((الكراسي)) ليوجين يونسكو على مسرح ((الثقافي الملكي))

تاريخ النشر : الأحد 12:07 1-11-2026
No Image

في اليوم قبل الأخير من مهرجان المسرح الأردني للمحترفين على مسرح المركز الثقافي الملكي في عمان، قدمت المخرجة المسرحية القديرة أ. د. مجد القصص مسرحية «الكراسي» من أدب اللامعقول، «مسرح العبث»، للمؤلف المسرحي العبثي، الروماني الفرنسي يوجين يونسكو، والتي كان قد تم عرضها لأول مرّة في باريس على خشبة «مسرح لانكري» عام 1952.

كان الحضور العمّاني لمسرحية «الكراسي» في هذا المهرجان 2026 مكتظاً ربما بضِعف عدد كراسي المسرح الكبير، مما يؤكد حُبّ الأردنيين العرب لمشاهدة المسرح «المحرومين» من استمراره يومياً في مسارحنا الرائعة التجهيز. ومنذ دخولنا قاعة المسرح الكبير، وقبل أن يبدأ العرض، كان الضباب الكثيف يعبق الجو، ربما قصدت به مجد أن يعطينا جواً افتراضياً قابضاً للنفس، وعلى المدى كنا نشاهد بحراً متلاطماً، وجزيرة أو شاطئاً بعيداً عن حركة المدينة، وفي الفضاء البعيد كان الرسام الإسباني السريالي الشهير سلفادور دالي ذو الشوارب الرفيعة الطويلة المرفوعة لأعلى يُطلُّ علينا، والذي كان من أشهر أعماله: لوحة «إصرار الذاكرة» التي تحتوي على الساعات الذائبة الشهيرة. التي رسمها عام 1931 بعدة عناصر فريدة جعلتها أيقونة الفن السريالي، حيث الفكرة الأبرز في اللوحة هي الساعات الرخوة التي تشبه الجبن المذاب وهي تتدلى بمرونة على فرع شجرة يابس، فجعلها ذكاء المخرجة مجد القصص تتأرجح مرتفعة على سطح مستوٍ وسط أمواج البحر، مما يعكس فكرة انسياب الزمن من بين أيدينا وعدم ثباته، حسب نظرية أينشتاين، حيث يفقد الزمن ثباته، ليكون قابلاً للتمدد والقصر.

ومنذ البداية نشاهد زوجين كبيرين في السن وهما الشخصيتان الرئيستان في المسرحية، لم نعرف اسم الرجل، رغم أننا عرفنا اسم المرأة سميرميس، حيث يكرر زوجها مناداة لها بهذا الاسم، ولا نفهم من حديثه معها سوى عبارة: «اشربي شاي» فنجدها تشرب الشاي على صوت «طرقعة» وكأن مسيرة الحياة لا يتخللها سوى طرقعة الكلام الفارغ كما طرقعة شرب الشاي، وتدريجياً تتكاثر شخصيات غير معروفة حولهما، كان أبرزها رجل خطيب لا نعرف اسمه ولا من أرسله، أو لماذا هو وليس غيره المُتصدِّر لمنصة الخطابة، تماماً كما نلاحظهم دائماً يرفعون شخصاً، يجعلونه مُفكرَ القوم، وعبقري زمانه، ويسلطون عليه كل الإعلام، بينما يتجاهلون شخصاً معارضاً يستحثهم على الصحو والانتباه للكارثة، بينما هم لا يريدون التغيير، إذ نجد هذا المفكر يحاول أن يلقي خطاباً ولكننا نكتشف أنه أخرس، أو ممنوع من الخطابة، ومن الحوار السخيف الذي يجري بين الزوجين، نفهم أنهما يعيشان في هذه الجزيرة البعيدة، وكأنهما يعيشان في عزلة، فيوحيان لنا بأن الإنسان رغم الثمانية مليار حوله، إلا أنه «معزول معزول معزوووول يا ولدي»–مع الاعتذار لنزار قباني- نسمعهما يتحاوران فنفهم من حديثهما السخيف أنهما وحيدان، يتحدثان مع بعضهما بتكرار ممل وعشوائي، مع استرجاعات مشوشة للذكريات، إذ يسألها: «هل تتذكري؟»، ماذا تتذكر؟ هي لا تتذكر شيئاً، ولكنها تقول له: «نعم أتذكر». ورغم هذا التيه الفكري والمعرفي، يشعر الزوج بأن لديه «رسالة مهمة» يريد إيصالها للعالم، رسالة للبشرية، لكنه غير قادر على التعبير عنها بمضمون فكري مفهوم، وحتى لو كان قادراً، فإن رسالته محجوبة أو ممنوعة عن الوصول للآخرين بقُدرة قادر، والزوجة تبدو متفهِّمة لمغزى زوجها، وداعمة لمحاولته توصيل رسالته، لكنها تعيش أيضًا في عدم القدرة على التعبير عما تريد.

