ثمة أفكار عديدة استحضرتها في ذهني، تزامنا مع اتصال سعدت به من الصديق نضال منصور للمشاركة في ملتقى "مستقبل الإعلام والاتصال"، الذي ينظمه مركز حماية وحرية الصحفيين، متحدثا في جلسة "السردية الوطنية الأردنية: كيف فهمها وقدمها الإعلام؟"، مع كل من معالي وزير الثقافة الأستاذ مصطفى الرواشدة، ومعالي الأستاذة القاصة بسمة النسور، حيث رحبت بالدعوة وبالمشاركة، ولكن بعد أن انتهت المكالمة، شعرت أن تلك الأفكار التي كنت ارتبها لصياغة مدونة حول تجربتي في توثيق ذاكرة المكان والإنسان في الأردن، زادت حمولتها الآن أكثر بإضافة عنوان الإعلام وكيف أثر أو تأثر بهذه السردية، كما تضاعفت المسؤولية التي تلزمنا بها مثل هذه الحواريات والجلسات، باجتراح الأسئلة، ومحاولة تحديد مؤشرات للأجوبة عليها.
علمت لاحقاً بأن الميسر لجلسة السردية والإعلام سيكون الصديق الإعلامي حسام الغرايبة، فتشجعت أكثر لترتيب أفكاري خارج القوالب الجاهزة، لما أعرفه عن حسام من جدية ووعي في حواراته، إضافة إلى ذكائه في توجيه النقاش باتجاه مساحات تثير الجدل، ولا تركن إلى الرتيب من الخطاب السائد.
***
هذه الكتابة الآن، أخطها بعد نهاية الجلسة التي مرّت على أحسن حال، رغم شح الوقت المتاح لكل متحدث للتعبير عن رأيه ورؤيته حول هذا العنوان المهم بشقيه؛ السردية والإعلام، إلا إن تلك الساعة وربع التي توزعت على المتحدثين والميسر كانت فرصة لتقديم عناوين وأفكار عامة، وإثارة أسئلة تحتاج إلى مزيد من الحوار والنقاش، قدمها كل مشارك منا بحسب موقعه وموقفه ووجهة نظره وفكره ووعيه.
وهنا، أعود في كتابتي إلى مجموعة من النقاط والتفاصيل التي قدمتها في الجلسة، بحسب ما أتيح لي من مساحة للتعبير عنها، ولكنها تشكل وجهة نظري التي سأكتبها في إطار رؤيتي لعلاقة السردية بالإعلام، كبوابة للحديث عن جدل كثير اشتبكت فيه أطر متعددة؛ الدولة، السياسة، المجتمع، المؤسسات، الإعلام، المناهج، الدين، التاريخ، الأرض، الإنسان، الذاكرة، الهوية، الذات، الآخر، وغيرها من مسميات جعلتنا "مبادرة توثيق السردية الوطنية الأردنية"، كأفراد وجماعات، في مواجهتها، لمعاينتها بكل جرأة، وبشفافية، وبإحساس بالمسؤولية، مواجهة ضرورية للإجابة عن كثير من الأسئلة التي كنا نؤجل طرحها، أو نوارب الإجابات عليها، أو نزين الصياغات عند مناقشتها.
