تبرز المبادرات والمشاريع الإنتاجية المنزلية والبلدية في محافظة المفرق، كخط دفاع أول يرسخ مفاهيم الاعتماد على الذات والتحصين المباشر للأمن الغذائي الوطني.
ومن بين هذه المنتجات التي تفوح منها رائحة الأرض والأصالة، تحضر المنتجات البلدية الأردنية كشاهد عيان على قدرة الإنسان المحلي على تجسير الفجوة بين الإنتاج والمستهلك بأعلى معايير النظافة والجودة، حيث تتألق منتجات الزيتون المكبوس والقطين البلدي، والمشمش المجفف، والزبيب البلدي، بالإضافة إلى خبيصة العنب «الملبن»، والسماق البلدي الصافي، ودبس الرمان الخالي تماما من السكر المضاف، لتصنع لوحة إنتاجية متكاملة تجمع بين القيمة الغذائية المرتفعة والهوية الوطنية الممتدة عبر الأجيال.
وتأتي هذه المنتجات في توقيت دقيق تشتد فيه الحاجة الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، وتأمين المخزون الغذائي المحلي بمنتجات طبيعية ذات عمر افتراضي طويل وسهولة في التخزين دون الحاجة لتقنيات معقدة.
ولا تقف هذه السلع عند حدود كونها غذاء متكاملا، بل تتجاوز ذلك لتكون لها دلالات شعبية وثقافية عميقة، فهي تعكس قيم التكافل والتضامن الاجتماعي، وترتبط بذاكرة الأسر في المواسم الزراعية و"المؤونة» التي تشكل وجدان الريف والبادية الأردنية، فضلا عن كونها رمزا للجهد المنزلي الذي تحوله السواعد الناعمة والأسر المنتجة إلى مصدر دخل كريم ومستدام.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم عواد أن الاقتصاد المنزلي والمشاريع البلدية الصغيرة لم تعد مجرد نشاطات هامشية، بل باتت ركنا أساسيا في الاستراتيجية الوطنية للتعافي الاقتصادي وتعزيز الأمن الغذائي.
ويرى عواد أن تسويق وتصنيع هذه المنتجات كدبس الرمان ونخب الفواكه المجففة يعززان القيمة المضافة للمنتج الزراعي المحلي، ويرفعان من كفاءة الدورة الاقتصادية للقرى والأرياف من خلال الحد من الفقر والتوزيع العادل للثروة، مؤكدا أن الاكتفاء الذاتي يتشكل تدريجيا بدءا من سلة المؤونة المنزلية وصولا إلى القطاعات الكبرى.
من جانبها، تؤكد الخبيرة في مجال التصنيع ريما أبو دلبوح أن منتجات «شغل البيت» باتت تنافس بقوة في سوق الجودة بالنظر إلى التزام الأسر بالطرائق التقليدية النظيفة التي تحافظ على الخصائص الطبيعية للغذاء دون إضافات كيميائية أو سكريات اصطناعية، مشيرة إلى أن تحويل الفائض من محصول العنب والرمان والمشمش إلى ملبن ودبس وزبيب وقطين يضمن حفظ القيمة الغذائية وتقليل الهدر الزراعي لأدنى المستويات.
وتضيف أبو دلبوح أن دعم هذه الصناعات المنزلية بالخبرة الفنية وتقنيات التغليف الحديثة يسهم في نقلها من إطار الاستهلاك المحلي المحدود إلى التصدير والمنافسة في الأسواق الإقليمية.
وعلى صعيد العمل المؤسسي والميداني، تؤكد مديرة المؤسسة التعاونية في محافظة المفرق المهندسة لمياء شديفات، أن التمكين الاقتصادي يبدأ من تجميع وتنسيق هذه الطاقات الفردية والأسرية ضمن مظلات تعاونية منظمة.
وتوضح أن المؤسسة التعاونية تسعى جاهدة عبر مديرياتها إلى تقديم التسهيلات والتدريبات اللازمة للتعاونيات والنساء المنتجات لضمان استدامة هذه المشاريع البلدية، وتوفير منافذ بيع دائم تعينهنّ على تسويق السماق والدبس والمجففات بنوعيات عالية.
واختتمت المهندسة شديفات بالإشارة إلى أن حماية هذه المنتجات الشعبية الأصيلة وتطويرها يمثل خطوة فعلية نحو بناء منظومة تعاونية زراعية قادرة على تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للأسر وتعزيز المنظومة الوطنية للأمن الغذائي في المحافظات.