ونلاحظ أن الزوجين يُحَضّران لجمهور غير موجود، ويشعران بأن سعادتهما هلّت بعد أن أعدّا كل شيء، رغم أننا لا نشاهد أي شيء. و"الغاية هي تسليط الضوء على حياة تُبنى على الفراغ، رغم كونها مليئة بالحركة والضجيج».

ومع قدوم ضيوف كثيرين نفهم أن تكاثر الناس في المجتمع «المزدحمين» في خيال العجوزين- حسب يونسكو، والذين جعلتهم المخرجة موجودين بشكل لافت للنظر، حيث الملابس الجميلة، المزركشة، الزاهية متعاكسة الألوان، الجاذبة للنظر، والحركات القافزة المتنططة الفرحة المرحة هنا وهناك، والتي تعني أن الناس يظهرون سعداء وفرحين بمعطياتهم، تتكاثر الكراسي لاستيعاب القادمين من البشر، فتصبح الساحة مزدحمة تمامًا بالكراسي التي بدل أن يجلس عليها النشء الجديد، نجد أن الخطيب قد اعتلاها وراح يدوس عليها بلا اهتمام، وكأنه يدوس على رؤوس المواطنين بكل عجرفة وتكبُّر، رافعاً رأسه، مُعتقداً أنه عبقري زمانه المتميز عن بقية أفراد المجتمع. والكراسي المفرغة من جلوسها ترمز إلى سيطرة الخطيب على المقاعد، رغم أنه أخرس، وذلك رمز للوجود الزائف للمواطن.

وبينما يتم الحوار المختلف والتفاعل الفوضوي بين أفراد المجتمع، يحاول الخطيب أن يلقي محاضرته، وهي خلاصة الخبرات التي أراد الزوجان العجوزان تقديمها للمجتمع، فنفهم أن هذا الخطيبَ عاجزٌ عن التوصيل والتواصل معهم. وهنا تضيف المخرجة بعض الأغاني الشعبية الأردنية، لتجعلنا نشعر بِمَحَلِّية مسرحية تخصنا أحداثها، إذ نشاهد الناس وهم يعيشون ويتحدثون ويتفاعلون ويحبّون ويكرهون، وقد يفعل بعضهم ما نسميه الخيانة الزوجية، وهم ينشطون متفاعلين حول الشخصيتين المذكورتين، بينما ينتظر هذا المجتمع سماع خطاب «الخطيب» الذي اختير لتوصيل تلك الرسالة.

ومما نلاحظه أنه كلما زاد عدد الكراسي، زادت العزلة بين الناس، وهذه حقيقة، فاليوم كل وسائل التواصل الخلوي والإنترنت والتلفزة الفضائية والمواصلات الأرضية والفضاية الزائدة عن الاحتمال، جعلت وصول المعرفة والرسائل بين الناس أقل بكثير مما كانت في السابق، حيث التواصل شبه مقطوع بين الناس. حتى أن صديقك لا يكلمك إلا بالرسائل النصية المقتضبة، هذا إذا أجابك. وللمثال على ذلك نشاهد أنه كلما زادت روابط الاتحاد بين دول أوروبا مثلاً، نجد شعب كل دولة لا يمكن أن يتحدث بغير لغة وطنه، ونجد أن التواصل موجود ولكن التفاهم شبه معدوم بين الشعوب. ولهذا نجد الحروب تزداد وتتفاقم، وكما قال سعد زغلول «مفيش فايدة» هذه هي فكرة المسرحية، إننا مهما حاولنا أن نكتب ونؤلف الأفكار والأناشيد والأعمال العظيمة، ونصل بمركباتنا الفضائية إلى المجرات البعيدة، إلا أننا نتراجع في التفاهم والتواؤم والمحبة، لدرجة نستأجر الإنسان الآلي والذكاء الاصطناعي ليقوم بالمهمة.

ورغم أن الأحداث تتم على الأرض، إلا أن المكان بعيد في جزيرة محاطة بأمواج البحار، مما يرمز إلى غرابة الإنسان في عالم مكتظ بأناس يعيشون بلا تفاهم ولا تواصل وحيث لا سعادة. ورغم أن ترجمة اللغة الفورية متاحة في كل مكان، إلا أن هذه السهولة فشلت في توصيل التفاهم عبر اللغة القادرة على التعبير عن الهدف.

والمسرحية الأصلية تنتهي بستارة تُغلق على جمهور «غير موجود»، إلا أن المخرجة أرادته أن يكون موجوداً، رغم أنه تائه ولا يفهم كيف يتواصل أفراده مع الآخرين. فنفهم منها أن الحياة تستمر في الأكل والشرب بطريقة العبث واللامعقول، والعيش في الفراغ، رغم الوجود الموجود.

