يمثل مرور عشر سنوات على تأسيس مؤسسة ولي العهد محطة وطنية مهمة للتأمل في تجربة أردنية جعلت الشباب محوراً أساسياً في رؤيتها، والاستثمار في الإنسان مدخلاً لتعزيز التنمية الشاملة وبناء المستقبل.
فعلى مدى عقد، جسدت المؤسسة رؤية سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، القائمة على الإيمان بقدرات الشباب الأردني، والثقة بطموحاتهم، وتوفير البيئة التي تمكنهم من تطوير مهاراتهم واكتشاف إمكاناتهم والمشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وتكتسب هذه التجربة أهمية متزايدة في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، التي تجعل تمكين الشباب ضرورة استراتيجية ترتبط بالنمو المستدام، وتعزيز التنافسية، والاستعداد لمتطلبات المستقبل.
من الرؤية إلى العمل المؤسسي
تُقاس قيمة المبادرات الوطنية بقدرتها على إحداث تغيير مستدام في حياة الأفراد، وتحويل الأفكار إلى فرص وإنجازات. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تجربة مؤسسة ولي العهد في بناء منظومة لتمكين الشباب، تشمل التعليم التقني والمهني، والقيادة، والريادة، والعمل التطوعي، وتنمية المهارات الشخصية والمهنية.
فمتطلبات سوق العمل تتغير باستمرار، وأصبحت المهارات العملية والقدرات الرقمية والابتكار والتعلم المستمر من مقومات النجاح. وهذا يستدعي تطوير برامج التأهيل وربطها باحتياجات الاقتصاد، بما يساعد الشباب على الانتقال من التعلم إلى الإنتاج والمشاركة الفاعلة.
وتتمثل القيمة الأعمق لتمكين الشباب في التعامل معهم باعتبارهم شركاء في التنمية، يمتلكون القدرة على صياغة الأولويات وتقديم الحلول المبتكرة. كما يسهم توسيع الفرص أمام الشباب في مختلف المحافظات في تعزيز العدالة التنموية، واستثمار الطاقات البشرية في جميع مناطق المملكة.
الاستثمار في الشباب ركيزة للنمو
يمثل الاستثمار في الشباب رافعة اقتصادية ترتبط بالإنتاجية والتشغيل والابتكار وتأسيس المشاريع. وفي الأردن، تبرز أهمية هذا المسار في مواجهة تحديات البطالة، ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات السوق، وتوسيع قاعدة المشاريع الريادية.
ويتطلب تعظيم الأثر ربط برامج التمكين بالقطاع الخاص والجامعات والمؤسسات المالية ومراكز التدريب، وتوفير الإرشاد والتمويل والوصول إلى الأسواق أمام أصحاب الأفكار الواعدة. فنجاح المشاريع يحتاج إلى منظومة تجمع المعرفة والمهارة والإدارة السليمة والقدرة على الاستمرار والنمو.
ويفرض التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي تطوير برامج تواكب المهن الجديدة، وتعزز المهارات الرقمية والتحليلية والإبداعية. كما ينبغي أن تشمل برامج الريادة التدريب على دراسات الجدوى وإدارة التدفقات النقدية والتسويق والحوكمة وإدارة المخاطر، بما يعزز فرص تحويل الأفكار إلى مشاريع منتجة وقادرة على خلق فرص العمل.
المواطنة الفاعلة والعمل التطوعي
يمتد الاستثمار في الشباب إلى بناء الإنسان المسؤول وتعزيز قيم المواطنة والانتماء والعمل الجماعي. فالعمل التطوعي ينمي روح المبادرة، ويعزز التواصل والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، ويمنح الشباب فرصة للمشاركة في معالجة احتياجات مجتمعاتهم.
وتسهم هذه المشاركة في بناء جيل يبادر إلى تقديم الحلول، ويؤمن بأن خدمة الوطن مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود المؤسسات والأفراد.
العقد المقبل وتعظيم الأثر
مع إتمام العقد الأول، تبرز أهمية الانتقال إلى مرحلة تركز على قياس النتائج واستدامة الأثر. ويتطلب ذلك متابعة إسهام البرامج في تحسين فرص التشغيل، وتطوير المهارات، وإطلاق المشاريع، وتعزيز المشاركة المجتمعية، مع استمرار الإرشاد المهني بعد انتهاء التدريب.
كما تبرز ضرورة توسيع الشراكات مع القطاع الخاص والجامعات والمؤسسات المالية، وتحسين وصول الشباب في المحافظات والمناطق الأقل حظا إلى الفرص النوعية، والاستفادة من البيانات والتقييمات لتطوير البرامج الأكثر فاعلية.
وتبقى مسؤولية التمكين وطنية مشتركة؛ فالحكومة توفر السياسات والبيئة التشريعية الداعمة، والمؤسسات التعليمية تطور مخرجاتها، والقطاع الخاص يوسع فرص التدريب والتشغيل، والمؤسسات المالية تدعم المشاريع والتثقيف المالي، فيما يتحمل الشباب مسؤولية تطوير قدراتهم واستثمار الفرص والتعلم المستمر.
رؤية متجددة لمستقبل الأردن
يمثل العقد المقبل فرصة لتعزيز رؤية ولي العهد في الاستثمار بقدرات الشباب، وتطوير برامج أكثر ارتباطا باحتياجات الاقتصاد، وتوسيع الشراكات الوطنية والدولية، والاستفادة من التكنولوجيا، وإشراك الشباب في تصميم المبادرات وتقييم نتائجها.
مجمل القول، إن مرور عشر سنوات على تأسيس مؤسسة ولي العهد مناسبة لتقدير تجربة وطنية جعلت تمكين الشباب جزءا أساسيا من مسيرة التنمية الأردنية. والتحدي في المرحلة المقبلة يتمثل في تعميق أثر المبادرات وضمان استدامة نتائجها، بما ينعكس على فرص الشباب الاقتصادية وقدراتهم القيادية ومشاركتهم المجتمعية.
إن الاستثمار في الشباب استثمار في قوة الاقتصاد ومتانة المجتمع واستقرار الوطن. وبناء على الرؤية التي أطلقها سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، نتطلع إلى عقد مقبل أوسع في فرصه، وأعمق في أثره، وأكثر استجابة لطموحات الشباب الأردني، بما يمكنهم من تحويل طاقاتهم وأفكارهم إلى إنجازات تدعم التنمية وتصنع مستقبل الأردن.