أعادت الأحداث التي شهدتها محافظة الكرك أمس أهمية التنشئة الاجتماعية إلى واجهة النقاش حول دور التربية في ترسيخ قيم التسامح واحترام الآخر، وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش داخل المجتمع.
وبينما تتطلب مثل هذه الأحداث التريث في قراءة أسبابها ودوافعها، فإنها تفتح المجال أمام تسليط الضوء على دور الأسرة والمدرسة في بناء وعي الأطفال والطلبة، وتنمية قدرتهم على تقبّل الاختلاف ورفض التعصب والإقصاء.
فالتنشئة السليمة لا تقتصر على غرس القيم الإيجابية، بل تسهم أيضاً في بناء شخصية متوازنة قادرة على الحوار والتعامل المسؤول مع الآخرين، بما يعزز تماسك المجتمع ويحمي نسيجه الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أكد التربوي فيصل تايه أن التنشئة السليمة للأطفال والطلبة تمثل ركيزة أساسية في بناء المجتمعات المتماسكة، لما لها من دور في ترسيخ منظومة القيم، وتعزيز احترام الإنسان وكرامته، وتنمية القدرة على التعامل مع الاختلاف بوعي ومسؤولية.
وقال تايه، في حديث إلى «الرأي»، إن التنشئة السليمة لا تقتصر على تعليم الطفل السلوك الصحيح أو تزويده بالمعارف والمهارات، بل تمتد إلى تشكيل نظرته إلى نفسه والآخرين، وتعزيز قدرته على بناء علاقات إيجابية والمشاركة في مجتمع يقوم على التعددية والتعاون.
وأضاف أن قبول الآخر لا ينبغي أن يُقدَّم للأطفال بوصفه شعاراً أخلاقياً أو توجيهاً عابراً، وإنما قيمة تُكتسب من خلال المواقف اليومية داخل الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي، مشيراً إلى أن الأطفال يتعلمون الاحترام من سلوك الكبار، ومن الطريقة التي يتعاملون بها مع الآراء المختلفة.
وأوضح أن الطفل الذي يرى أن الرأي المخالف لا يُقابَل بالسخرية أو الإهانة، وأن الحوار وسيلة للفهم والتواصل، يصبح أكثر قدرة على احترام الآخرين، وإدراك أن الاختلاف في الأفكار أو القدرات أو الخلفيات لا ينتقص من قيمة الإنسان ولا من حقه في الاحترام.
وشدد تايه على أهمية دور الأسرة بوصفها البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الطفل، لافتاً إلى أن التنشئة السليمة تتطلب التوازن بين المحبة والحزم، ومنح الطفل مساحة للتعبير عن رأيه، إلى جانب تعليمه المسؤولية واحترام الآخرين.
وبيّن أن استماع الوالدين إلى أبنائهم، وإتاحة المجال أمامهم لطرح الأسئلة ومناقشة الأفكار، يسهمان في بناء شخصيات واثقة وقادرة على الحوار، مؤكداً أن الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يكون سبباً للعقاب أو الانتقاص من شأن الطفل، بل فرصة لتعليمه التفكير والتعبير بأسلوب مسؤول.
وفيما يتعلق بدور المدرسة، أكد تايه أنها شريك أساسي في ترسيخ قيم الاحترام والإنصاف والتعاون، باعتبارها البيئة التي يلتقي فيها الطلبة على اختلاف قدراتهم واهتماماتهم وظروفهم وخلفياتهم، ما يستدعي توفير مناخ تربوي آمن يشعر فيه كل طالب بالقبول والاحترام والانتماء إلى مجتمعه المدرسي.
وأشار إلى أن مسؤولية المدرسة لا تقتصر على تقديم المعرفة الأكاديمية، بل تشمل بناء شخصية الطالب وتعزيز مهاراته الاجتماعية والإنسانية، من خلال الممارسات اليومية داخل الغرف الصفية، وطريقة تعامل المعلمين مع الطلبة، وإدارة الحوار، والتصدي للتنمر والسلوكيات الإقصائية.
