نسخة قديمة من التقنيات التي يمتلكونها، في حين يحتفظون لأنفسهم بتقنيات أكثر تطورًا وذكاءً من تلك التي أتاحوها لنا. لذلك، ينبغي أن نكون أكثر وعيًا وإدراكًا لما يدور حولنا».