لم يكن الهجوم المسلح الذي استهدف كنيسة الحمود في الكرك أثناء تشييع جنازة مجرد جريمة أودت بحياة أبرياء وأصابت آخرين، بل مثّل اعتداءً على أمن المجتمع الأردني وتماسكه، وأعاد إلى الواجهة أهمية حماية النسيج الوطني من أي محاولة لزعزعة استقراره أو استغلال الاختلاف الديني لإثارة الانقسام. ففي مجتمع يقوم على الشراكة الوطنية بين أبنائه، لا يمكن التعامل مع الاعتداء على مواطنين بسبب مكان وجودهم أو طبيعة تجمعهم باعتباره شأناً يخص فئة دون أخرى؛ إذ إن أمن الأردنيين وكرامتهم مسؤولية مشتركة، وأي مساس بهما يمس المجتمع بأسره.
وتزداد خطورة الحادثة لوقوعها في مكان عبادة وأثناء مراسم تشييع، حيث اجتمع أشخاص لتوديع فقيد، فإذا بهم يواجهون عنفاً لم يكن في حسبانهم. ووفقاً للتقارير الأولية، أسفر الهجوم عن سقوط قتلى وإصابة العشرات، في واقعة تستوجب تحقيقاً دقيقاً لكشف ملابساتها وتحديد المسؤولين عنها وتقديمهم إلى العدالة. وفي الوقت الذي تفرض فيه خطورة الحادثة موقفاً حازماً، تقتضي المسؤولية أيضاً عدم استباق نتائج التحقيق بشأن دوافع المنفذين أو خلفياتهم، حتى تستند المواقف والاستنتاجات إلى حقائق ثابتة لا إلى التكهنات.
غير أن البعد الأمني، على أهميته، لا يستنفد دلالات ما حدث في الكرك. فالمسألة تتصل أيضاً بطبيعة المجتمع الأردني وبالروابط التي تجمع أبناءه، وفي مقدمتها العلاقة التاريخية بين المسلمين والمسيحيين، التي تشكّل أحد المكونات الراسخة للهوية الوطنية. ومن هنا، فإن مواجهة تداعيات الهجوم لا تقتصر على ملاحقة مرتكبيه، بل تشمل أيضاً حماية الثقة المتبادلة بين المواطنين، ومنع أي محاولة لتحويل الجريمة إلى مصدر للتوتر الديني أو الاجتماعي.
فالمسيحيون الأردنيون ليسوا جماعة طارئة على تاريخ البلاد، ولا مكوّناً ثانوياً في مجتمعها، بل هم جزء أصيل من هويتها ومسيرتها الوطنية. وقد أسهموا، عبر أجيال متعاقبة، في بناء الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعامة، وشاركوا سائر الأردنيين في تحولات البلاد وتحدياتها وإنجازاتها. ولذلك، فإن الحديث عن أمن المسيحيين وحقوقهم لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره قضية تخص أقلية تحتاج إلى حماية استثنائية، بل باعتباره جزءاً من مبدأ المواطنة الذي يكفل لكل أردني حقه في الأمن والكرامة والمساواة أمام القانون.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين التسامح بوصفه موقفاً أخلاقياً، والمواطنة بوصفها أساساً للعلاقة بين الفرد والدولة. فالتعايش المستدام لا يقوم على قبول الاختلاف فحسب، بل على الاعتراف بأن المواطنين، على اختلاف أديانهم، متساوون في الحقوق والواجبات، وأن حرية العبادة وسلامة دور العبادة وحماية التجمعات المدنية مسؤوليات ثابتة تقع على عاتق الدولة. كما أن صون هذه الحقوق لا ينبغي أن يرتبط بظرف أمني معين أو برد فعل على حادثة، بل يجب أن يظل جزءاً من منظومة مؤسسية وقانونية تحمي الجميع على قدم المساواة.
وقد عكست مواقف جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إصرار القيادة الأردنية على مواجهة الاعتداء بحزم، والتأكيد أن العنف لن ينال من وحدة الأردنيين أو من تاريخ الكرك القائم على الشرف والكرامة. كما أكدت مواقف المؤسسات الدينية الأردنية أن الاعتداء على أرواح المسيحيين يتعارض مع القيم الإسلامية وأحكامها، وأن حرمة دمائهم مصونة تماماً كحرمة دماء المسلمين. وتحمل هذه الرسائل أهمية تتجاوز الإدانة المباشرة للجريمة، لأنها تضع حماية الإنسان والوحدة الوطنية في إطار مسؤولية دينية ووطنية مشتركة.