وأكد أن قبول الآخر لا يعني الاتفاق معه في جميع المواقف أو التخلي عن القناعات والمبادئ، وإنما إدراك أن الاختلاف جزء طبيعي من الحياة، وأن لكل إنسان الحق في التعبير عن أفكاره ووجهات نظره، ضمن حدود احترام حقوق الآخرين وعدم الإساءة إليهم.
وأوضح أن هذه المفاهيم تكتسب أهمية تربوية خاصة في مساعدة الأطفال على التمييز بين الاختلاف المشروع والسلوك المؤذي، وتعزيز قدرتهم على الدفاع عن آرائهم بالحجة والمنطق، بعيداً عن التعصب والإقصاء.
ولفت تايه إلى أن ترسيخ هذه القيم يتطلب إتاحة فرص عملية أمام الطلبة لممارستها، من خلال الأنشطة الجماعية والعمل التطوعي والمجالس الطلابية، وغيرها من المواقف التي تعزز التعاون مع الآخرين، بمن فيهم من يختلفون عنهم في الأفكار أو الاهتمامات.
وأضاف أن القيم لا تترسخ بالتوجيه وحده، بل بالممارسة والتجربة، موضحاً أن تعلم الاستماع إلى الآخرين، والعمل بروح الفريق، وتسوية الخلافات بطرق سلمية، يزوّد الطلبة بمهارات يحتاجون إليها في حياتهم المدرسية والاجتماعية والمستقبلية.
وفي سياق متصل، حذّر تايه من إغفال أثر البيئة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل وعي الأطفال والطلبة، مبيناً أن المحتوى الذي يتعرضون له وأنماط تفاعلهم عبر المنصات الرقمية قد تعزز ثقافة الاحترام والحوار، أو تسهم في تطبيع السخرية والتنمر وخطاب الكراهية.
وأكد ضرورة تنمية الوعي الرقمي لدى الأطفال، وتعريفهم بمسؤوليتهم الأخلاقية عن المحتوى الذي ينشرونه أو يتفاعلون معه، وترسيخ مفهوم احترام الآخرين في الفضاء الرقمي، كما هو الحال في التعامل المباشر.
وشدد على أن بناء ثقافة قبول الآخر يتطلب تكاملاً بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والمجتمعية، إلى جانب ضرورة أن يكون الكبار قدوة في سلوكهم وخطابهم، إذ يصعب مطالبة الأطفال باحترام الاختلاف إذا كانوا يشاهدون ممارسات تقوم على التحقير أو التعصب أو رفض الآخر.
وأكد تايه أن التنشئة السليمة تمثل استثماراً طويل الأمد في الإنسان والمجتمع، وأن قبول الآخر ليس قيمة إضافية في التربية، بل ضرورة لبناء شخصية متوازنة قادرة على التفاعل الإيجابي مع محيطها، مشيراً إلى أن مسؤولية الأسرة والمدرسة والمجتمع لا تتمثل في تربية الأبناء على التشابه، بل في تنشئتهم على احترام الاختلاف والتمسك بالقيم والقدرة على العيش والعمل مع الآخرين بوعي ومسؤولية.
من جانبه، قال التربوي سفيان الزويري إن السؤال لم يعد اليوم كيف نواجه التطرف بعد وقوعه، بل كيف نمنع نشأته من الأساس، مؤكداً أن الإجابة لا تكمن في الإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تمتد إلى البيت وغرفة الصف والطريقة التي يُربّى بها الأطفال على النظر إلى المختلف عنهم.
وأوضح الزويري، في حديث إلى «$»، أن الفكر المتطرف قد يبدأ بفكرة تقوم على الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، واعتبار كل من يخالفها على باطل، مشيراً إلى أن مثل هذه الأفكار قد تنمو في بيئات ترفض الحوار، وتجرّم السؤال، وتنظر إلى الاختلاف باعتباره تهديداً.
