هذه المعطيات ليست استنتاجات أو أحكاما عامة، بل هي حقائق تقوم على أرقام تبين تزايد أعداد المغادرين لإسرائيل، وتراجع أعداد المُستَقْدمين، وهو ما يطرح تساؤلات حول القدرة على الاحتفاظ بالكفاءات التي شكلت على مدى العقود السبعة الماضية أحد أبرز أعمدة الاقتصاد، خصوصا قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والهندسة والطب والبحث العلمي.
ووفق بيانات وأرقام نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية عن دائرة الإحصاءات المركزية، فقد غادر نحو 63,300 إسرائيلي البلاد خلال عام 2025، مقابل نحو 19 ألفا استُقدموا من الخارج، وهذا مؤشر على اختلال ميزان الاستقدام، علما أن السنوات الأخيرة سجلت أرقاما مرتفعة منذ السابع من أكتوبر، ففي عام 2024 غادر وفق البيانات الرسمية نحو 82,800 إسرائيلي، مقارنة مع 59,400 إسرائيلي غادروا عام 2023.
الأرقام السابقة تعكس اتساع التحدي الجديد الذي تواجهه الحكومة المتمثل بقدرة إسرائيل على الاحتفاظ بسكانها، والتحدي الأكبر لا يرتبط بعدد المغادرين أو المُسْتَقدمين، بل بطبيعة الفئات التي تختار الهجرة بلا عودة، خصوصا وأن هجرة أصحاب الخبرة ورؤوس الأموال يترك أثراً يتجاوز الخسارة البشرية، لمرحلة إضعاف قطاعات تعتمد على المعرفة والابتكار والإنتاجية العالية.
قطاع التكنولوجيا المتقدمة يمثل أحد أبرز القطاعات حساسية لهذه الخسارة، مقارنة بدوره في نسب الصادرات والاستثمار والنمو الاقتصادي، فالشركات العاملة في مجالات البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والبحث والتطوير تحتاج الى كوادر مؤهلة قادرة على تطوير المنتجات واستقطاب الاستثمارات والحفاظ على قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
من هنا، فإن استمرار انتقال المهندسين والباحثين والأطباء والكفاءات العلمية الى الخارج، قد يرفع كلفة استقطاب الكفاءات البديلة، ويؤثر في قدرة المؤسسات على تنفيذ مشاريعها وتوسيع أعمالها، إضافة الى انتقال جزء من النشاط الاقتصادي والاستثماري الى الدول التي تستقر فيها هذه الكفاءات.
تداعيات الحروب هذه، لا تقتصر على الشركات الخاصة، إذ يمكن أن تمتد الى منظومات التعليم العالي والبحث العلمي المتقدم والخدمات الطبية، وللمؤسسات التي تعتمد على الخبرات التقنية والعلمية المتقدمة، عدا عن أن خسارة الكفاءات تضعف الروابط بين المؤسسات البحثية والجامعات والشركات، وهي روابط ضرورية لتطوير التقنيات وتحويل المعرفة الى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية عالية، وهو ما حذرت منه تحليلات اقتصادية إسرائيلية من مخاطر استمرار الهجرة على رأس المال البشري والابتكار.
غالبية الأسر الإسرائيلية التي أمضت ليالي كاملة في الملاجئ خلال الحروب الأخيرة لدرجة تفريغ المدن من سكانها، ترجئ توجهاتها لتداخل العوامل الاقتصادية مع اعتبارات الأمن والسياسة، بهدف البحث عن بيئة أكثر استقرارا وأمنا لمستقبل أبنائها، خصوصا وأن الخلافات الداخلية السياسية والمخاوف من المستقبل لا تغيب عن قرارات الأفراد والشركات بالمغادرة.
التحدي الآخر يتمثل في تراجع أعداد المُسْتقدمين الجدد وحتى القدرة على إقناع المغادرين بالعودة، وإن توفرت الظروف المهنية والمعيشية التي تشجعهم على استئناف حياتهم، وهو ما أظهرته بيانات عرضتها لجان الكنيست من انخفاض عدد العائدين المعترف بهم كمقيمين عائدين بين عامي 2009- 2025، بما يعزز المخاوف من اتساع الفجوة بين المغادرين والعائدين.
توقيت كشف هذه الأرقام يتزامن مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية يوم 27 الجاري، إذ تضع مسألة الهجرة صانعي القرار أمام أسئلة صعبة تتعلق بالثقة بالمستقبل الذي لم يعد آمنا، والقدرة على توفير بيئة جاذبة للعمل والاستثمار، إذ لم يعد الأمر يتعلق بتقديم الحوافز المالية للمستقدَمين، بل يتعلق الأمر بمعالجة العوامل التي تؤثر في قرارات البقاء والمغادرة، وتعزيز الثقة بمستقبل آمن.
بالمحصلة، تكشف مسألة هجرة الإسرائيليين بلا عودة عن تحد يتجاوز المؤشرات السكانية الى مستقبل الاقتصاد الجاذب والتنافسية والإنتاجية، فالكفاءات ليست مجرد أعداد يمكن تعويضها بسهولة، بل هي خبرات متراكمة وشبكات مهنية وقدرات علمية يصعب تعويضها، وإذا استمر خروج هذه الكفاءات بنفس الوتيرة، مع العودة المحدودة، ستجد إسرائيل نفسها أمام كلف اقتصادية واستراتيجية تتراكم تدريجيا، وتضع قدرتها على التقدم في قطاعات معرفية وتكنولوجية أمام تحدٍ واختبار متزايد في الصعوبة.