أكد الخبير البيئي الدكتور أيوب أبو دية أن العزل الحراري للمباني ليس كلفة إضافية يمكن الاستغناء عنها، بل استثمار طويل الأجل يسهم في خفض فواتير الطاقة وحماية الصحة وتحسين الإنتاجية، مشيرا إلى أن تقليل كلفة البناء الأولية على حساب العزل قد يؤدي إلى نفقات متكررة على التدفئة والتبريد والصيانة على امتداد عمر المبنى.
وقال أبو دية لـ«الرأي» إن التقييم الاقتصادي الصحيح للعزل لا يقتصر على كلفته عند الإنشاء، وإنما يشمل مجموع نفقات التشغيل والصيانة والطاقة، إلى جانب الآثار الصحية والبيئية الناجمة عن ضعف العزل.
وأوضح أن متطلبات العزل الحراري الأردنية تشير إلى قيمة قصوى لمعامل الانتقال الحراري للجدار الخارجي تقارب 0.57 واط/م²·كلفن، مقابل نحو 2 واط/م²·كلفن في جدار غير معزول، ما يعني أن انتقال الحرارة عبر الجدار غير المعزول قد يزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف.
وأضاف أن تقديرات حسابية تستند إلى بيانات الطقس في مطار الملكة علياء تشير إلى أن فرق انتقال الحرارة قد يعادل نحو 62 كيلوواط ساعة حرارية سنويا لكل متر مربع من مساحة الجدار. وبافتراض استخدام مضخة حرارية ذات معامل أداء موسمي يبلغ 2.5، وتعرفة كهرباء قدرها 100 فلس للكيلوواط/ ساعة، قد تصل كلفة الطاقة الإضافية إلى نحو 2.5 دينار سنويا للمتر المربع، وفقا لهذه الافتراضات.
وبين أن العزل غير الفعال لا يرفع استهلاك الطاقة فحسب، بل يزيد الأحمال على أجهزة التدفئة والتبريد، وقد يسهم في تكاثف الرطوبة ونمو العفن، خصوصا عند الجسور الحرارية والأسطح الداخلية الباردة.
وأشار أبو دية إلى أن سوء البيئة الحرارية يرتبط بمخاطر صحية، لا سيما لدى الأطفال وكبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، موضحا أن منظمة الصحة العالمية تعتبر 18 درجة مئوية حدا مرجعيا عاما لدرجة الحرارة الداخلية في البلدان ذات المواسم الباردة، مع احتمال حاجة الفئات الأكثر هشاشة إلى درجات أعلى.
وفي الصيف، يسمح ضعف العزل بدخول مزيد من الحرارة، ما يزيد استهلاك الكهرباء ومخاطر الإجهاد الحراري، ويؤثر في التركيز والإنتاجية، الأمر الذي يجعل تحسين الأداء الحراري للمباني استثمارا في الصحة والاقتصاد والبيئة.
وأكد أهمية اعتماد منظومة متكاملة تشمل عزل الجدران والأسقف والأرضيات، ومعالجة الجسور الحرارية، وتظليل النوافذ، والحد من تسرب الهواء، وتوفير تهوية صحية، واستخدام أنظمة تدفئة وتبريد عالية الكفاءة.
وختم أبو دية بالتأكيد أن المبنى الجيد ليس بالضرورة الأقل كلفة عند إنشائه، بل الذي يحقق أقل نفقات تشغيل وصيانة على امتداد عمره، ويوفر بيئة صحية ومريحة وآمنة لسكانه، مشددا على أن السؤال الأهم ليس «كم يكلفني العازل؟»، بل «كم سيكلفني المبنى إذا لم أعزله؟».