وأكد أن التنشئة السليمة تمثل خط الدفاع الأول في الوقاية من التطرف، لافتاً إلى أن الطفل الذي ينشأ في بيت يُسمح له فيه بالتعبير عن رأيه وطرح الأسئلة والاعتراض بأدب، يكتسب مناعة فكرية تساعده على التفكير المستقل، وتجعله أكثر قدرة على مناقشة الأفكار بدلاً من اتباعها دون تمحيص.
وبيّن الزويري أن التنشئة السليمة تقوم على أربعة أركان أساسية، تتمثل في الأمان العاطفي، والتربية بالحوار، والقدوة الحسنة، وبناء هوية إيجابية تعتز بذاتها دون احتقار الآخرين، موضحاً أن هذه الركائز تسهم في تعزيز ثقة الطفل بنفسه وقدرته على التفاعل مع محيطه بصورة متوازنة.
وشدد على أن قبول الآخر ليس ترفاً أخلاقياً أو شعاراً يُرفع في المناسبات، بل مهارة حياتية، ولا يعني التنازل عن القناعات الشخصية، وإنما الاعتراف بحق الآخرين في امتلاك قناعات مختلفة، والتعامل معهم باحترام.
وفيما يتعلق بالمدرسة، أوضح أن الطالب لا يتعلم قبول الآخر من خلال حصة نظرية عن التسامح وحدها، بل يكتسبه عندما يشارك في فريق يضم زملاء مختلفين في اهتماماتهم وخلفياتهم، ويتعاون معهم لإنجاز مشروع أو تحقيق هدف مشترك.
وأشار إلى أن البرامج التعليمية التطبيقية والأنشطة الجماعية تتيح للطلبة ممارسة الحوار والتعاون، وتساعدهم على إدراك أن الاختلاف لا يمنع العمل المشترك، وأن النجاح يرتبط بقدرة الأفراد على احترام أدوار بعضهم بعضاً.
وفي ضوء الأحداث الأخيرة، أكد الزويري أهمية تعزيز التنشئة القائمة على الحوار وقبول الآخر، ومواجهة الممارسات التي تغذي الخوف والتعصب والإقصاء، موضحاً أن التربية القائمة على الاحترام والتفكير الواعي تسهم في بناء مناعة مجتمعية في مواجهة الأفكار المتشددة، دون اختزال أسباب التطرف في عامل واحد.
وأضاف أن المعركة ضد التطرف لا تُحسم في الميدان الأمني وحده، بل تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية داخل الأسرة، عندما يُسمح للطفل بالاختلاف، ويُشجَّع على تقديم حججه والدفاع عن وجهة نظره، ويتعلم أن الحوار لا ينتقص من مكانته، وأن احترام الآخرين لا يتعارض مع التمسك بالمبادئ.
وأكد الزويري أن بناء مجتمع آمن ومتماسك يبدأ من البيت والمدرسة، ومن تنشئة أجيال تحترم الاختلاف وتؤمن بالحوار وتدرك أن كرامة الإنسان لا تتوقف على مدى الاتفاق معه، مشيراً إلى أن تربية الأبناء على احترام الآخرين والعيش معهم بوعي ومسؤولية تمثل أساساً في تعزيز تماسك المجتمع وحمايته من التعصب والتطرف.
من جهته، أكد خبير علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي أن التنشئة السليمة تؤدي دوراً أساسياً في ترسيخ قيم قبول الآخر واحترامه بمختلف المستويات، ولا سيما احترام الشعائر والمناسبات الدينية، وتعزيز ثقافة التعايش والتفاهم بين أتباع الديانات المختلفة.
وأشار إلى أهمية تربية الأجيال على احترام التنوع وتعزيز روابط الأخوة والتماسك المجتمعي، بما يسهم في ترسيخ قيم المحبة والتسامح، ويعزز منعة المجتمع في مواجهة كل ما من شأنه المساس بأمنه واستقراره أو النيل من نسيجه الاجتماعي.