وعادة ما تثير عقوبة الإعدام خلافا قانونيا وحقوقيا بين اتجاهين رئيسيين؛ أولهما يؤيد الإبقاء عليها باعتبارها وسيلة لتحقيق الردع العام وحماية المجتمع من الجرائم الأشد خطورة، وإقرار العدالة لضحايا الجرائم وأسرهم، خاصة في حالات القتل العمد والجرائم الإرهابية التي تفضي إلى إزهاق الأرواح. أما الاتجاه الثاني، فيطالب بإلغائها انطلاقا من قدسية الحق في الحياة، والشكوك حول أثرها الردعي، وإمكانية تحقيق أغراض العقوبة من خلال بدائل جزائية أخرى.
وقد انعكس هذا التباين في المواقف على الصعيد الدولي، إذ إن المادة "6" من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 لم تحظر عقوبة الإعدام بصورة مطلقة، وإنما أجازت للدول التي لم تلغها تطبيقها على أشد الجرائم خطورة، وفق ضوابط وضمانات قضائية محددة. وفي اتجاه نحو الإلغاء، جاء البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد، المعتمد عام 1989، بهدف إلغاء هذه العقوبة، وهو ما لم ينضم إليه الأردن حتى الآن. وعليه، فإن الإبقاء على عقوبة الإعدام لا يشكل بحد ذاته مخالفة لالتزامات المملكة الدولية.
وفي ضوء هذا الإطار القانوني الدولي، لا يزال المشرع الأردني يأخذ بعقوبة الإعدام في عدد من الجرائم المنصوص عليها في التشريعات الجزائية النافذة. فقد فرضت المادة "328" من قانون العقوبات هذه العقوبة في حالات مشددة من القتل القصد، منها القتل مع سبق الإصرار، والقتل المرتكب تمهيدا لجناية أو تسهيلا لتنفيذها، والقتل الواقع على أحد الأصول. كما تقررت عقوبة الإعدام لبعض الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي والخارجي والجرائم الإرهابية، بما يعكس حرص المشرع الأردني على حماية الحق في الحياة وصون أمن الدولة والمجتمع.
وإلى جانب هذا التنظيم التشريعي، أحاط الدستور الأردني تنفيذ عقوبة الإعدام بضمانة خاصة، إذ نصت المادة "39" منه على عدم جواز تنفيذ أي حكم بالإعدام إلا بعد تصديق الملك عليه، وأن يعرض مجلس الوزراء كل حكم من هذا القبيل على جلالته مشفوعا ببيان رأيه فيه. ويعكس هذا النص حرص المشرع الدستوري على إخضاع تنفيذ العقوبة لإجراء دستوري خاص، بالنظر إلى جسامتها وعدم إمكانية التراجع عن آثارها بعد التنفيذ، مع ترك تحديد الجرائم التي تستوجبها للمشرع العادي.
وبالعودة إلى التجربة اللبنانية، فإن إلغاء عقوبة الإعدام لا يعني بالضرورة أن على الأردن اتباع النهج ذاته، خاصة أن المشرع اللبناني استبدلها بالأشغال الشاقة المؤبدة المشددة للجرائم المرتكبة بعد نفاذ القانون، وبالأشغال الشاقة المؤبدة للجرائم السابقة عليه. كما جاء هذا التحول التشريعي بعد توقف تنفيذ العقوبة منذ عام 2004، وفي ضوء اعتبارات قانونية وحقوقية خاصة، بما يعكس اختلاف التوجهات التي تحكم السياسة الجنائية من دولة إلى أخرى.
ومن هذا المنطلق، تبقى عقوبة الإعدام من أكثر المسائل إثارة للجدل في القانون الجنائي المقارن، لتداخل الاعتبارات الحقوقية والأمنية المرتبطة بها. ففي حين اختارت بعض الدول إلغاءها، لا تزال دول أخرى، ومنها الأردن، تأخذ بها لمواجهة جرائم محددة، انطلاقا من مسؤوليتها في حماية المجتمع وتحقيق العدالة. وفي جميع الأحوال، فإن المعيار الأساسي يكمن في احترام الضمانات الدستورية والقضائية التي تكفل سلامة الأحكام وعدالة تنفيذها، مع مراعاة الالتزامات الدولية ذات الصلة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية