لذلك تسعى الدول العظمى بدعم الطرف المنافس للدولة العظمى في أي أزمة دعما خفيا عسكريا واقتصاديا وسياسيا وذلك من أجل استنزاف الدولة العظمى التي تحارب الدولة الضعيفة.
لنبدأ بتحليل كل أزمة، ولتكن أقدم الأزمات وهي القضية الفلسطينية، فالتغول الإسرائيلي بدعم أمريكي على قضية العرب الأولى، أصبحت من طرف واحد لازالت عالقة دون حل على حساب الفلسطينيين لإقامة دولتهم .
أما الأزمة الروسية الأوكرانية والتي بدأت العقد الماضي وتأزمت بالحرب الروسية-الأوكرانية منذ شباط لعام 2022 لا تزال عالقة بدون حل؛ مرورا بالأزمة الأمريكية الإيرانية منذ مطلع هذا العام والتي وصلت الى طريق مسدود والمرجح أن يكون هناك ضربة أمريكية لإيران، وأخيرا الأزمة التايوانية.
إن الخبراء الإستراتيجيين يعلمون بأن جميع هذه الأزمات لا تُحل باستخدام قوة السلاح، ولن يكون هناك غالب أو مغلوب، والسبب أن التوازنات العالمية بين الدول العظمى الثلاث وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين يجب ان لا تُمَس في كل أنحاء العالم، لأن أي تغيير على أرض الواقع سيخل بهذه التوازنات، فمصالح هذه الدول العسكرية والسياسية والاقتصادية في جميع أنحاء العالم هي بمثابة جزء لا يتجزأ من الأمن القومي لها.
لذلك حتى لا تفقد الدول العظمى هيبتها كدول عظمى في نظر العالم وتلجأ لكسب أي معركة حتى باستخدام السلاح المحظور، لا يجوز أن تنفرد بحرب إقليمية مع دول أخرى، لأن الدول العظمى الأخرى لن تقف مكتوفة الأيدي لترى انتصارها العسكري والاقتصادي أو محاصرتها والاقتراب منها، فتبقى تدعمها بالخفاء الى آخر رمق.
فحل الأزمة الأمريكية الإيرانية يجب أن يتم من خلال جلوس الدول العظمى على طاولة واحدة لإنهاء هذه الأزمة التي تتشابك مع بقية الأزمات الثلاث؛ وأن يتم حل جميع الأزمات الأربع حلا جذريا بما يضمن مصالح الجميع وتقديم تنازلات ستأتي بالطبع في صالح الدول الضعيفة في الصراع ، وستكون الفرصة سانحة لإنقاذ الاقتصاد العالمي، وإنقاذ اقتصادات دول أخرى تأثرت بهذه الأزمات دون تعويض بسبب تغول الدولة العظمى التي هي طرف في الأزمة.
مدير مركز جوبكينز للدراسات الإستراتيجية.
الخبير والمحلل الإستراتيجي والاقتصادي.