يتجه مستهلكون إلى شراء السلع المستعملة بدلًا من الجديدة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء المالية، بحثًا عن أسعار تتناسب مع دخولهم وتساعدهم على تلبية احتياجاتهم بأقل كلفة ممكنة، في وقت لم يعد فيه هذا الخيار مقتصرًا على أصحاب الدخل المحدود، بل أصبح لدى فئات أخرى وسيلة لتوفير المال وإدارة النفقات.
وتتنوع خيارات الشراء بين الأجهزة الإلكترونية والهواتف الذكية والأثاث المنزلي والسيارات والملابس، مستفيدين من فروق الأسعار وانتشار منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الإلكترونية التي سهّلت عرض المنتجات ومقارنة الأسعار والتواصل المباشر بين البائع والمشتري.
وبالنسبة إلى بعض الأسر، أصبح شراء المستعمل وسيلة لتأمين احتياجاتها دون استنزاف الميزانية الشهرية، أو اللجوء إلى التقسيط والاقتراض، فيما يرى آخرون فيه فرصة للحصول على منتجات جيدة بأسعار أقل.
تعكس قصة أسرة ابو هشام هذا التوجه؛ فمع تعدد الاحتياجات المنزلية ومحدودية الدخل، تصبح المفاضلة بين شراء سلعة جديدة وأخرى مستعملة جزءًا من إدارة المصروف الشهري، وقد تختار الأسرة شراء قطعة أثاث مستعملة بحالة جيدة، لتوفير المبلغ المتبقي لمصاريف الغذاء والفواتير واحتياجات الأبناء.
وفي مثل هذه الحالات، لا يرتبط القرار بالضرورة بعدم القدرة على شراء الجديد فحسب، بل بمحاولة توزيع الدخل على الأولويات، وتجنب الإنفاق على مشتريات يمكن تأمين بدائل مناسبة لها بكلفة أقل.
ويعزو الخبير الاقتصادي ابراهيم بشايرة زيادة الإقبال على السلع المستعملة إلى عوامل اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية، أبرزها ارتفاع أسعار السلع الجديدة بمعدلات تفوق نمو الأجور، ما يدفع المستهلكين إلى البحث عن بدائل تساعدهم على الحفاظ على مستوى معيشتهم.
ويضيف أن انتشار المنصات الإلكترونية سهّل عمليات البيع والشراء المباشر وخفّض التكاليف المرتبطة بالوساطة، إلى جانب تغير الثقافة الاستهلاكية وتراجع النظرة السلبية تجاه المستعمل، خصوصًا لدى فئة الشباب.
ويرى بشايرة أن هذا التوجه يجمع بين تراجع القدرة الشرائية والتحول في سلوك المستهلك، إذ تدفع الضغوط المعيشية أصحاب الدخل المحدود والمتوسط إلى البحث عن خيارات تتناسب مع ميزانياتهم، فيما ينظر آخرون إلى المستعمل باعتباره وسيلة لترشيد الإنفاق والاستهلاك المستدام.
ويذكر ان عمليات الشراء لا تقتصر على نوع محدد من السلع، إذ تشمل الخيارات الأجهزة الإلكترونية والسيارات والأثاث المنزلي والملابس، وفقًا لطبيعة المنتج وعمره الافتراضي وفارق السعر بينه وبين نظيره الجديد.
ويوضح بشايرة أن شراء الأجهزة الإلكترونية المستعملة بحالة جيدة يتيح الحصول على إصدارات سابقة بأسعار أقل، فيما يرتبط الإقبال على السيارات المستعملة بارتفاع أسعار المركبات الجديدة والانخفاض الذي قد يطرأ على قيمتها بعد شرائها، أما الأثاث والأجهزة المنزلية، فتتيح للأسر تأمين احتياجاتها الأساسية بكلفة أقل، في حين تشكل ملابس الأطفال خيارًا مناسبًا لبعض العائلات، نظرًا إلى قصر مدة استخدامها في كثير من الحالات.
وبحسب بشايرة، لا تتوقف فوائد سوق المستعمل عند توفير فارق السعر، بل تمتد إلى منح الأسر مساحة أكبر لإدارة ميزانياتها، إذ يسمح خفض الإنفاق على المشتريات الكبيرة، مثل الأثاث والأجهزة المنزلية، بتوجيه جزء من الدخل نحو الغذاء والتعليم والخدمات الأساسية.
كما يتيح السوق للأسر بيع مقتنياتها التي لم تعد بحاجة إليها وتحويلها إلى سيولة نقدية تساعدها في تغطية النفقات، وقد يقلل شراء المستعمل من حاجة بعض الأسر إلى الاقتراض أو التقسيط لتأمين احتياجاتها، بما يخفف الأعباء المالية المستقبلية.
لكن تحقيق التوفير الفعلي يتطلب التأكد من حالة السلعة وجودتها وكلفة إصلاحها وصيانتها، خصوصًا في الأجهزة الكهربائية والإلكترونية والسيارات، إذ إن انخفاض سعر الشراء لا يعني بالضرورة انخفاض الكلفة الإجمالية إذا احتاج المنتج إلى إصلاحات متكررة.
ويتوقع بشايرة استمرار التوجه نحو شراء المستعمل وتحوله إلى نمط استهلاكي أكثر استقرارًا، في ظل الضغوط على ميزانيات الأسر وتزايد الاعتماد على المنصات الإلكترونية وتقبل الشباب لهذا النوع من الشراء.
ويشير إلى أن توفير خدمات الفحص الفني والضمان والصيانة والاستبدال يمكن أن يعزز ثقة المستهلكين ويمنح السوق قدرًا أكبر من التنظيم.
وبين ضغوط المعيشة وتغير الثقافة الاستهلاكية، يعكس اتساع سوق المستعمل تحولًا في طريقة تعامل المستهلك مع احتياجاته وأولوياته؛ فلم يعد السؤال مقتصرًا على القدرة على شراء السلعة الجديدة، بل أصبح يتعلق بمدى الحاجة إليها وجودة البدائل المتاحة وقدرة كل خيار على تحقيق التوازن بين متطلبات المعيشة والإمكانات المالية.