الأنظمة الصحية في دول العالم.. لماذا تتراجع ؟!

تاريخ النشر : الثلاثاء 11:23 13-10-2026
د. زيد حمزة

للإجابة على هذا السؤال العنوان وفي جولة مختارة على بعض دول العالم رأيت أن أواكب أنظمة سابقة عليها معكم، نشوء بعض الأنظمة الصحية في القرنين الأخيرين، خارجة من رحم بعد أن صقلتها يد التطوير وعززتها الدراسات العلمية المستجدة بهدي من "حق الإنسان في الصحة". ولعل من أهم تلك الأنظمة ما قامت به النقابات العمالية في بعض دول أوروبية قادرة ماليا وعلميا، وذات بنية تحتية كفؤة قوية كالاسكندنافية، بين الحربيين العالميتين الأولى والثانية وقد هزتها ارتدادات الأزمة الاقتصادية العالمية "1928" وكادت تودي بها، فاضطرت للجوء الى أنواع مختلفة من الضمان الاجتماعي وبينها الكينزية "نسبة للعالم الاسكتلندي كينيز" الذي وصف يومئذ بمنقذ الرأسمالية من الهاوية وابتدعت لنفسها أنماطاً مختلفة من التأمين الصحي المتفاوت بالأجور وطريقة الخدمات لكي لا تُغضب القطاع الخاص في اقتصاد السوق الحر!

ولم تكد تلك الانظمة تستقر قليلا حتى داهمتها الحرب العالمية الثانية فزعزعت قواعدها مرة أخرى وتركتها غير قادرة على أن تنافس تأميم الطب ومجانية خدماته في الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية التي رغم شح مواردها أصبحت شعوبها وحدها تنعم لأول مرة في التاريخ "بحق الصحة" الذي تكفله الدولة كاملاً ولا ننسى بالطبع تحولاً أوروبيا آخر في "1948" هز العالم دهشة وإعجاباً بتأميم الطب في بريطانيا وهي إحدى قلاع الرأسمالية لكن الذي فاز بالحكم فيها بالانتخابات النيابية وقت ذاك هو حزب العمال البريطاني وكان يعتنق نوعاً من الاشتراكية ويقود الصحة فيه الزعيم النقابي بيفان، ذلك قبل أن يضل بالحزب واشتراكيته بعد عقود زعيم لاحق هو توني بلير الذي خان أيضاً مبادئه السياسية في الأمم المتحدة متواطئاً مع رئيس الولايات المتحدة جورش بوش الابن وطعن العرب في ظهورهم في أهم قضاياهم وما زال يتاجر حتى بمأساة غزة وكأنه صاحب مكتب عقاري!

وفي محطة مبكرة من هذه المتابعة التاريخية كنا طلاباً في مصر حين بدأ انغماسنا السياسي مع دراسة الطب وصحة المجتمع منتصف القرن الماضي، فقد وجدنا أنفسنا مشاركين في حياة تضج بالحيوية والنشاط والتجاوب مع آمال الجماهير المتعطشة للحرية وتحسين مستوى العيش، بالترافق مع تحقيق حلم طه حسين في مجانية التعليم ليصبح كالماء والهواء فعلاً لا مجرد شعار، والبدء بنشر الخدمات الصحية بعدالة بين ملايين المصريين الذين لم يحظوا بها من قبل قط، كما كانت تتسابق على عقولنا وقلوبنا الأقلام الثورية في الصحف المصرية من مثل إحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين وخالد محمد خالد وعبد الرحمن الشرقاوي وصلاح حافظ ويوسف إدريس ومحمود أمين العالم، مبشرة بعصر من الازدهار جديد، بعد تأميم قناة السويس وبدء بناء السد العالي، ولعلي بتأثير من ذلك أتذكر أن أول بحث عن التأمين الصحي نشرته لي مجلة "السماعة" في نقابة الأطباء الأردنيين في ستينات القرن الماضي كان يحتوي على تجربة مصرية رائدة في عهد عبد الناصر جرى تطبيقها في محافظة الاسكندرية تمهيداً لتعميمها على باقي محافظات الجمهورية.

وفي النصف الآخر من الكرة الأرضية مضى وقت طويل قبل أن تتحرك القوى العاقلة تضامناً مع النقابات العمالية في كندا وما يشبه ذلك في أستراليا ونيوزيلندا، لتفلت من الهيمنة الأميركية ومن قيود النظام الرأسمالي وأدواته الكبرى كالبنوك التي ليس بين أهدافها ما يمت بصلة للصحة والرحمة وتخفيف الألم والمعاناة الإنسانية، لتنشئ تأمينها الصحي السخي الذي لم يجد أعداؤه ما يعترضون عليه سوى ادعاء بالإشفاق على المرضى من قوائم الانتظار الطويلة، وهي مشكلة إدارية بحتة لها حلول سهلة غير الفساد والمحسوبية أو حرمان الفقراء بحجتها من حق الحصول على الخدمات الصحية!.

