قد يواصل الموظف الذهاب إلى عمله يوميا، وإنجاز مهامه والوفاء بمسؤولياته، لكنه يشعر في المقابل بأن طاقته تتراجع تدريجيا، وأن الحماس الذي كان يدفعه إلى العمل بدأ يتلاشى، حتى إن الراحة والإجازات لم تعودا كافيتين لاستعادة نشاطه المعتاد.
وتشير هذه الحالة إلى أحد الآثار المحتملة للتعرض المستمر لضغوط العمل، والمعروف بـ"الاحتراق الوظيفي»، الذي لا يرتبط بالتعب وحده، وإنما قد يمتد ليشمل الاستنزاف النفسي والجسدي والعاطفي، والتباعد عن العمل، وتراجع الشعور بالإنجاز.
وفي هذا السياق، عرّفت الأستاذة المشاركة في علم النفس الإكلينيكي في جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية، الدكتورة فداء أبو الخير، إن الاحتراق الوظيفي حالة من الاستنزاف الجسدي والنفسي والعاطفي الناجمة عن ضغوط العمل المستمرة، ولا سيما عندما يشعر الشخص بأن متطلبات العمل تفوق موارده وقدرته على التكيف معها.
وأضافت في تصريح لـ«$» أن هذه الحالة قد تظهر من خلال مجموعة من العلامات، أبرزها الإرهاق المستمر حتى بعد الحصول على قسط من الراحة، وصعوبة التركيز واتخاذ القرارات، وفقدان الدافعية والاهتمام بالعمل، إلى جانب الإنهاك العاطفي وسرعة الانفعال والشعور بتراجع الإنجاز رغم بذل جهد كبير.
وأوضحت أن ملاحظة هذه العلامات تساعد على الانتباه إلى التأثير الذي يمكن أن تتركه الضغوط المهنية المستمرة على حياة الفرد، خصوصا عندما تتداخل متطلبات العمل مع حياته الشخصية وتحد من قدرته على الراحة واستعادة توازنه.
وبينت أبو الخير أن من العوامل التي قد تسهم في الاحتراق الوظيفي زيادة أعباء العمل وضيق الوقت، والعمل في بيئة غير داعمة، وارتفاع التوقعات التي يضعها الفرد لنفسه أو يفرضها عليه الآخرون، فضلا عن اختلال التوازن بين العمل والحياة الشخصية.
كما يمكن أن يؤدي نقص التقدير والمكافآت العادلة، أو محدودية قدرة الموظف على التحكم في مهامه واتخاذ القرارات المتعلقة بعمله، إلى زيادة الضغوط التي يتعرض لها، لا سيما عندما تستمر هذه الظروف دون وجود مساحة كافية للتكيف أو الحصول على الدعم.
ولا تقتصر مواجهة هذه الضغوط على محاولة إنجاز المزيد من المهام أو زيادة ساعات العمل، إذ إن التعامل معها يتطلب إعادة النظر في الأولويات، وتحديد حدود واضحة بين المسؤوليات المهنية والحياة الشخصية، إلى جانب الاهتمام بالاحتياجات الجسدية والنفسية.
وأكدت أبو الخير أهمية تحديد الأولويات بصورة واقعية، وتعلّم رفض المهام الإضافية عندما تتجاوز القدرة على تحملها، إلى جانب تنظيم الوقت ووضع حدود واضحة لساعات العمل، بما يساعد على الحد من تداخل المسؤوليات المهنية مع الحياة الخاصة.
وتؤكد هذه المؤشرات أهمية التعامل مع الصحة النفسية في بيئة العمل بوصفها جزءا أساسيا من جودة الحياة والاستمرار المهني، إذ لا يقاس النجاح بقدرة الإنسان على مواصلة العمل مهما بلغت كلفته، وإنما أيضا بقدرته على الحفاظ على صحته وتوازنه وأدائه على المدى الطويل.