ولتوصيل فكرة المسرحية، كانت لغة يونسكو محطّمة، ومكررة، وبلا منطق، والحوارات غير منسجمة مع الآخر، ومليئة بالتناقض، والتكرار، واللاجدوى، والرسالة الغامضة، مما يؤكد عبث المعنى، وأنه لا توجد حقيقة يمكن توصيلها،وحتى لو وُجدت، فهي غير ممكنة الوصول إلى الآخر، مما يُشعرنا أن كل هذا الكون الممتلىء هو فراغ في فراغ.

وهذه المسرحية تنسجم مع الفلسفة العدمية والعبث، كما في أعمال الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور «1813–1855»، والذي يُعرف بأنه «أبو الفلسفة الوجودية» وتميزت كتاباته بالتركيز على تجربة الفرد الذاتية، ومشاعر القلق والاغتراب، وأيضاً كتابات ألبير كامو، وسارتر من الفلسفة الوجودية التي تصوّر الإنسان في عالم لا معنى له، فتجعله يحاول ملء فراغه بالوهم، بالفن، أو بالخطابات التي لا يهتم بها أحد.

ونحن نلاحظ أن كل كتاباتنا تدور في فلك واحد، ولا تتعدى أفكار ملحمة جلجامش والوصايا الكنعانية السبع، والإلياذة والأوديسة، ومعطيات ألف ليلة وليلة وغيرها من الكتب عبر العصور، والتي كلها فشلت في وقف الاقتتال والحروب بين الناس، ورغم أن كل شيء قد قيل، إلا أنه وكأنه لم يُقل أبداً، فصراع قابيل مع أخيه هابيل يتكرر اليوم بين الرأسمالية المتوحشة والشعوب الثرية بكنوز الطبيعة، كما نراه اليوم في اعتداء الغرب على الشرق.

والمسرحية تكشف هشاشة الإنسان أمام الصمت الكوني، كما نراه اليوم في بلادنا الموبوءة بالحرب. وكأنها تقول: «في عالم يُفترض أن نعرف فيه كل شيء، يصبح «القارئ والجاهل واحد» مع التصرف.

وبعد أن امتلأت الخشبة بكراسي فارغة، بسكان المعمورة، وظهر الخطيب الأبكم، ينهار البناء كله، انتحر الزوجان بالقفز في البحر، يائسين من عدم القدرة على توصيل رسالتهما للناس. إنها عبثية الحياة بالموت.

وهكذا نرى أن مسرحية «الكراسي» تقدم لنا فكرة ذهنية وفلسفية مؤداها أننا نعيش العبث واللامعنى بكل أبعاده. وأن الإنسان مهما حاول أن يفعل شيئاً يخدم البشرية إلا أنه يفقد قدرته على توصيل أفكاره أو التأثير بالعمل على تطوير حياة المجتمع، فيعيش محاولاً، ولكنه يبوء بالفشل، بينما تستمر الحياة، ولكنه يفقد إيمانه بوجود معنى أو حقيقة يمكن نقلها.

وهنا نجد أن يوجين يونسكو يستخدم المسرح نفسه كأداة لفضح الحياة الإنسانية غير القادرة على الدفع نحو الأمام، وفضح التصنّع والادّعاء في عالم يتظاهر بأنه «يعرف ويستطيع» لكنه لا يعرف ولا يستطيع شيئًا، إذ نجد أن كل شيء يُبنى لإيصال «رسالة مفيدة» ولكنها لا تصل إلى أحد، ولو وصلت فلا يُعبِّرها أحد، فيحاول الإنسان أن يملأ حياته بخطابة الكلام الفارغ، وبرسائل التواصل، والعمل. لكن هذا كله عبثي لا يُرتجى منه شيئاً.

الغاية من مسرحية الكراسي إشعار القارئ أو المشاهد بـالعبث، والوحدة، وفشل التواصل، وخيبة الإنسان أمام الكون، وكأنها تقول لك، بصوت خافت: «لا شيء يهم».

ويبقى أن أقول أن يوجين يونسكو 1994- 1909 هو كاتب ومسرحي فرنسي-روماني، وأحد أبرز رموز مسرح العبث، الذي ظهر في منتصف القرن العشرين، بعد الحرب العالمية الثانية كرد فعل لدمار الحربين العالميتين. يضاف إلى رعيل مسرحيي العبث ومنهم: الإيرلندي صمؤيل بيكيت، والفرنسي ألبير كامو، والبريطاني هارولد بنتر، والإسباني فرناندو أرابال، والفرنسي الروسي آرتو أداموف، وآخرين.

روائي وقصصي ومسرحي.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }