لم أكتب هذا المقال من مقاعد المتفرجين، ولا من موقع التنظير البعيد عن الواقع، بل أكتبه من تجربة عشت تفاصيلها في ميدان العمل الانتخابي، ومن قناعة تشكّلت لديّ بأن العمل العام لا يُقاس بما يحققه من نتائج فحسب، بل بما يتركه من أثر.
لقد خضت غمار العمل الانتخابي ضمن حلف عشائري، وكنت جزءًا من فريق عمل تولّى التخطيط وترتيب الأولويات وقراءة المشهد الانتخابي، في تجربة تُوّجت بالفوز وحصد غالبية المقاعد. وهناك أدركت أن النتائج لا تأتي مصادفة، وأن التنظيم وحسن التخطيط والعمل بروح الفريق عوامل تصنع الفارق في لحظات الحسم.
وها أنا اليوم أتهيأ لخوض تجربة أخرى، من بوابة العمل الحزبي داخل الجامعة، عبر حزب آمنت بفكرته، ورأيت في مشروعه مساحة للمشاركة والإسهام في الحياة السياسية الأردنية. وبين التجربتين، أجد نفسي أمام سؤال يستحق النقاش: هل تنجح الأحزاب في الجامعات ببناء العقول، أم تكتفي بالتنافس على المقاعد؟
لا يمكن الحديث عن تمكين الشباب دون الإشارة إلى الجهود التي تقودها الرؤية الهاشمية في هذا المجال؛ فقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أهمية مشاركة الشباب في الحياة العامة، فيما يواصل سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، دعم حضورهم وتمكينهم، بما ينسجم مع مسارات التحديث السياسي التي تسعى إلى توسيع قاعدة المشاركة وصناعة جيل قادر على تحمّل المسؤولية.
وفي مقال سابق، انتقدت غياب الأحزاب الأردنية عن الجامعات، وتساءلت عن أسباب ابتعادها عن شريحة شبابية يفترض أن تكون في مقدمة اهتماماتها. أما اليوم، فإن الإنصاف يقتضي أن نُثمّن الخطوة، وأن نشكر الأحزاب التي بدأت تطرق أبواب الجامعات، وتدرك أهمية الحضور بين الشباب، فالنقد لم يكن يومًا غاية بحد ذاته، بل دعوة إلى العمل والتغيير.
فكما كان من حقي أن أنتقد الغياب بالأمس، فإن من واجبي اليوم أن أُقدّر الحضور. فالإنصاف أن نشجّع الخطوات الإيجابية، دون أن نتخلى عن حقنا في التساؤل والمراجعة؛ لأن نجاح التجربة الحزبية لا يتحقق بمجرد دخول الجامعات، بل بما تقدمه داخلها.
إن التنافس على المقاعد حق مشروع، والفوز نتيجة طبيعية للعمل المنظم والتخطيط الجيد، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح المقعد غاية، ويغيب الطالب عن حسابات البناء والتأهيل. فالحزب الذي يستقطب الشباب ليحصد أصواتهم، ثم لا يمنحهم فرصة حقيقية للتعلم والمشاركة وصناعة القرار، قد يحقق فوزًا انتخابيًا، لكنه لا يبني مشروعًا سياسيًا مستدامًا.
لقد علّمتني التجربة الانتخابية أن التخطيط والتنظيم وقراءة المشهد عوامل أساسية لتحقيق النتائج، لكنني أؤمن أن العمل الحزبي الجامعي يتجاوز حدود المعركة الانتخابية؛ لأننا لا نتعامل مع أرقام ومقاعد فحسب، بل مع عقول شابة تتشكل، وشخصيات تبحث عن دورها، وطاقات يمكن أن تكون يومًا جزءًا من صناعة القرار الوطني.
فالفرق كبير بين أن تنجح في استقطاب طالب إلى حزبك، وأن تنجح في إعداده ليكون صاحب فكر ورأي وموقف.
الأول يضيف عضوًا إلى سجلات الحزب، أما الثاني فيضيف قيمة إلى الحياة السياسية الأردنية. ومن هنا، لا ينبغي أن يُقاس نجاح الأحزاب في الجامعات بعدد المقاعد التي تحصدها وحدها، بل بقدرتها على تأهيل كوادر تفهم السياسة والتشريعات، وتحسن الحوار، وتقدم المبادرات، وتدرك أن العمل العام مسؤولية قبل أن يكون موقعًا أو لقبًا.
إننا بحاجة إلى الانتقال من استقطاب الشباب عند الاستحقاقات الانتخابية إلى إشراكهم في العمل على مدار العام، ومن التعامل معهم بوصفهم أرقامًا في المعادلات الانتخابية إلى منحهم مساحة حقيقية في صناعة القرار. فالشباب لا يحتاجون إلى من يطلب أصواتهم فحسب، بل إلى من يثق بعقولهم ويستثمر في قدراتهم.
وهنا لا تقع المسؤولية على الأحزاب وحدها، بل تمتد إلى الجامعات والأطر الطلابية، التي ينبغي أن توفر بيئة تحترم الاختلاف، وتدعم الحوار المسؤول، وتتيح للطلبة ممارسة العمل العام بوعي ونضج. فالجامعة ليست معزولة عن الحياة السياسية، بل هي إحدى المساحات التي يتعلم فيها الشباب معنى المشاركة، ويختبرون فيها أفكارهم، ويكتسبون خبرة تؤهلهم للمستقبل.
ومن هذا المنطلق، فإن توجّه الأحزاب نحو الجامعات خطوة تستحق التقدير، لكنها تحتاج إلى الاستمرار والتطوير، حتى لا يكون حضورها موسميًا مرتبطًا بالانتخابات. فالأردن بحاجة إلى أحزاب قادرة على بناء قيادات شابة تمتلك الفكر والكفاءة والنزاهة، وتؤمن بالمؤسسات وسيادة القانون، وتستعد لتحمل المسؤولية الوطنية.
ولعلّ تجربتي الانتخابية واستعدادي لخوض تجربة العمل الحزبي الجامعي عزّزا لديّ قناعة بأن الفوز، على أهميته، ليس نهاية الطريق؛ فالمقاعد تُحسم في صناديق الاقتراع، أما بناء الإنسان فيحتاج إلى وقت وإرادة وعمل متواصل.
إنني لا أطرح هذه التساؤلات انتقاصًا من التجربة الحزبية، بل إيمانًا بأن التجربة الناجحة هي التي تمتلك الشجاعة لمراجعة نفسها، وتمنح الشباب دورًا حقيقيًا يتجاوز الحشد الانتخابي إلى المشاركة في صناعة القرار.
وفي نهاية المطاف، لا أرى أن السؤال الأهم هو: كم مقعدًا حصد الحزب داخل الجامعة؟ بل: كم عقلًا استطاع أن يبني، وكم شابًا أعدّ للمستقبل، وكم فرصة حقيقية أتاحها لجيل يريد أن يكون شريكًا في صناعة القرار الوطني؟
فإذا كانت المقاعد حصيلة المعركة الانتخابية، فإن العقول هي حصيلة المشروع السياسي الناجح. وبين استثمار العقول وسباق المقاعد، يبقى الاختبار الحقيقي لكل حزب يدخل أسوار الجامعة: هل جاء ليحصد الأصوات، أم ليُسهم في صناعة جيل قادر على حمل مسؤولية الوطن ومستقبله