كشف الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «أمان»، والرئيس الحالي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، تامير هايمن، عن تحولات عميقة في مفهوم الأمن الإسرائيلي بعد هجوم «7 أكتوبر»، معتبراً أن الممارسات الأمنية التي انتهجتها إسرائيل منذ ذلك التاريخ تعكس ملامح مفهوم أمني جديد يتجاوز السياسات العسكرية إلى إعادة تشكيل هوية الدولة الوطنية وأولوياتها.
وقال هايمن، في دراسة تحليلية نشرها في 7 تشرين الأول الحالي، بعنوان «مفهوم الأمن القومي الجديد: تصور مفاهيمي وأسئلة للنقاش»، إنه بعد 3 أعوام على الهجوم، بات واضحاً أن السياسة الأمنية الإسرائيلية تُوجَّه عملياً وفق مفهوم أمني جديد، يختلف عن المفهوم غير المكتوب الذي تشكّل على مدى عقود، وأصبح يحكم جوانب رئيسية من سلوك إسرائيل الأمني والعسكري.
ويطرح هايمن، في تحليله 3 مستويات مترابطة، هي الهوية الوطنية، والمفهوم الأمني، والسياسة الأمنية، موضحاً أن المفهوم الأمني يستمد مرجعيته من هوية الدولة ودستورها وإرثها التأسيسي، ويفترض أن يكون أكثر استقراراً من السياسات التي تتغير بتغير الحكومات.
ويستخلص هايمن 10 مبادئ يرى أنها ترسم ملامح هذا المفهوم الجديد، في مقدمتها تقديم الهوية اليهودية على القيم الديمقراطية، حتى عندما يؤدي ذلك إلى تآكل هذه القيم، بما يثير تساؤلات بشأن مستقبل التوازن بين الطابع اليهودي للدولة ومبادئ المساواة والمواطنة.
ويتمثل المبدأ الثاني في التعامل مع السلام بوصفه وسيلة لا غاية، إذ يُنظر إلى الاتفاقات مع الأطراف العربية باعتبارها مؤقتة وقابلة للانهيار، فيما قد يُصوَّر السعي إلى التهدئة على أنه تكرار للأخطاء التي سبقت الهجوم، ويعكس هذا المنظور، تراجع الثقة بإمكان بناء استقرار طويل الأمد من خلال الاتفاقات السياسية وحدها.
أما المبدأ الثالث، فيتصل بالنظرة إلى الدول العربية، إذ ينقل هايمن تصوراً يعتبر معظمها تجمعات قبلية لا دولاً قومية متماسكة، ويرى أن زعزعة استقرارها أمر طبيعي، وهو طرح يعكس مقاربة إشكالية للعلاقات الإقليمية، تقوم على التشكيك في استقرار الدول المحيطة بدلاً من التعامل معها باعتبارها أطرافاً يمكن بناء علاقات قائمة على المصالح المتبادلة معها.
ويتمثل المبدأ الرابع في ترسيخ الحرب باعتبارها حالة أساسية في منظومة الأمن القومي، بدلاً من اعتبارها وسيلة استثنائية لتحقيق أهداف محددة، ووفق هذا التصور، ينظر إلى الهدوء بوصفه علامة ضعف، وإلى السعي لتجنّب المواجهة باعتباره تنازلاً قد يهدد الأمن، الأمر الذي يفتح الباب أمام استمرار العمليات العسكرية وتراجع فرص التسويات السياسية.
ويضع المبدأ الخامس الاعتماد على الذات في صدارة الأولويات، من خلال تقليص التبعية للولايات المتحدة والتحرر من القيود التي قد تفرضها الإدارات الأميركية على القرارات الإسرائيلية.
أما المبدأ السادس، فيمنح الأولوية المطلقة للمبادرة والهجوم على حساب الدفاع، انطلاقاً من اعتبار الحرب الاستباقية والمفاجئة الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق النصر. ووفق هذه المقاربة، يصبح التحرك الهجومي عنصراً مركزياً في العقيدة الأمنية، بدلاً من الاكتفاء بمنع التهديدات أو احتوائها.
ويرتبط بذلك المبدأ السابع، المتمثل في اعتماد الدفاع الأمامي عبر إنشاء مناطق عازلة أو مواقع دفاعية داخل أراضي الخصوم، بهدف نقل المواجهة إلى ما وراء الحدود الإسرائيلية في أسرع وقت ممكن.
ويتمثل المبدأ الثامن في التعامل مع الصراع الفلسطيني باعتباره جزءاً من صراع إسرائيلي عربي دائم، مع رفض الفصل السياسي أو الجغرافي أو الأمني بين إسرائيل والكيان الفلسطيني، ورفض إقامة دولة فلسطينية.
أما المبدأ التاسع، فيمنح الاستيطان والمستوطنين دوراً أساسياً في منظومة الأمن، من خلال العودة إلى مفهوم يرى في المستوطنات خطوط دفاع متقدمة، وفي المستوطنين جزءاً من شبكة الدفاع عن إسرائيل.
ويتمثل المبدأ العاشر في تعزيز الاستقلال الصناعي والأمني، عبر توسيع الإنتاج المحلي والاستثمار في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية، وتقليص الاعتماد على الخارج، بما يشمل الحد من الارتباط بأطر التعاون الدولي التي قد تقيد حرية القرار الإسرائيلي.
وفي مقابل هذه القراءة، يبرز نقاش داخل الأوساط البحثية الإسرائيلية بشأن ما إذا كانت هذه الممارسات تشكل بالفعل عقيدة أمنية متكاملة، أم أنها تعبير عن توجه أيديولوجي وسياسي قد يحمل مخاطر استراتيجية.
وفي هذا السياق، انتقد عوفر شيلاح، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، ما وصفه بالمنطق المعيب والخطر للمفهوم الأمني الجديد، محذراً من أن إسرائيل تتجه نحو حرب بلا نهاية، مع اتساع نطاق انتشارها العسكري وتزايد امتداد حدود المواجهة. ويرى أن هذا المسار قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الإسرائيلي وتماسك المجتمع ونموذج «جيش الشعب»، فضلاً عن تأثيراته في رغبة قطاعات من السكان في البقاء داخل إسرائيل.
وفي ظل غياب وثيقة رسمية تحدد معالم هذا المفهوم، يبقى السؤال مطروحاً بشأن ما إذا كانت إسرائيل تشهد مجرد إعادة ترتيب لأولوياتها الأمنية بعد هجوم السابع من أكتوبر، أم تحولاً أعمق في تصورها لذاتها ولدورها في المنطقة.