لكن الحفاظ على الوحدة لا يتحقق بالتصريحات وحدها، مهما كانت أهميتها، بل يتطلب ترجمة هذه المبادئ إلى ممارسات واضحة. ويبدأ ذلك بتحقيق مهني وشفاف يكشف حقيقة ما جرى، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، وتعزيز الإجراءات الأمنية التي تحمي دور العبادة والمناسبات العامة، إلى جانب التصدي للتحريض والشائعات التي قد تستغل الحادثة لتغذية الانقسام. فغياب المعلومات الموثوقة يفتح المجال أمام روايات غير دقيقة، بينما يؤدي التسرع في إطلاق الاتهامات إلى توسيع دائرة الضرر وإلحاق الأذى بأشخاص لا علاقة لهم بالجريمة.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الخطاب العام، بما فيه الخطاب الإعلامي والديني، في التمييز بين المطالبة بالعدالة وتأجيج المشاعر. فالحزم في مواجهة الجريمة لا يتعارض مع ضبط اللغة، كما أن رفض التهوين من خطورتها لا يبرر تعميم المسؤولية على جماعة أو فئة. والمطلوب هو توجيه الغضب المشروع نحو كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة، لا السماح له بأن يتحول إلى شك متبادل أو استقطاب يهدد العلاقات التي حافظ عليها الأردنيون عبر عقود طويلة.
كذلك، لا يمكن فصل حماية التعايش عن تعزيز الثقة بمؤسسات الدولة. فعندما يلمس المواطن أن القانون يحميه بصرف النظر عن دينه، وأن الاعتداء على حقوقه يُواجه بالجدية ذاتها التي تُواجه بها الاعتداءات على الآخرين، تتعزز لديه الثقة بأن المواطنة هي الضمان الحقيقي لأمنه. ومن ثم، فإن التعامل مع تداعيات هجوم الكرك يجب أن يؤكد أن حماية المسيحيين الأردنيين ليست منّة من أحد، بل واجب قانوني وأخلاقي ووطني، تماماً كما أن حماية المسلمين وسائر المواطنين واجب لا يقبل الانتقاص أو التمييز.
ويمتد هذا المعنى إلى مكانة الأردن التاريخية والدينية، إذ يحتضن مواقع مسيحية مهمة ويشكّل جزءاً من جغرافية الأرض المقدسة وتراثها الديني. غير أن أهمية التعايش الأردني لا ينبغي اختزالها في أثرها على صورة البلاد في الخارج أو مكانتها السياحية والدينية؛ فجوهرها أعمق من ذلك، ويتمثل في حق المواطنين في ممارسة شعائرهم والعيش بأمان، وفي قدرة المجتمع على إدارة تنوعه من دون أن يتحول إلى مصدر للصراع.
ومن هنا، فإن الرد الوطني على جريمة الكرك يجب أن يجمع بين مسارين متكاملين: أولهما أمني وقضائي، يقوم على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين ومنع تكرار الاعتداءات؛ وثانيهما اجتماعي ومؤسسي، يرسّخ المواطنة المتساوية ويحمي التماسك الوطني من محاولات الاستغلال والتحريض. ولا يغني أحد المسارين عن الآخر؛ فالملاحقة الأمنية ضرورية لتحقيق العدالة، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تترافق مع حماية الثقة المجتمعية وتعزيز ثقافة احترام الاختلاف.
لقد كان المسيحيون الأردنيون، وسيبقون، جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني، وشركاء في الأرض والتاريخ والمسؤولية والمستقبل. ولا يغيّر من هذه الحقيقة اعتداء إجرامي، كما لا يجوز أن تتحول الجريمة إلى مناسبة لإعادة النظر في مكانة مكوّن وطني أو التشكيك في انتمائه. فالأردن لا يقوم على تجاور جماعات منفصلة، بل على مواطنين تجمعهم رابطة وطنية واحدة، وتكفل لهم الدولة حقوقهم، وتوحدهم مسؤولية حماية استقرار البلاد.
إن الاختبار الحقيقي بعد هجوم الكرك ليس في إدانة الجريمة فحسب، بل في قدرة المؤسسات والمجتمع على تحويل هذه الإدانة إلى عدالة وإجراءات تحمي المواطنين، وتحول دون استغلال المأساة لإثارة الانقسام. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في أوقات الأزمات ثم يتراجع حضورها بانتهائها، بل ممارسة يومية تقوم على المساواة والثقة والاحترام المتبادل.
لقد استهدف الرصاص أرواحاً بريئة في الكرك، لكنه لا ينبغي أن يترك أثراً في الروابط التي تجمع الأردنيين. وستظل حماية المسيحيين الأردنيين وحقهم في العيش بأمن وكرامة جزءاً لا يتجزأ من حماية الأردن نفسه؛ لأن الاعتداء على أي مواطن هو مساس بحقوق الجميع، ولأن أمن الوطن لا يتجزأ، كما أن وحدته لا تقوم على استثناء أحد من المواطنة الكاملة.
ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج بها البلاد من هذه المأساة هي أن العدالة لا تعرف التمييز، وأن حماية الإنسان لا تخضع لهويته الدينية، وأن التعايش بين المسلمين والمسيحيين ليس مجرد إرث تاريخي يُستحضر عند الحاجة، بل ركيزة وطنية يجب صونها وتعزيزها في كل الظروف. فالأردن الذي يتشارك أبناؤه الأرض والمسؤولية قادر على مواجهة العنف بالقانون، والانقسام بالوحدة، والخوف بالثقة، من دون أن يتنازل عن مبادئه أو يسمح للجريمة بأن تعيد رسم علاقاته الوطنية.