***
لم يكن نضال منصور بين الحضور، عندما بدأت حديثي في جلسة "السردية والإعلام"، ربما انشغل بجلسات أخرى في تلك اللحظة، لكني قلت موجها كلامي إليه وأنا أبحث عنه: إن الإعلام هو عنوان الجلسة، وهو المتابع لها، والناقل لتفاصيلها، وعلى المنصة يجلس أربعة ليتحدثوا عن السردية الأردنية والإعلام؛ كل من معالي مصطفى الرواشدة ابن قرية عي في محافظة الكرك، ومعالي بسمة النسور من السلط، ومفلح العدوان من البلقاء، وحسام الغرايبة من عجلون، وكلهم اعتز بهم وبالمكان الذي ينتمون إليه، والعائلات التي يحملون اسمها، وهم خير من يتحدث عن السردية ويمثلها، ولكن الحديث لا يكتمل إلا بتمثيل كل تفاصيل الدائرة/ الوطن، خاصة في مرحلة تأسيس الإمارة وما رافقها من تزامن التأسيس مع قدوم رجالات حزب الاستقلال العربي إلى شرق الأردن بعد معركة ميسلون، وانهيار حكم المملكة الفيصلية في سوريا، وتشير سردية الدولة الأردنية بأنه كان فيها أول رئيس للوزراء في الأردن رشيد طليع/ لبناني درزي، وقد كان أول وزير داخلية في حكومة الملك فيصل في سوريا، وكان رئيسا لحزب الاستقلال العربي، هذا التأسيس وما رافقه من علاقة مع الاعلام، كان يمكن أن يتحدث حوله آخرون أيضا، كما أن تاريخ عمان يشير إلى إسماعيل بابوق الشركسي الأردني كأول رئيس لبلديتها التي تأسست عام 1909م، وكان سعيد المفتي رئيسا للوزراء عدة مرات ورئيسا للأعيان، بينما كان الدكتور حازم نسيبة، ابن القدس،وزير خارجية الأردن، ومندوبا للأردن في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لعدة سنوات، والقائمة تطول وتعكس تماسك ولحمة هذا الوطن، والشركاء في السردية الوطنية، في كل مراحل الدولة منذ التأسيس وعلى امتداد مراحل تطور الأردن، فلماذا لم يكتمل عقد المتحدثين عن السردية والإعلام بأسماء شخصيات أخرى تضيف معاني ودلالات من فسيفساء روح التشكيل والتنوع التي تأسست عليها سرديتنا الوطنية الأردنية؟
***
وربما يكون مصطلح "السردية"، كما أعيه، عنوانا فضفاضا لا يعبر عما يراد منه في توثيق الرواية الوطنية الأردنية، هذه الرواية التي تندرج تحتها الكثير من التفاصيل والقصص والحكايات والأحداث، لكن أما وأنه قد تم اعتماد مصطلح "السردية" رسميا وشعبيا في إطار مدونة توثيق "السردية الوطنية الأردنية"، فإن أول ما يتبادر للذهن هو سؤال "لماذا الحديث عن السردية الآن؟"، ولعل الراصد لتتبع السياقات التي سبقت اطلاق المبادرة/ المشروع، يلاحظ أنها جاءت بعد مئوية تأسيس الدولة الأردنية، وبعد تشكيل "اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية"، وبعد الجدل والنقاشات التي أثيرت داخل اللجنة، وعلى المنابر الإعلامية، وفي الصالونات السياسية، وعلى المنصات الرقمية، حول تعريف الهوية، وتعدد الآراء والطروحات حولها.
بعد هذا الجدل والتوقيت، لعل الحديث عن توثيق السردية الوطنية الأردنية، أو روايتها، جاء تجسيدا للإجابة عن سؤال "من نحن؟"، لوضع الإطار الفكري والرمزي الذي يروي قصة الأردن، ونشأة الدولة، وهويتها، وقيمها، ودورها التاريخي والسياسي، لتكون هذه السردية هي "الرواية الجامعة"، التي تعرف المجتمع بنفسه، وتوثق مفاصل تأسيس الدولة، وأهدافها، وموقعها من العالم، لتكون السردية وفق هذه الأطر خليطا من التاريخ الرسمي، والذاكرة الجمعية الشعبية، والخطاب السياسي، والمناهج التعليمية، والقيم المجتمعية، وغيرها من المفاهيم كأداة لتوحيد مكونات المجتمع الأردني، ضمن إطار جامع، يحتفي بالتنوع، ويخلق وعيا جمعيا مشتركا، إنها مزيج من الجغرافيا والتاريخ والسياسة والذاكرة، وهي فعل واع لاستعادة وتوثيق قصة الأردن.