أما المحطة الكبرى التي أعتبرها بكل ثقة وإيمان الفرصة الحقيقية للبشرية في عصرنا الراهن فقد شهدنا إطلالتها مع بزوغ فجر ميثاق الأمم المتحدة عام 1946 وتأكيد الحق في الصحة بإنشاء منظمة الصحة العالمية عام 1948 لوضع مبادئ للرعاية الصحية تصلح لكل الشعوب ويمكن تطبيقها بأقل التكاليف الممكنة وبأبسط الوسائل المتوفرة، وقد توجت هذه المنظمة جهودها عام 1978 بعقد اجتماع لمجلس الصحة العالمية ضم في عضويته وزراء الصحة المسؤولين قانوناً عن جميع الشؤون الصحية في حكومات العالم وذلك في ألما آتا عاصمة كازاخستان في الاتحاد السوفيتي وجرى التوقيع على تلك الوثيقة التاريخية وبدأ السباق لتحقيق شعارها الاكبر "الصحة للجميع" بحلول عام 2000. وكان الأمل يحدو العديد من الدول ومن بينها بلدنا الفقير الذي كان قد حقق في العقود القليلة السابقة نجاحات رائعة في مجالات الرعاية الأولية مثل القضاء على وباء الملاريا المتوطن أوائل سبعينات القرن الماضي، والجدري أسوة بكل شعوب الارض 1978. وهنا نتذكر أيضاً الدور الباسل الذي قامت به فرق التقصي الوبائي التي وجدناها جاهزة على أهبة الاستعداد أثناء وباء كورونا 2021، ومثل مكافحة أمراض الطفولة القاتلة كالجدري والحصبة وشلل الاطفال والدفتيريا "الخانوق" في برنامج وطني للمطاعيم مستمر لا يتوقف حتى قارب بعضها الاختفاء، ومثل حصول التلاميذ في الصحة المدرسية على النظارات الطبية مجانا، وبإنشاء أول مركز وطني للسمعيات حصل المحتاجون منهم على معينات سمعية شبه مجانية. أما المحطة الأخيرة التي لاحت فيها الفرصة كي نقدم للعالم خلاصة التجربة الأردنية حين جرى انتخابي عام 1986 مندوباً عن إقليم شرق البحر المتوسط كرئيس لمجلس الصحة العالمية في جنيف للعمل في صفوف المنظمة الدولية، كما تعلمت الكثير منها ومن مختلف دول العالم فيها. وكان قبل ذلك قد بدأ الحماس عندنا في بناء المراكز الأولية، ومن ثم استكمالها لخدمة نظام تحويل المرضى بإنشاء المراكز الثانوية "الشاملة" المرتبطة بالمستشفيات في سلاسل متكاملة محكمة يضبطها التعاون المخلص، إلى أن فرضت في ديارنا بقانون مؤقت المؤسسة الطبية العلاجية عام 1987، وبدأ معها مسلسل التراجع وتفتيت المؤسسات الصحية العريقة الراسخة، والتمهيد للخصخصة بالاستسلام لشركات التامين، كما في الولايات المتحدة وكما بدأت تفعل مارغريت تاتشر في بريطانيا وهي تتحرش بنظام الصحة الوطنية فيها بحجج وذرائع مع هجوم أميركا ونادي الكبار على منظمة الصحة العالمية واتهامها المهين بأنها فاشلة لا تصلح لهم بل للدول الفقيرة!

وفي بلاد عديدة وبينها الأردن بدأت الأقسام الأساسية المتكاملة التي تقود النظام الصحي ممثلة بوزارة الصحة تفصل تدريجيا عنها مثل المجلس الصحي العالي والمجلس الأعلى للسكان وقسم محاربة الأوبئة والامراض المعدية والسكري وعلاج السرطان ومؤسسة الغذاء والدواء!

وبعد، لقد أتى على البشرية زمان كانت تخشى فيه أن تتحدث عن حقها في الصحة فذلك إما منة من الأغنياء على الفقراء، أو هو سلعة عليهم أن يدفعوا ثمنها مهما كان باهظاً، ولا يهم لو أدى حرمانهم منها الى شقائهم أو موتهم.

وفي هذه الأيام تزيد أميركا من حملاتها على المؤسسة الدولية خصوصا في المجال الصحي ساعيةً لأن تُحل محلها مؤسسات تابعة لها كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهما لمن - لم يعرف بعد - مؤسستان ماليتان كبيرتان تساهم فيهما حكومات وبنوك، الأميركية في مقدمتها!

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }