في القدس المحتلة، يحمل المخطط الذي تدفع به حركة «أمانا» الاستيطانية لإقامة 122 وحدة استيطانية على أرض فندق "شبرد" التاريخي في حي الشيخ جراح مؤشرات على خطورة الجريمة المرتبطة بالمشروع الاستيطاني الذي سيقام على مساحة 5.8 دونمات بموقع يرتبط بتاريخ عائلة مفتي القدس الحسيني، ويجسد حلقة من حلقات استهداف الملكية الفلسطينية في المدينة، بعد انتقال الأرض إلى جهات استيطانية عبر إجراءات استندت إلى القوانين التي صممها الاحتلال لسرقة أملاك ما أسموهم بالغائبين من أصحاب الأرض الفلسطينيين، ويمنح المشروع بما يتضمنه من مبانٍ تصل إلى 12 طابقا ومرافق تجارية وتعليمية ودينية، الاستيطان امتدادا عمرانيا جديدا داخل حي فلسطيني، بما يهدد نسيجه الاجتماعي وهويته التاريخية.
وتكمن خطورة هذا المسار في تكامل أدوار الجمعيات الاستيطانية مع المؤسسات الحكومية الإسرائيلية، بما يحول الاستيطان إلى مشروع سياسي منظم تدعمه أدوات التخطيط والإدارة والتمويل، فالاستهداف المتواصل لحي الشيخ جراح يرتبط بمحاولات تغيير طابع القدس الشرقية المحتلة، وتقليص الوجود الفلسطيني فيها، وفرض واقع يصعب تغييره في أي تسوية سياسية مستقبلية.
وفي الضفة الغربية، يتخذ هذا النهج شكلا آخر من خلال تعديل قانوني أقره قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال الإسرائيلي، يسمح بربط مبانٍ أقيمت دون تراخيص في البؤر الاستيطانية بشبكات المياه والكهرباء قبل المصادقة على مخططاتها، ويمنح هذا الإجراء البؤر الاستيطانية فرصة الحصول على الخدمات الأساسية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتمديد، بما يوفر لها مقومات الاستمرار والتوسع، ويمهد الطريق أمام شرعنتها لاحقا.
وتظهر خطورة هذا التعديل في تكريسه ازدواجية واضحة في تطبيق القواعد المنظمة للبناء، فبينما تحصل البؤر الاستيطانية على تسهيلات في البنية التحتية، لم يُصادق، وفق بيانات جمعية «بمكوم»، إلا على سبعة مخططات من أصل 115 مخططا قدمها الفلسطينيون لتنظيم البناء في قراهم منذ عام 2011، ومن أصل 240 تجمعا فلسطينيا يقع بناؤها بالكامل في المنطقة «ج»، لا يمتلك سوى 21 تجمعا مخططا هيكليا ساريا، وتكشف هذه الأرقام استخدام التخطيط والبنية التحتية أدوات للتمييز والإقصاء، وإخضاع الفلسطينيين لقيود تمس حقهم في السكن والاستقرار والتطور الطبيعي لتجمعاتهم.
وتزداد خطورة المشهد مع إعلان الحكومة الإسرائيلية عن إقامة 104 مستوطنات جديدة، بينها 48 مستوطنة عبر شرعنة بؤر قائمة، إلى جانب سيطرة البؤر الرعوية الاستيطانية على ما لا يقل عن 786 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية حتى نهاية عام 2024، بحسب المنظمات الحقوقية المشار إليها في التقرير، ويعني ذلك اتساع السيطرة على الأرض الفلسطينية، وتضييق المجال المتاح أمام التجمعات الفلسطينية، وتعزيز منظومة السيطرة الإسرائيلية على الموارد والطرق والمساحات الحيوية.
إن مواجهة هذا التصعيد الاستيطاني تتطلب تحركا دوليا عمليا يبدأ بفرض عقوبات محددة على الجهات والأفراد المتورطين في الاستيطان ومصادرة الأراضي وتهجير الفلسطينيين، وتجميد أي تعاملات تسهم في تمويل المستوطنات أو توسيعها، ومطالبة الحكومة الإسرائيلية بإلغاء التعديلات التي تمنح البؤر الاستيطانية خدمات وبنية تحتية تمهد لشرعنتها، ووقف مخططات البناء في الشيخ جراح وسائر القدس الشرقية المحتلة.
كما يتطلب الأمر تفعيل آليات المساءلة الدولية، وتوفير حماية فعلية للتجمعات الفلسطينية المهددة بالمصادرة والتهجير، وإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، مع اعتماد آلية دولية دورية لرصد التوسع الاستيطاني ونشر نتائجه ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكاته، فالمطلوب اليوم نقل الموقف الدولي من الإدانة إلى إجراءات قابلة للقياس والتنفيذ، تربط استمرار العلاقات والتعاون مع سلطات الاحتلال بوقف الاستيطان واحترام القانون الدولي، وتصون حق الشعب الفلسطيني في أرضه وتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وعاصمتها القدس الشرقية.