***
وبالتوازي مع هذه المبادرة الرسمية لتوثيق السردية الوطنية الأردنية، بما رافقها من تشكيل للجنة توجيهية ولجان فرعية علمية، يبرز سؤال عن المساحة المتاحة لتوثيق التاريخ الشفوي، وأهميته في رفد السردية الوطنية، والتعامل معه كمتن لا هامش في المدونة الكلية للسردية، في سياق تفاعل علمي موضوعي معها، بعيدا عما توارثناه حول "حديث القرايا وحديث السرايا"، فكلاهما يكمل الآخر، وإن اختلفت الرواية وصياغتها وكيفية التعبير عنها.
كما أن هناك الكثير من المتوارث حول تاريخ البلاد ما زال حاضرا في مكتباتنا، وبحاجة إلى تدقيق ومراجعة، لما فيه من تشوهات تمت كتابتها من خلال المستشرقين والرحالة خلال الثلاثة قرون الماضية، ويجري التعامل معها كحقائق، رغم أنها كتبت في سياق برامج ومخططات تخدم تلك المراحل التي كتبت فيها، وقد آن الأوان لتصحيح بعضها، ونقض كثير من الروايات التي وردت فيها.
***
وبالعودة إلى سؤال "السردية والإعلام"، عنوان الجلسة في الملتقى، فأشير إلى أن الإعلام في الأردن، قد سبق تأسيس الدولة، وذلك بالعودة إلى عام 1920م، ومع قدوم الأمير عبد الله بن الحسين إلى معان، حيث كان أول إجراء سياسي له في المدينة هو تأسيس جريدة الحق يعلو، لتحمل صفحاتها الخطاب السياسي للدولة قبل انتقال الأمير إلى عمان، وتأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921م.
والإعلام في الأردن، تعاطى على مدى سنوات طويلة، مع تتبع محطات السردية الوطنية الأردنية، قبل الإعلان عن توثيقها رسميا، ولعلي شاهد عيان، ومشتبك مع تفاصيل مشروعين مهمين أطلقتهما جريدة الرأي في عام 2005م، عندما كان رئيس تحريرها الأستاذ عبد الوهاب زغيلات؛ الأول هو مشروع بوح القرى، الذي تشرفت بكتابته والإشراف عليه حتى عام 2016م، وثقت فيه تاريخ وذاكرة أكثر من 350 قرية على امتداد مساحة الأردن، والثاني هو مشروع "صهيل الصحراء"، الذي كتبه ونفذه الصديق الراحل جهاد جبارة –رحمه الله، وجاب البادية الأردنية، متتبعا قصص الأمكنة، وحكايات الأهل في تلك المناطق البعيدة، بكل وفاء وجلد وإخلاص.
ويضاف إلى هذه الجهود ما قدمته مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، في عهدها الذهبي في الثمانينات والتسعينيات، من خلال تعاطيها مع كثير من الأحداث والتفاصيل الوطنية، في انتاجها للدراما التلفزيونية والبرامج الإذاعية، التي ما زلنا نتذكرها حتى الآن، من مسلسل هبوب الريح، ومسلسل أم الكروم، ومسلسل الطريق إلى باب الواد، وفيلم نزهة على الرمال، وغيرها، انطلاقا من الوعي بأن الدراما ومعها الأغنية والمسرح والفنون البصرية والأدائية، هي قوى ناعمة، قادرة على تقديم الرواية الوطنية الأردنية، بشكل أعمق وبروح حية تؤثر أكثر من الخطاب المباشر والخطب الحماسية الآنية.
***
وفي الختام، فإن السردية الوطنية الأردنية، وفي توقيتها الآن، هي ضرورة وليست ترفا، إذا أحسن صياغتها وإخراجها وتقديمها بأسلوب موضوعي جامع معبر عن كل فسيفساء المجتمع الأردني، كرواية جامعة، يتشارك في صياغتها الجميع، تكون عنوانا لأردن الشموخ والمحبة تحت راية هاشمية أردنية عربية نعتز بها، لنقول معا "أنا الأردن"، ونردد ما كان كتبه الشاعر سليمان المشيني:
"أنا الأردن..
أنا والمجد والتاريخ والعلياء والطفر
رفاق.. منذ كان البدء والإنسان والعصر
من سمائي شع نور الحق يهدي البشرية
من ربوعي سار ركب الخير ركب المدنية".